لقد بينا فيما سبق، أن الله سبحانه وتعالى شرف هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم، وذكرنا كلام المفسرين في معنى هذه الوسطية، وسوف نذكر -فيما يأتي- العلة من ذلك، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .
قال السعدي: «فإن شك شاك في فضل هذه الأمة، وطلب مزكيًا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها» 120.
وقال ابن عاشور: «وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات ربهم» 121.
ومما يؤكد على شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة، ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ) 122.
وفي الآية {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} دليل على قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكان فيه تناقض، فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. والله أعلم 123.
والخلاصة في القول: أن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة بتزكيته وتصديقه لأمته بما شهدت للأنبياء على أممهم بتبليغ الرسالة. والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة على غيرها من الأمم.
ثالثًا: لا تحاسب أمة بذنب غيرها:
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن كل أمة مؤاخذة بعملها، ولا تحاسب أمة بذنب غيرها.
قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .
قال السعدي: « {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي: مضت {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أي: كل له عمله، وكل سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، فاشتغالكم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟» 124.
و {تِلْكَ أُمَّةٌ} إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون 125، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، فقال لهم تبارك وتعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} ، أي: لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء 126.
وقد ذكرت هذه الآية في موضع آخر في السورة نفسها.
قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141] .