وفي معنى (? وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) أنهم لا يأكلون أموالهم على سبيل الإسراف والإتلاف، أو يبادرون بأكل أموالهم خشية أن يكبروا - أي اليتامى- فيتسلمون أموالهم من القائمين عليها.
أو كما عبر بعض المفسرين بقوله: «مسرفين ومبادرين كبرهم؛ أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا» 103.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (إِسْرَافًا وَبِدَارًا) يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله» 104.
وقد روي نحو هذا المعنى عن معمر وقتادة والحسن والسدي 105.
وفي معنى (فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أقوال كثيرة للسلف منها:
ما روي عن مجاهد قوله: « (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) من مال اليتيم، بغير إسراف ولا قضاء عليه فيما أكل منه» 106.
ومن بلاغة الآية الكريمة استنبط منها بعض التابعين أن المقصود ليس أكل الفقير من مال اليتيم، بل أكل الفقير من مال نفسه بالمعروف، فقد روي عن مجاهد قال: «لا تقرب مال اليتيم إلا للتجارة ولا تستقرض.
قال: فأما قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) ، فإنما معناه فليأكل من ماله بالمعروف يعني من مال نفسه» 107.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه -أي: الفقير- يأكل بأطراف أصابعه 108.
وروي عن عطاء وعكرمة أنه يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف ولا يكتسي منه، ولا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة.
وروي عن الحسن وجماعة أنه يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئًا منه رده.
وقال الكلبي: «المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئًا» 109.
ثانيًا: النهي عن أكل الإنسان مال اليتيم.
ورد في القرآن التحذير من أكل أموال اليتامى بدون وجه حق في صورة شديدة تبين قبح الفعل وسوء العاقبة، وذلك في قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ? وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ?10?) [النساء:10] .
وليس المراد بالأكل هنا الأكل تناول الطعام، بل المراد الإتلاف أو نهب المال أو أخذه بدون وجه حق، أو كما قال الإمام القرطبي: «ليس المقصود في الآية صورة الأكل أو نفس الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان؛ إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل» 110.
ولما نزلت هذه الآية اشتد الأمر على بعض الناس ممن يتولون أموال اليتامى، فعزلوا طعامهم وشرابهم عن طعام وشراب اليتامى حتى فسد الطعام وصار حرج كبير بسبب ذلك، فنزلت آية أخرى ترفع الحرج عنهم.
روي عن ابن عباس قال: «لما نزلت: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الأنعام:152] . و (نَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ? وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: 10] ، انطلق من