فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 2431

ثم برأ عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم مما نسبه إليه المفترون، وأثبت أنه الحق الكامل من ربه، كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3] .

فالقرآن هو الحق من رب العالمين: «الحق بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي، وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت.

الحق .. بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية، وما يعقده بينهم وبين قوى الكون كله من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق.

الحق .. الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه، في يسر وسهولة، وفي غير مشقة ولا عنت؛ لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم، الحق .. الذي لا يظلم أحدًا في دنيا أو آخرة» 32.

ثم نفى سبحانه وتعالى أن يختلق هذا القرآن كذبًا، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] .

أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب المتقدمة، ومهيمنًا عليها، ومبينًا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وفيه بيان الأحكام والحلال والحرام، بيانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مرية فيه من الله رب العالمين 33.

قال سيد قطب رحمه الله: «وما كان من شأنه أصلًا أن يفترى، فليس الافتراء هو المنفي، ولكن جواز وجوده هو المنفي، وهو أبلغ في النفي وأبعد» 34.

ثم بين سبحانه وتعالى أن المنتفعين بهذا القرآن هم المؤمنون فهو هدى ورحمة لهم، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] .

أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب المنزلة من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.

{وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات.

فلهذا كان: {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد 35.

هكذا عرض القرآن الكريم افتراءات المكذبين، ثم دحضها عن القرآن وعن حامله، ثم أثبت بأنه من رب العالمين، ثم حدد المنتفعين به، وهم المؤمنون.

الافتراء على كتاب الله في الزمن الحاضر:

لقد ظهر في هذا العصر أحفاد للمفترين السابقين ساروا على نهجهم، واستخدموا طريقتهم في الافتراء، لم يوص بعضهم بعضًا بذلك، بل تشابهت قلوبهم في الافتراء، كما قال الله: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] .

فـ «منهم من أنكر الوحي، وادعى أن القرآن «أثر أدبي خالد» وأنه «منتج ثقافي» لا أكثر» 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت