وفي هذا النموذج كان الابتلاء بالخير؛ فقد آتى الله قارون المال الكثير امتحانًا وابتلاءً، ولكنه فشل في ذلك الاختبار، فكان من الخاسرين.
قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } [القصص: 76 - 78] .
لقد نصحه قومه بأن يستعمل المال - الذي ابتلاه الله به - في ما يرضي الله.
قال الزحيلي: «استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة» 37.
ولكنه فشل في الاختبار، فكانت النتيجة قول الله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) } [القصص: 81] .
3.بنو إسرائيل:
جاء الاختبار الأكبر لبني إسرائيل، وذلك عندما قال لهم موسى: يا قوم، ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا تتراجعوا ولا ترتدوا على أعقابكم فتصبحوا من الخاسرين.
قال تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) } [المائدة: 21] .
فأرسلوا أناسًا منهم ليستطلعوا الأمر، فوجدوا فيها قومًا أقوياء جبارين، فخافوا أن يدخلوا الأرض المقدسة، وقالوا لموسى: لن ندخل يا موسى حتى يخرجوا منها، فلتذهب أنت مع ربك فقاتلا إننا هنا قاعدون.
قال تعالى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة: 24] .
فكان عقابهم أنهم يتيهون في الأرض أربعين سنةً؛ جزاءً وفاقًا 38؛ فلقد كان ابتلاء بني إسرائيل واختبارهم بأن أمرهم موسى بدخول الأرض المقدسة، ولكنهم فشلوا في ذلك الابتلاء والاختبار فكانت العقوبة أن تاهوا أربعين سنة.
4.أيوب عليه السلام:
لقد ابتلي أيوب عليه السلام بالمكروه ابتلاءً عظيمًا بماله، وأولاده، وجسده، وقد صبر وحمد الله ونجح في الابتلاء، وقد كان ابتلاؤه لرفع درجته عند الله.
قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) } [الأنبياء:83 - 84] .
إن قصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء. والنصوص القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل، وهي في هذا الموضع تعرض دعاء أيوب واستجابة الله للدعاء؛ لأن السياق سياق رحمة الله بأنبيائه، ورعايته لهم في الابتلاء. سواء كان الابتلاء بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم، كما في قصص إبراهيم ولوط ونوح، أو بالنعمة في قصة داود وسليمان، أو بالضر كما في حال أيوب.
وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ووصف ربه بصفته: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .
ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبرًا على بلائه، ولا يقترح شيئًا على ربه، تأدُبًا معه وتوقيرًا؛ فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع العصور،. بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئنانًا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال. وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية الابتلاء. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} .
رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح، ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم، ورزقه مثلهم، وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثليهم، أو أنه وهب له أبناءً وأحفادًا.
{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} ؛ فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنة، {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} تذكرهم بالله وبلائه، ورحمته في البلاء وبعد البلاء، وإن في بلاء أيوب لمثلًا للبشرية كلها وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها. وإنه لأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع إليه الأبصار، والإشارة {لِلْعَابِدِينَ} بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها؛ فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء، وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان 39.
[انظر: الفتنة: الفتن والمحن بالشر والخير]
ثانيًا: الابتلاء بالأمر والنهي:
الابتلاء بالأمر والنهي أمر عظيم؛ إذ به تعرف الأحكام حلالها وحرامها، وقد بدأت كتب الفقه بها.
يقول السرخسي: «فأحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهى؛ لأن معظم الابتلاء بهما وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميز الحلال من الحرام» 40.
لقد بين الله للناس أن خلقهم وخلق السماوات والارض وخلق الموت والحياة وكل الأمور التي قدرها لهم لابتلائهم أيهم أحسن عملًا.
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك: 2] .
يقول الطبري: «ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع» 41.
والابتلاء بالأمر والنهي يسمى الابتلاء التشريعي، حيث يتعلق بأفعال المكلفين من حيث الحلال والحرام، والالتزام بما أمر الله من عدمه؛ وذلك مثل ابتلاء الله لإبراهيم عليه السلام بالإمامة.
قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) } [البقرة: 124] .
وابتلائه بذبح ابنه، ولما استجاب لأمر ربه، وتهيأ لتنفيذ الذبح، سمى الله ذلك التكليف البلاء المبين.
قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:102 - 106] .
ومن الابتلاء بالتكليف ما حدث لأصحاب القرية من بني إسرائيل.
قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) } [الأعراف: 163] .
قال الطبري: «كان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك» 42.
قال ابن كثير: «واسأل هؤلاء اليهود الذين بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة» 43.
وقال أيضًا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) } [محمد: 31] .
قال القشيري: «يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود، وعما ألزمهم من التكليف، ولقاهم به من صنوف التعريف» 44.
ومنه ما يكون ابتلاءات ابتلى المؤمنون بها أو الرسل لا عقوبة لهم، ولكن ليتم التشريع بها، مثل: ابتلاء عائشة رضي الله عنها بحادثة الإفك، وابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته وانقطاع الوحي عنه، فجاء لنا من رحم هذا الابتلاء آيات وتشريعات وأحكام وعبر، ما لا يأتي إلا من مثل هذا الابتلاء.
لابد للناس عامة وللمؤمنين خاصة، ولحملة الدعوة على وجه أخص، إذا أرادوا أن ينجحوا في دعوتهم من الصبر على الابتلاءات والمتاعب، والتي تتمثل في أذى الناس بالقول والفعل، فليس هناك شيء أشد على نفس الرجل المخلص في دعوته، البريء من الهوى، المحب الخير للناس من أن يمحض لهم النصح فيتهموه بما ليس فيه، وأن يدعوهم إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة فيردوه بالقوة، ويعظهم بالحسنى، فيستقبلوه بالسوء، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيقاوموه بالتي هي أخشن، ويدلهم على الخير فيقذفوه بالشر.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فكثيرًا ما يمتد الطغيان إلى الأموال فينهبها، وإلى الأبدان فيعذبها، وإلى الحريات فيسلبها، بل يتعدى الأمر إلى الأنفس فيقتلها، وقد أقسم الله تعالى في القرآن على وقوعه على الداعين إلى الله حيث خاطبهم بذلك ليوطنوا أنفسهم على الصبر الجميل.
قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران: 186] .
ويكون ابتلاء الدعاة إلى الله بصورٍ عدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: الاستهزاء والسخرية:
إن أسلوب الاستهزاء والسخرية بالدعاة والنيل منهم، وتحطيمهم أسلوب قديم، سلكه جميع الطواغيت مع الرسل وأتباعهم، قال تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) } [الحجر: 11] .
وأسلوب السخرية والاستهزاء بالدعاة إلى الله، لم يتوقف لحظة من اللحظات في الصراع القائم بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان عبر التاريخ.
قال تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) } [الأنبياء: 36] .
وقال أيضًا: {وَإِذَا رَأَوْكَ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) } [الفرقان: 41] .
قال الرازي: «اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته، وإيراد الشبهات في ذلك، بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزوًا، فلم يقتصروا على ترك الإيمان به، بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار» 45.
وقال أيضًا: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } [الأنعام: 10] .
قال الجزائري: «وتفيد الآية أن الاستهزاء والسخرية بالرسل والدعاة سنة بشرية لا تكاد تتخلف؛ ولذا وجب على الرسل والدعاة الصبر على ذلك، وفي الآية بيان عاقبة التكذيب والاستهزاء، وهو هلاك المكذبين المستهزئين» 46.
ثانيًا: الاتهام بالكذب:
من صور الحملات الإعلامية المسعورة التي يشنها الأعداء ضد الرسل والدعاة، اتهامهم بالكذب والافتراء والاختلاق، والتشنيع عليهم؛ لتشويه صورتهم، وإثارة الشكوك حولهم، حتى يفقد الناس ثقتهم بهم، بعدم الإيمان بهم أو اتباعهم، أو الدعوة إلى ما جاءوا به.
قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) } [ص:4] .
فقد كذبوه ورموه بالسحر؛ وقالوا: إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته 47.
وقال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) } [الأنبياء: 5] .
قال الألوسي: «لم يقتصر قولهم في حق الرسول صلى الله عليه وسلم: هل هذا بشر مثلكم، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم إنه سحر، بل قالوا عن القرآن: إنه تخاليط أحلام» 48.
ثالثًا: التعذيب بالضرب والجلد:
حتى يرهب أعداء الله وأولياء الشيطان أولياء الرحمن -كما يتوهمون وتسول لهم أنفسهم - يزمجرون ويزبدون، ويهددون بالويل والثبور، وعظائم الأمور لكل من تسول له نفسه مخالفتهم، والسير على طريق غير طريقهم، قال تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) } [الشعراء: 116] .
«أي: المرجومين بالحجارة، وهو توعد بالقتل» 49.
وقال أيضًا: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) } [هود: 91] .
ولقد ناقش إبراهيم عليه السلام أباه آزر نقاشًا موضوعيًا علميًا يدعوه فيه إلى عبادة الله وتوحيده، ويقدم له الحجة تلو الحجة، والدليل مع الدليل بأسلوب رفيق مع الأدب الجم والاحترام للأبوة، فيرد عليه الأب: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) } [مريم: 46] .
رابعًا: التهديد بالقتل والتنكيل:
حين يعجز الطواغيت عن منع الدعاة من الاستمرار في دعوتهم للناس، وعن صدهم عن دينهم وعن دعوتهم، بالرغم من كل الإغراءات التي يقدمونها لهم ولأتباعهم، لا يبقى أمامهم سوى التصفية الجسدية، والتنكيل بالمخلصين المؤمنين.
قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) } [غافر: 26] .
وهكذا عندما يعجز الطواغيت عن المعارضة بالحجة يلجؤون إلى قتل خصمهم، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالعقوبة 50، وفي سورة طه يقف الطاغية فرعون يهدد السحرة الذين آمنوا برب موسى وهارون.
قال تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) } [طه: 71] .
قال الرازي: «فيه اعتدادٌ باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء به» 51.
1.للابتلاء فوائد عظيمة وحكم جليلة، يمن بها الله على من أحب من عباده، ومن هذه الحكم: تكفير السيئات ورفع الدرجات، والتمحيص والتنقية والتهيؤ لحمل أعباء الدعوة.
أولًا: تكفير السيئات ورفع الدرجات:
قد ينزل البلاء على العباد رفعًا للدرجات، أو وضعًا للآصار و تكفيرًا للخطايا والسيئات؛ فمن ما يكون لرفع درجات العباد، و يراد لهم الخير به ما رواه البخاري في صحيحه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (من يرد الله به خيرًا يصب منه) 52.
أي: يبتليه بالمصائب والمحن ليرفع درجاته و يزيد في حسناته على ما يكون من صبره و احتسابه.
ومن ذلك أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له منه) 53.
ومما يكون لتكفير السيئات ما جاء في الحديث المتفق على صحته عند الشيخين أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها) 54.
قال الإمام المناوي رحمه الله شارحًا هذا الحديث في فيض القدير: (ما من مصيبة) أي: نازلة، وأصلها الرمي بالسهم ثم استعيرت لما ذكر (إلا كفر الله بها عنه) ذنوبه أي: محي خطيئاته بمقابلتها 55.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: قال عيسى عليه السلام: لا يكون عالمًا من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض عليه لما يرجوه من ذلك من كفارة خطاياه 56.
ويعاقب المؤمن بالبلاء على بعض الذنوب فتكون في حقه كفارة وعقوبة مخففة ظاهرها القسوة وباطنها الرحمة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من هم، ولا حزن، ولا وصب، ولا نصب، ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) 57.
وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة) 58.
قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) } [الشورى:30] .
قال الزحيلي: «والقصد من الابتلاء رفع الدرجات؛ لأن الأنبياء معصومون عن الذنوب والآثام، ويكون حصول المصيبة من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة» 59.
والمؤمن ينظر إلى الابتلاء أنه نعمة ورحمة من الله على عباده، يتعهدهم بالابتلاء المرة بعد المرة؛ لينقيهم، ويطهرهم، ويذهب عنهم رجز الشيطان، ويربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام، وكذلك ينظر إليه أنه دليل رضى ومحبة من الله لعباده؛ فإن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، لا لحبه لابتلاء عبده بل لما في هذا الابتلاء من عواقب حميدة قد يجهلها العبد نفسه، فدخول الجنة في الغالب يسبقه الابتلاء.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) } [آل عمران: 142] .
قال الرازي: «أم حسبتم أن تدخلوا الجنة بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة والله أعلم 60. فكلما صلب إيمان المرء وقوي يقينه؛ اشتد بلاؤه، فمن رضي؛ فله الرضى من الله عز وجل.
ثانيًا: التمحيص:
المحص: التخليص والتنقية والاختبار والابتلاء، ومنه محص الشيء، يمحصه محصًا، أي: يخلصه مما يشوبه 61؛ «فالتمحيص ههنا كالتزكية والتطهير» 62.
سنة التمحيص نتيجة طبيعية لسنة الابتلاء؛ فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة، فيصقل معدنه من أثرها، وينضج بها كما ينضج الطعام بالنار، والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة، فتخور قواه، وتنحل عراه، وينكص على عقبيه، ولهذا جعل الله تعالى التمحيص معبرًا لتنقية الصف المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس.
كما في قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179] .
«أي: يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال» 63.
وقوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) } [آل عمران: 154] .
وعلى ضوء سنة التمحيص تتحقق سنة أخرى، وهي سنة التمكين، إذ يمكن الله عز وجل للمؤمنين في الأرض بعد أن يثبتوا جدارتهم واستحقاقهم للنصر بلجوئهم إليه وحده في وقت المحنة، وتجردهم له وتطلعهم إليه في زمن الشدة، مستيقنين من نزول النصر بعد الأخذ بكافة الأسباب المأمور بها شرعًا من صبر وتقوى وإعداد 64.