وقال جل شأنه: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَ?ذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَ?ذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ? فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ? وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [الأعراف:19 - 22] .
والرغد في الآية المقصود به الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يعني صاحبه، يقال: أرغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء، كما قال امرؤ القيس 101:
بينما المرء تراه ناعمًا
يأمن الأحداث في عيشٍ رغد
هذا وقد ترتب على أكل سيدنا آدم عليه السلام من الشجرة المنهي عنها ثلاثة أمور كما يستنبط من القصة القرآنية:
الأول: ظهور عورتهما، ولم يكن لهما سابق علم بها، حيث لم يكونا بحاجة إلى الإخراج.
الثاني: عتاب الله تعالى لسيدنا آدم عليه السلام على ما فعل، وتذكيره بالنهي الذي نهاه ولم يمتثل له نسيانًا منه، وإغواء من الشيطان.
الثالث: الهبوط من الجنة إلى الأرض للعيش عليها.
كل ما ورد ذكره في القرآن الكريم أمرًا بالأكل إنما هو للإنسان، إلا ما ورد بشأن الحيوان على نحو ما سيأتي في موضعه، وأمر الله عز وجل للإنسان بالأكل جاء في معارض كثيرة، فجاء مرة في معرض تعداد النعم على بني إسرائيل، ومرة في معرض أمر المؤمنين بأكل الطيبات، ومرة في معرض أمر الناس بالأكل مما في الأرض من رزق الله تعالى، وهكذا، وهذه المواضع كلها جاء ذكرها في أماكنها من هذا البحث بما يغني عن إعادتها هنا.
إلا أن الذي أكتفي بالإشارة إليه من أكل الإنس هنا هو بضعة مواضع فيها بعض العبر والنكات التفسيرية وهي:
أولًا: أكل الفقير بالمعروف من مال اليتيم صيانة لنفسه.
حث الله سبحانه وتعالى عباده على الاقتصاد في الطعام والشراب وسائر وجوه النفقة، وفي حالة كون المرء قيمًا على مال يتيم، فقد حثه الشارع على أن يراعي حاله من حيث الغنى والفقر، بحيث يتعامل مع مال اليتيم بالحذر.
فإن كان القيم على مال اليتيم غنيًا، فليتعفف عن أن ينال منه شيئًا، وإن كان فقيرًا فليكن تناوله منه بالمعروف حفاظًا على مال اليتيم، وذلك عملًا بقاعدة (ما أبيح للضررورة يقدر بقدرها) 102.
قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ? وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ? وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ? وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ? فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ حَسِيبًا) [النساء: 6] .