فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 2431

كان عنده يتيمٌ فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد؛ فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى? ? قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ? وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220] . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم» 111.

لطيفة في ذكر الأكل والبطون:

لم ذكر الأكل والبطون في هذه الآية مع أنه معروف أن الأكل لا يكون إلا في البطون؟

والجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن القرآن قد ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الإتلافات فإن ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه:

أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها فخرج الكلام على عادتهم.

وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرًا كانت أو شرًا أنه يقال: إنه أكل ماله.

وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات 112.

الوجه الثاني: أن ذكر البطون ورد مورد قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) [آل عمران:167] .

والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال: (وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46] .

والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام:38] ؛ والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة 113.

ثالثًا: النهي عن أكل أموال الناس بالباطل.

ورد النهي عن أكل أموال الناس بالباطل في مواطن عدة، منها قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188] .

وقوله جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء:29] .

(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَھ) [البقرة: 188] . وقد سبق ذكر ذلك في مبحث الاستعمال القرآني للأكل.

رابعًا: ذم حياة الكفار وتشبيه أكلهم بأكل الأنعام.

ذم الله سبحانه وتعالى حياة الكفار وشبهها بحياة الأنعام، بجامع أن كليهما لا يشغله إلا الطعام والشراب فقال جل شأنه: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد:12] .

والمعنى كما ذكره بعض المفسرين يحتمل ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن الأنعام يهمها الأكل لا غير والكافر كذلك، والمؤمن يأكل ليعمل صالحًا ويقوى عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت