فهرس الكتاب

الصفحة 1713 من 2431

«أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة وسلطان، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها، فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي، ذلك؛ لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها، مهما تكن هي من القلة، ويكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية، ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان» 80.

أولًا: إصلاح ذات البين:

إن من التوجيهات القرآنية العظيمة بغزوة بدر، أن من أسباب النصر تآلف القلوب وترابطها وتراحمها، فقوة الترابط هي القوة الثانية بعد قوة الإيمان.

لقد بينت الآيات القرآنية أن إصلاح ذات البين، ووحدة الكلمة على منهج الله سبحانه وتعالى أعظم عند الله من الدنيا والغنائم والأموال والمتاع، لذلك لما اختلف الصحابة وتنافسوا وتخاصموا في شأن الغنائم نزعها الله من أيديهم وجعلها لله ورسوله يحكمان فيها، وأنزل الله الآية الكريمة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .

ومعنى الآية، أي: وإذا كان أمر الغنائم لله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فاتقوا الله سبحانه وتعالى في أقوالكم وأفعالكم، واجتنبوا ما كنتم فيه من التنازع والاختلاف فيها، الموجب لسخط الله وغضبه، والموقع في الفرقة والعداوة الضارة بكم حال الحرب وغيرها، فلا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا وأصلحوا ذات بينكم، حتى تتأكد الرابطة الإسلامية بين بعضكم، وتشيع المحبة والمودة والوفاق والوئام بين صفوفكم، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بترابطكم، فلتجتمع كلمتكم، وليشتد أمركم، وليقو أزركم فتقدروا على إقامة الدين وقمع المفسدين 81.

إن إصلاح ذات البين وتوحيد الصف ورفع الخصومة من أولى مقومات النصر، والتفرق من أسباب الهزيمة، لذلك أمر الله المسلمين بالطاعة، ونهاهم عن التنازع قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

أي: أطيعوا الله في كل ما أمر به ونهى، وكذا رسوله الكريم، وإياكم والنزاع فإنه مدعاة للفرقة وأساس الهزيمة، وإنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم وكثرة اعتراضهم، فالنزاع أداة الهلاك، ومعول الهدم والشقاء، به تذهب الدولة، وتفنى القوة، وعليكم بالصبر، فهو سلاح المؤمن الذي لا يفل 82.

لذلك عندما استجاب المسلمون لأمر الله سبحانه وتعالى، وأصلحوا بينهم، وكانوا يدا واحدة بلا عصبية قبلية جاهلية، أو تفرقة بين لون أو جنسية أو عشيرة، ولا تنافس على عرض دنيا زائل، بل كانوا صفًا واحدًا لهدف واحد، هو نصرة الدين والعقيدة، ورفع راية الحق، وقد ألف الله بينهم، وجعلهم أمة واحدة، متعاونة ومتناصرة، فكان التأييد الرباني.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62 - 63] .

هذا دليل واضح على أن من أهم أسباب النصر هو التآلف واتحاد الكلمة، فالله جمعهم وألف بين قلوبهم، وقد كانوا في الجاهلية أصحاب حروب وفتن وعداوات وعصبيات وحب للانتقام وإثارة الحروب لأتفه الأسباب، ومع أنك لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله القوى القادر الحكيم العليم ألف بين قلوبهم، وجمعهم على صراط سوي، وأزال كل تلك الخلافات بنور الإيمان 83.

ثانيًا: تقسيم الغنائم:

اختلف الصحابة في شأن الغنائم، وتنافسوا عليها، ولم يكن حكمها قد نزل حتى ذلك الوقت، حتى نزل قول الله سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .

فأصبحت الغنائم لله ولرسوله، ثم بين الله سبحانه وتعالى إحلال الغنائم (وهي: المال المأخوذ من الكفار في المعركة) ، وبين كيف توزع الغنائم.

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] .

فكانت هذه الآية تفصيلًا للغنيمة التي أجمل حكمها في بدء السورة، والتي اختص الله هذه الأمة بإحلالها، فبينت الآية أنها تقسم أخماسا، حيث يجعل الخمس لمن ذكرتهم الآية، والأربعة الأخماس الباقية للغانمين الذين شهدوا المعركة، بدليل بيان هذا الخمس والسكوت عن الباقي، وبدليل قوله سبحانه وتعالى: {غَنِمْتُمْ} حيث بين القرطبي أن إضافة الغنيمة للغانمين، ثم تعيين الخمس لمن سمى في كتابه، والسكوت عن الأربعة الأخماس، دل على أنها ملك للغانمين 84.

أما الخمس الذي عينته الآية فأكثر المفسرين والفقهاء أن قوله سبحانه وتعالى: {لِلَّهِ خُمُسَهُ} فهو على سبيل التبرك؛ لأن الدنيا والآخرة كلها لله، فيكون الخمس الباقي للخمسة أصناف التي ذكرت في الآية 85 وهي: سهم الرسول صلى الله عليه وسلم يضعه حيث شاء، وسهم ذوي القربى أي: قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم اليتامى وهم أطفال المسلمين الذي هلك آباؤهم، والمساكين وهم أهل الحاجة من المسلمين، وابن السبيل وهو: المجتاز سفرا قد انقطع به 86.

أما التوجيه الدائم بعد ذلك، فهو ما تضمنه شطر الآية الأخير: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ} أن للإيمان أمارات تدل عليه، والله سبحانه وتعالى يعلق الاعتراف لأهل بدر بأنهم آمنوا بالله، وبما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان على قبولهم لما شرع الله لهم في أمر الغنائم في صدر الآية، فيجعل هذا شرطًا لاعتبارهم عنده قد آمنوا بالله، وبما أنزله على عبده من القرآن، كما يجعله مقتضى لإعلانهم الإيمان، فدين الله واضح جازم، لا تميع فيه ولا غلو، بأن الإيمان ليس بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فلا بد لقيامه من قبول ما شرعه الله، وتحقيقه في واقع الحياة 87.

ثالثًا: توجيهات عامة للمؤمنين:

لقد جاءت الآيات القرآنية ترسخ هذه القاعدة الربانية، وتبين أن الله سبحانه وتعالى هو الذي نصر المؤمنين في بدر، وهذا درس للمؤمنين بأن يثقوا بالله، ويتوكلوا عليه؛ لأنه صانع النصر، قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.} [الأنفال: 10] .

و قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123] .

فلا نصر على العدو إلا بنصر الله وتأييده، لا بشدة بأس أو قوة أو سواها من الأسباب، فهو سبحانه الفاعل للنصر والمسخر له كتسخيره للأسباب الحسية والمعنوية 88.

إن المتأمل في أحداث غزوة بدر يجد رعاية الله وحفظه للمؤمنين، بل يتضح له أنها كلها من تدبير الله سبحانه وتعالى، فالترتيب للمعركة كان من الله.

ودلت على ذلك الآيات: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 5 - 8] .

وكذلك الإعداد النفسي للمعركة من خلال مشهد النعاس، وإنزال المطر، ورؤية الفريقين لبعضهما، ودلت عليه الآيات {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] .

و قال تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44] .

ونزول الملائكة قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] .

و قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .

و أيضًا فإن موعد ومكان المعركة كان بترتيب الله قال تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42]

لقد هيأ الله الأسباب وسخرها لنصر المسلمين في المعركة؛ ليكون النصر من عنده سبحانه، وفي هذا تعليم للمؤمنين الاعتماد على الله وحده، وتفويض أمورهم إليه؛ لأن النصر من عند الله وحده، وليس من الملائكة ولا غيرها، فالأسباب يجب أن يؤخذ بها، لكن يجب ألا يغتروا بها، بل الاعتماد على خالق الأسباب، فهو الناصر سبحانه، وقد أمر الله المسلمين أن يتذكروا نعمته عليهم، نعمة النصر بعد أن كانوا مستضعفين.

قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 44] 89.

فكما أن النصر من عند الله سبحانه وتعالى لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل الكافرين كان بإرادته سبحانه وتعالى، ووقع هذا القتل بيد المؤمنين، والله هو المميت والمقدر ذلك، فالمؤمن يضرب بالسيف، وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحًا لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت؟ إذن فالقتل هو من الله.

قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] .

وتدل الآية أن الله هو الذي يصيب الهدف، والعبد إنما يشارك بتكسبه وقصده، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رمى حفنة التراب على وجوه المشركين، ولكن الله هو الذي أعانه وأظفره وصنع له، فأصابت الرمية المشركين بقوته وقدرته سبحانه وتعالى، ففي الآية أضاف الرمي إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه الرامي، فيكون المعنى: وما أصبت إذ رميت، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي أصاب 90.

ففي هذا درس هام للمؤمنين في الأخذ بالأسباب، وترك النتائج على الله، ولكن لابد من اليقين وحسن التوكل على الله، ثم لابد ألا يفتخر العبد بأنه فعل كذا وكذا، أو قتل وضرب ورمى، فعلى المسلم ألا يعجب بعمله، بل يتواضع ويحتسب أجره عند الله؛ لأن التوفيق كله من الله، هو المسدد سبحانه وتعالى.

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن النصر والتوفيق من عنده، بين أنه قادر على نصر المؤمنين من دون مباشرة قتال؛ ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرًا حسنًا وثوابًا جزيلا، وليعرفوا نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرتهم وقلة عدد المؤمنين، فيعرفوا بذلك حقه ويشكروه على نعمته 91.

قال تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] .

وقد ذكر البقاعي الحكمة من ابتلاء المؤمنين بالجهاد، والظفر في المعركة مع أنه قادر على نصرهم بدون قتال، فذكر أن الله أراد أن يخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم من مزاولته عاقبة حسنة، بل أحسن من الراحة؛ لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة، والدعة تفضي الى تعب طويل 92.

إن الإيمان الصادق والتسليم لله وقوة الاتصال به والالتزام بأوامره والانتهاء عما نهى، هو القوة الحقيقية والسلاح في المعركة، وهو الذي يجلب رعاية الله وكرامته ونصره، وقد أمر الله بإعداد القوة.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] .

وأعظم قوة هي قوة الإيمان الصادق.

ونحن نتحدث عن غزوة بدر الكبرى إنما لنستشعر معاني الإيمان الذي فقد، ومعاني الرجولة التي انصرفنا عنها، ومعاني الجهاد الذي نكسنا عنه، ومعاني الإقبال على الله الذي أعرضنا عنه، نستشعر هذه المعاني كلها؛ لنحييها فينا، وفي أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن ننتصر اليوم في معاركنا الداخلية ضد الفساد والاستبداد، والخارجية ضد اليهود والاستكبار العالمي، كما انتصر أهل بدر في معركتهم، إن لم نكن مؤمنين كما كانوا، ورجالًا كما كانوا، ومجاهدين كما كانوا، وأبطالًا كما كانوا، نسأل الله أن يعيد للأمة عزها وكرامتها، وأن ينصرها على أعدائها.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وقد خاض المعركة بنفسه، ونعم القائد هو، إنه القدوة الكاملة، والقائد الرباني، كيف لا وهو أعرف الناس بالله سبحانه وتعالى وأتقاهم له، وأخشاهم، ويملك من القوة الإيمانية ما يملأ قلوب من معه من الصحابة إيمانًا وتقوى بمجرد نظرة منه أو جلسة معه. وكان له من الإرادة الجهادية ما يدفع الصحابة إلى الجهاد والاستشهاد لدرجة التسابق والمسارعة بمجرد إشارة أو نداء، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعظ منبر وكفى، لا أميرًا فقط، وإنما كان المجاهد الكامل، والقائد القدوة، ومن أهم ما تميز به النبي صلى الله عليه وسلم في المعركة، وكان له الأثر الكبير على المسلمين المقاتلين، وكان عاملا أساسيًا من عوامل النصر في المعركة، ما يأتي:

1.تشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم وتبشير الجنود وبث الثقة.

لقد شجع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وحرضهم قبل القتال وأثناءه، وقوى عزائمهم ورفع معنوياتهم، حتى لا يكترثوا بتفوق المشركين عليهم بالعدة والعدد؛ وقد أثر ذلك على معنويات الكبار الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين وكذلك على الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربا ولا قتالًا 93، وهذا امتثال لأمر الله بالتحريض على القتال، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65] .

لقد كان النبي يبشر الجنود ويبث فيهم الثقة بقوله لهم: (سيروا وأبشروا) 94، وكان يخطب فيهم حاثًّا لهم على الجهاد، جاء في حديث أنس بن مالك أنه لما دنا المشركون يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) 95.

2.استشارة الجند من الصحابة.

لقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين بلغه خبر خروج قريش، وسمع رأي المهاجرين والأنصار في لقاء المشركين، وقبل مشورة الحباب في تبديل معسكره في بدر حين نزل بأدنى ماء منها، فانتقل بالمسلمين الى حيث أشار الحباب، وبنى حوضًا على القليب الذي أتاه؛ واستشار المسلمين في أمر الأسرى بعد المعركة، وعمل بالرأي الذي أبداه أبو بكر الصديق رضي الله عنه 96.

3.المشاركة في القتال وبناء العريش.

لقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم في القتال واتخذ مقرًا يسيطر منه على المعركة، فبنى العريش فوق رابية مشرفة على ساحة المعركة 97، حيث روي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من العريش يوم بدر وهو يثب في الدرع ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] 98.

4.ابتكار الصفوف في القتال بالمعركة.

ابتكر النبي صلى الله عليه وسلم نظام الصفوف في القتال؛ امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] .

والقتال بأسلوب الصفوف، يكون بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة صفوف أو أكثر على حسب عددهم، وتكون الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح؛ لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف المتعاقبة الأخرى من المسلحين بالنبال؛ لتسديدها على المهاجمين من الأعداء، وإن تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الأسلوب القتالي في معركة بدر، كان عاملًا مهمًا من عوامل انتصاره على المشركين 99.

هذه مزايا القائد القدوة في كل زمان ومكان، والتي جعلت المسلمين يقاتلون كرجل واحد، لغاية واحدة، بقيادة قائد واحد وهذا عامل مهم من عوامل النصر في كل حرب.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لأهل بدر من المنزلة والمكانة في الدنيا والآخرة ما ليس لغيرهم، حتى صار من المآثر والمفاخر أن يقال: فلان بدري، روي عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما تعدون أهل بدر فيكم، قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) 100.

وروى الشيخان في صحيحيهما قصة حاطب بن أبي بلتعة، وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح يخبرهم فيه بعزم رسول الله على قصد مكة، وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم) 101.

وروى البخاري في صحيحه عن حميد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال:(ويحك، أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس) 102.

وفي رواية: (إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت