فهرس الكتاب

الصفحة 2238 من 2431

وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق، (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) ، فإن اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، لتصلب كل حزب فيما هو فيه، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) على سبيل الفرض والتقدير، أي: ولئن اتبعتهم مثلا بعد ما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، وأكد تهديده وبالغ فيه 121.

ويتضح مما مضى عداوة وحقد بعض النصارى وغيرهم على الإسلام ومحاولتهم زعزعة عقيدتهم بالتشكيك في قبلة المسلمين ومطالبتهم النبي صلى الله عليه وسلم بعلامة على ذلك، فيبين الله تعالى لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام ولو جاءهم بكل علامة ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض.

أخبر الله تعالى في آياته الكريمة عن إيذاء بعض أهل الكتاب للمسلمين وإستهزائهم بهم.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?57?وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ?58?قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ?59?) [المائدة:57 - 59] .

أي: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بأنهم اتخذوا الإسلام هزوًا ولعبًا، وهم قد أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني: التوراة والإنجيل، ونهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوًا ولعبًا كما فعل أهل الكتاب، ومعنى اتخاذهم ديننا هزوًا ولعبًا: هو إيمانهم ثم كفرهم وإظهارهم خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى? شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ?14?) [البقرة:14] .

وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ، أي: اتقوه في اتخاذهم أولياء، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: مصدقين بالله» 122.

لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ذكر ههنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا فقال: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله يقول: أحرق الكاذب. فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها شرارة في البيت، فاحترق البيت واحترق هو وأهله.

وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون إليها، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية.

وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها.

وقيل: قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئًا لم يسمع فيما مضى، فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح العير، فأنزل الله هذه الآية 123.

ثم يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: «قل يا محمد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزؤون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبا (إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا، (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته، تكذبون عليه» 124.

ويتضح مما تقدم عداوة بعض أهل الكتاب من النصارى لدين الإسلام ومحاولتهم المستمرة في تمزيقه بشتى الأساليب والطرق للنيل منه ومن أتباعه قديمًا وحديثًا وذلك بالإيذاء والإستهزاء والكذب مع علمهم المسبق بما يجدونه في كتبهم بأن الإسلام هو دين الحق، ومع ذلك فهم مصرون على العند والكبر.

[انظر: أهل الكتاب: موقف أهل الكتاب من المسلمين]

ثالثًا: تحذير القرآن المسلمين من النصارى:

وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة متنوعة في تحذير المسلمين وتنبيهم من الوقوع في أخطاء الأمم السابقة من النصارى وغيرهم منها ما يأتي:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة:104] .

وفي الآية دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد عن التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقرر عليها 125.

الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم به من إرسال رسوله ويتمنوا أن يكونوا كافرين، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(100 ) ) [آل عمران:100] .

أي: «حذر الله تعالى المؤمنين من إغواء الكفار وإضلالهم وناداهم بوصف الإيمان تنبيها على تباين ما بينهم وبين الكفار، ولم يأت بلفظ: «قل» ليكون ذلك خطابا منه تعالى لهم وتأنيسا لهم، وأبرز نهيه عن موافقتهم وطواعيتهم في صورة شرطية، لأنه لم تقع طاعتهم لهم» 126.

قال قتادة رحمه الله: «قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون وحذركم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال، كيف تأتمنون قومًا كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتحيروا في دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟! أولئك والله هم أهل التهمة والعداوة 127.

قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:105] .

أي: ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم 128.

والدعوة إلى الوحدة ونبذ الاختلاف والاعتصام بحبل الله تعالى، لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران:103] .

قال ابن عباس: «أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في الدين» 129.

فإن هذا من صفات النصارى، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187] .

أي: أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب يعني: اليهود والنصارى، والمراد منهم: العلماء خاصة، وقيل المراد بالذين أوتوا الكتاب: العلماء والأحبار من اليهود خاصة وأخذ الميثاق هو التوكيد والإلزام لبيان ما أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) ، يعني: لتبينن ما في الكتاب ولتظهرنه للناس حتى يعلموه وذلك أن الله أوجب على علماء التوراة والإنجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) ، ولا تخفون ذلك عن الناس (فَنَبَذُوهُ) يعني: الكتاب، وقيل: الميثاق (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي: فطرحوه وضيعوه وتركوا العمل به (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ، ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك 130.

ولعنهم الله تعالى في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى? مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ? أُولَ?ئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) [البقرة:159] .

وظاهر هذه الآيات وإن كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب وهو القرآن وهو أشرف الكتب 131.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ? بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة:51] .

أي: «لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، ولا تتوددوا إليهم، ولا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين، ثم علل النهي بقوله (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي: إنما يوالي بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ومن يتولهم منكم فإنه من جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله» 132.

وورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه، وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني، قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى? أَوْلِيَاءَ ?) [المائدة:51] 133.

ومع أن الله تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه بين في موضع آخر ذكرناه فيما مضى في المبدلين دينهم وعاقبتهم من النصارى حيث أن ولاية بعضهم لبعض ليست خالصة لله تعالى، بل تقوم على أساس عداوتهم لدين الإسلام، لذلك بين أن العداوة والبغضاء بينهم باقية ومستمرة إلى يوم القيامة، بقوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة:14] .

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة:57] .

أي: «أن أحدهم كان يظهر للمؤمنين الإيمان وهو على كفره مقيم، ثم يراجع الكفر بعد يسير من المدة بإظهار ذلك بلسانه قولا بعد أن كان يبدي بلسانه الإيمان قولا وهو للكفر مستبطن تلعبًا بالدين واستهزاءً به، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم ذلك بقوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى? شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ?14?اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ?15?) [البقرة:14 - 15] 134» .

حيث ذمهم الله تعالى في قوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:79] .

أي: «لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤوا له، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع، (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم» 135.

والدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإلتزام بقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .

ولا يتحقق هذا الأمر إلا بالعودة إلى الله تعالى والتزام شرعه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها، أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فاختطب، ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) 136.

وهناك كثير من الآيات الكريمة في القرآن الكريم غير التي ذكرت تحذر المسلمين من النصارى وغيرهم وتبين صفاتهم وأخلاقهم وعداوتهم وحقدهم على الإسلام وأهله.

بعد بيان عقائد النصارى ودعاواهم الباطلة ومحاولاتهم للنيل من دين الإسلام نتطرق في هذا المبحث إلى نماذج من سماحة الإسلام في التعامل معهم، حيث إن الإسلام دين السماحة والرحمة والعفو والإحسان والعدالة والإنصاف مع المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم، والمتأمل في القرآن الكريم يرى بوضوح كيف تعامل الإسلام مع أهل الكتاب من النصارى، وكيف أنصفهم وبين المبادئ الصحيحة لدينهم وبين منزلة عيسى عليه السلام دون غلو، فدين الإسلام لا يتنافى مع ما جاء به عيسى عليه السلام، لذا نرى أنه أعطى حقوق أهل الكتاب من النصارى وأنصفهم، وهذا ما سوف نراه من خلال استقراء بعض الآيات القرآنية كما يأتي:

قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ? فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?109?) [البقرة:109] .

أي: «فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم، وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم صلى الله عليه وسلم: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ?) [النساء:46] .

واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد، فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين به: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ?29? [التوبة:29] .

فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا» 137.

وليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله، واذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب؛ فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة 138.

قال الله تعالى: (ا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ?) [البقرة:256] .

ومع ذلك فأن الله تعالى دعا أهل الكتاب للإيمان والإسلام في قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ? مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران:110] .

أي: «ولو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله؛ لكان خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم» 139.

ولا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر.

شأنه شأن الأنبياء والرسل الذين من قبله دون تفريق بين نبي ونبي، فكلهم أنبياء الله تعالى ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، والإيمان بما أنزل معه من الإنجيل كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ? كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ? وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ?285?) [البقرة:285] .

أي: «يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى» 140.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات 141، ليس بيني وبينه نبي) 142.

قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ?64?) [آل عمران:64] .

أي: «تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم لا يختلف فيها الرسل والكتب، ألا نعبد إلا الله أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها، ولا نشرك به شيئًا ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلًا لأن يعبد» 143.

ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى? مَا تَعْمَلُونَ ?98?قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ?99?) [آل عمران:98 - 99] .

قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ? وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ? وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?5?) [المائدة:5] .

قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ? وَمَا مِنْ إِلَ?هٍ إِلَّا إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?73?أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?74?مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ? انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى? يُؤْفَكُونَ ?75?قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ? وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?76?) [المائدة:72 - 76] .

قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?82?وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ?83?وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ?84?فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ?85?) [المائدة:82 - 85] .

والمراد به النصارى الذين أسلموا، وفي سياق الآية دليل عليه، وهو قوله تعالى: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا) 144.

حيث سمى في القرآن الكريم سورة باسم مريم عليها السلام، وذكر قصة عيسى عليه السلام كاملة دون تحريف من ولادته إلى أن رفعه الله تعالى إليه.

قال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ? وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَ?هُنَا وَإِلَ?هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ?46?) [العنكبوت:46] .

أي: ولا تجادلوا أيها المؤمنون بالله وبرسوله اليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه 145.

قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ?52 وَإِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ?53?أُولَ?ئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?54?) [القصص:52 - 54] .

أي: «يؤتون أجرهم مرتين مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن، بما صبروا بصبرهم وثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى المشركين ومن هاجرهم من أهل دينهم، ويدرؤن بالحسنة السيئة ويدفعون بالطاعة المعصية» 146.

قال تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ ?2?فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ?3?فِي بِضْعِ سِنِينَ ? لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4?بِنَصْرِ اللَّهِ ? يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ?5?) [الروم:2 - 5] .

قال أبو حيان الأندلسي: «وحين غلب الروم فارس سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار، ولإهلاك العدو الأكبر بالعدو الأصغر إذ كان مخوفا على أهل الإسلام» 147.

قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ?29?) [التوبة:29] .

بخلاف الكافرين والمشركين حيث أبيحت دماؤهم.

قال تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد:4] .

أي: يعطوا الخراج عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دفعًا عنها 148، وهذا في حالة عدم إسلامهم، أما إذا أسلموا فلا جزية عليهم فحالهم حال المسلمين.

قال تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) [الحديد:27] .

أي: الحواريون الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته فيهم مودة للإسلام وأهله، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، وهو أشد الرحمة فكان يواد بعضهم بعضا، وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه 149.

قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [الممتحنة:8] .

أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم أن تبروهم وتحسنوا إليهم وتقسطوا إليهم، أي: تعدلوا إن الله يحب المقسطين 150.

قال الزمخشري: «لا ينهاكم عن مبره هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا أيضا رحمة لهم لتشددهم وجدهم في العداوة متقدمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم» 151.

والمتأمل في القرآن الكريم يجد الآيات العديدة والمتنوعة في بيان سماحة الإسلام مع النصارى وغيرهم، وأن هذا التسامح هو جوهر تعاليم الإسلام التي جاءت لتحفظ كرامة الإنسان وحقوقه حتى وإن كان من غير المسلمين.

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على تلك السماحة حين تعامل مع النصارى بغاية التسامح عندما كتب لأهل نجران في عقد الصلح: (ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغيروا أسقفا عن أسقفيته، ولا راهبا عن رهبانيته، ولا واقفا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس ربا ولا دم جاهلية، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين لنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة ولا يؤاخذ أحد منهم بظلم آخر وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم) 152.

موضوعات ذات صلة:

الإنجيل، أهل الكتاب، عيسى عليه السلام، مريم، اليهود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت