أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والحاء والراء أصل يدل على السعة والانبساط، قال الخليل: «سمي البحر بحرًا لاستبحاره وهو انبساطه وسعته» 1، والبحر لغة: الشق، وإنما سمي البحر بحرًا؛ لأنه شق في الأرض شقًا، وجعل ذلك الشق لمائه قرارًا، والبحر: الماء الكثير، ملحًا كان أو عذبًا، وهو خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه.
وقد غلب البحر على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحرٌ وبحورٌ وبحارٌ، وماءٌ بحرٌ: ملحٌ، قل أو كثر، قال ابن سيده: «وكل نهرٍ عظيمٍ بحرٌ» ، وقال الزجاج: «وكل نهرٍ لا ينقطع ماؤه فهو بحرٌ» 2، قال الراغب في المفردات: «أصل البحر: كل مكانٍ واسعٌ جامعٌ للماء الكثير» 3، ويسمى الفرس الواسع الجري: بحرًا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في مندوب فرس أبي طلحة: (إن وجدناه لبحرًا) 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
من المعاني اللغوية يتضح أن تعريف البحر اصطلاحًا لابد أن يشتمل على ثلاثة أمور: سعة المكان، وجمعه للماء، وأن يكون الماء كثيرًا، سواء كان هذا الماء ملحًا أو عذبًا، راكدًا أو جاريًا 5، وقد عرف البحر خلق كثيرون، قال صاحب التوقيف على مهمات التعريف: «البحر: مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع» 6.
وقال بعضهم: «البحر يقال في الأصل للماء الملح دون العذب» 7.
وردت مادة (بحر) في القرآن الكريم (42) مرة، يخص موضوع البحث منها (41) مرة 8.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 33 ... {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} [الكهف: 42]
المثنى ... 5 ... {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 272]
الجمع ... 3 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ (254) } [البقرة: 254]
وجاء البحر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي وهو: المكان الواسع الجامع للماء الكثير، سواء كان عذبًا أو مالحًا 9.
اليم:
اليم لغة:
الياء والميم: كلمةٌ تدل على قصد الشيء وتعمده وقصده، واليم: البحر 10.
اليم اصطلاحًا:
متسع من الأرض أصغر من المحيط مغمور بالماء الملح أو العذب 11.
الصلة بين البحر واليم:
اليم من الكلمات المرادفة للبحر، قال ابن منظور: «وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر» 12، لكن من الملاحظ أن القرآن لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة، ولم يستعمله في مقام النجاة، أما البحر: فقد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة 13.
ويطلق اليم أيضًا على النهر العذب: كما في قوله تعالى: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] .
قال القرطبي: « {فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ} أي اطرحيه في البحر: نهر النيل» 14
النهر:
النهر لغة:
النون والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على تفتح شيءٍ أو فتحه، وسمي النهر؛ لأنه ينهر الأرض أي يشقها 15.
النهر اصطلاحًا:
الماء الجاري المتسع، ثم أطلق على الأخدود مجازًا 16.
الصلة بين البحر والنهر:
أطلق في القرآن البحر على النهر، ولم يطلق النهر على البحر.
البر:
البَرُ لغة:
خلاف البحر. والبرية من الأرضين، بفتح الباء: خلاف الريفية. والبرية: الصحراء نسبت إلى البر، ويقال: أفصح العرب أبرهم. معناه: أبعدهم في البر والبدو دارًا. وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ} [الروم: 41] ، قال الزجاج: «معناه ظهر الجدب في البر والقحط في البحر أي: في مدن البحر التي على الأنهار» 17.
والبر: الصادق. وفي التنزيل العزيز: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28] .
والبر: من صفات الله تعالى وتقدس: العطوف الرحيم اللطيف الكريم 18.
البر اصطلاحًا:
البر: خلاف البحر، وهو التراب واليابس 19.
الصلة بين البحر والبر:
البحر: مستقر الماء الواسع، وكما ذكرنا في البر أنه خلاف البحر، فيمكننا القول: إن العلاقة بينهما تضاد.
أولًا: تسخير البحر:
البحر آية عظيمة من آيات الله تعالى الدالة على قدرته، وتسخير الله تعالى البحر للناس بما ينفعهم لمن أعظم الدلائل على ربوبية الله تعالى، والتي تستلزم الإقرار بوحدانيته جل وعلا.
وتأتي الآيات الكريمة لتذكير الناس بتلك النعمة العظيمة والآية الباهرة، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] .
ومعنى التسخير: التذليل، قال السمرقندي: «وهو الذي سخر البحر أي: ذلل لكم البحر» 20، وقال ابن عطية: «وتسخير البحر: هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله للركوب والإرفاق وغيره» 21، وقال الماتريدي: «وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه من الحلي والجواهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق، وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة، وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله وأفزاعه» 22.
وللبحر منافع كثيرة 23، وقد ذكر الله تعالى في الآيات السابقة ثلاث منافع من جملة منافع تسخير البحر 24:
المنفعة الأولى: أكل اللحم الطري منه: وهو السمك الذي يصطاد منه.
المنفعة الثانية: استخراج الحلي: وهو اللؤلؤ والمرجان.
المنفعة الثالثة: جريان الفلك فيه: وهذه المنفعة من أعظم مظاهر تسخير البحر، فالله تعالى قد خصها بالذكر والتسخير في غالب آيات البحر، فقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] .
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] .
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان: 31] .
والفلك هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى في تذكيره في آية أخرى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41] فذكره 25.
وسبب تسمية السفينة فلكًا لأنها تدور في الماء بسهولة 26
والآية في الفلك تسخيره وجريها على وجه الماء، وهي موقرة مثقلة، لا ترسب تحت الماء بل تعلو على وجه الماء 27.
فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها 28.
وأما دلالة الفلك على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء، فحقها الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ودخول الهواء فيها- وإن كان من الأسباب- فلا يتم عند امتلاء الفلك بالأمتعة الكثيرة، إذ يقل الهواء جدًا فيضعف أثره في إمساك هذا الثقيل جدًا، فلا ينبغي أن ينسب إلا إلى الله تعالى من أول الأمر وعلى التوحيد، فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما الآخر من التصرف في ملكه، وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم؛ لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك وعلى الرحمتين، فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها 29.
وقد جاء وصف السفن بأنها مواخر في آيتين من كتاب الله، وهذا الوصف من كمال تسخير البحر.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .
وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .
وفي معنى {مَوَاخِرَ} أقوال: فقال قتادة: «مقبلة ومدبرة، وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر، تجريان بريح واحدة» .
وقال الحسن: « {مَوَاخِرَ} أي: مملوءة» .
وقال الفراء والأخفش: «شواق تشق الماء بجناحيها» .
قال مجاهد: «تمخر السفن الرياح» .
وقال أبو عبيدة: «صوائخ، والمخر: صوت هبوب الريح عند شدتها» 30.
ولا يحصل جريان الفلك على وجه الماء إلا بتسخير ثلاثة أشياء.
قال الرازي 31: «أحدها: الرياح التي تجري على وفق المراد.
وثانيها: خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك.
ثالثها: خلق الخشبة على وجهٍ تبقى طافيةً على وجه الماء ولا تغوص فيه.
ولا شك أن الاطلاع على العجائب التي في البحر من دلائل توحيد الله تعالى، ولا يكون الاطلاع على عجائب البحر إلا بالفلك، ولذلك خصها الله تعالى بالذكر، قال الألوسي: «خص الفلك بالذكر مع أن مقتضى المقام حينئذ أن يقال: والعجائب التي في البحر- لأنه سبب الاطلاع على أحواله وعجائبه- فكان ذكره ذكرًا لجميع أحواله، وطريقًا إلى العلم بوجوه دلالته، ولذلك قدم على ذكر- المطر والسحاب- لأن منشأهما البحر في غالب الأمر» 32.
والناظر في آيات البحر يلحظ قضية عقدية في خلق أفعال العباد في تسيير الله تعالى الفلك في البحر، فتسيير الفلك في البحر من الله تعالى، والسير: فعل العباد، فقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] .
دليل على أن الحوادث كلها مخلوقة لله تعالى، فأخبر تعالى بتسيير الفلك في البحر أنه خالق لسيرنا؛ فالتسيير فعله والسير فعل العباد وهو أثر التسيير، وفي هذا رد على القدرية الذين يقولون: إن الخلق هم الخالقون لسيرهم، وهذا رد منهم للقرآن.
قال ابن القيم: «فالتسيير فعله، والسير فعل العباد وهو أثر التسيير» 33
وقال ابن عاشور: «ومن تسخير البحر خلقه على هيئةٍ يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحيل الصائدين» 34.
ثانيًا: شمول علم الله لما في البحر:
لا شك أن علم الله تعالى لا حد له، فهو بكل شيء عليم، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .
قال جمهور المفسرين: «هو البر والبحر المعروفان؛ لأن جميع الأرض إما بر وإما بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه» 35.
يقول العلامة السعدي في تفسيره: «هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها» 36.
قال الطبري «قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، وعنده علم ما لم يغب أيضًا عنكم؛ لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر للعين، يعلمه العباد، فكأن معنى الكلام: وعند الله علم ما غاب عنكم، أيها الناس، مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثر بعلمه نفسه، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمه جميعكم، لا يخفى عليه شيء؛ لأنه لا شيء إلا ما يخفى عن الناس أو ما لا يخفى عليهم. فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء كان ويكون، وما هو كائن مما لم يكن بعد، وذلك هو الغيب» 37.
وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، هذا يحتمل وجوهًا:
أولًا: أي يعلم ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها وكبيرها، لا يخفى عليه شيء.
والثاني: يعلم رزق كل ما في البر والبحر من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه.
يذكر هذا -والله أعلم- ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب، كما يسوق أرزاق كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك؟!
والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالمًا بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم 38.
الرابع: يعلم ما يهلك في البر والبحر 39.
وقال الواحدي: « {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ} : القفار، {وَالْبَحْرِ} كل قرية فيها ماءٌ، لا يحدث فيهما شيء إلا بعلم الله» 40.
وقد خصهما الله تعالى بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات المجاورة للبشر 41.
والله تعالى قدم ذكر البر؛ لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن.
وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل، إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر، وطولها وعرضها أعظم، وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب 42.
قال ابن كثير: «وقوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ» 43.
وقال أبو السعود: « {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} بيان لتعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات تكملةً له، وتنبيهًا على أن الكل بالنسبة إلى علمه المحيط، سواءٌ في الجلاء أي يعلم ما فيهما من الموجودات مفصلةً على اختلاف أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها» 44.
قال العلامة محمد رشيد رضا: «وعلمه تعالى بما في البر والبحر من علم الشهادة المقابل لعلم الغيب، على أن أكثر ما في خفايا البر والبحر غائب عن علم أكثر الخلق، وإن كان في نفسه موجودًا يمكن أن يعلمه الباحث منهم عنه، وقدم ذكر البر على البحر على طريقة الترقي من الأدنى إلى ما هو أعظم منه، فإن قسم البحرمن الأرض أعظم من قسم البر، وخفاياه أكثر وأعظم» 45.
ومناسبة ذكر علم الله تعالى على ما في البر والبحر بعد ذكر علمه تعالى مفاتيح الغيب، قال الرازي: «وقوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} قضية عقلية محضة مجردة؛ فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدًا.
والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق. فههنا طريق آخر: وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالًا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية؛ ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهومًا لكل أحد، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون؛ لأنه قال أولًا: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس، فقال: {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر، والبحر، الحس، والخيال، قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول 46.
ثالثًا: الحاجز بين البحرين:
سبق القول: إن البحر يطلق على الملح غالبًا، ويطلق على النهر العذب على سبيل التغليب، وتظهر قدرة الله تعالى في خلقه لحاجز بين البحرين: الملح والعذب، يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر، فلا يفسد أحدهما الآخر، وقد ورد ذكر هذا الحاجز في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53] .
وقال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 61] .
وقال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19 - 20] .
قال الطبري: «وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه، وعظيم سلطانه، يخلط ماء البحر العذب بماء البحر الملح الأجاج، ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته، وإفساده إياه بقضائه وقدرته؛ لئلا يضر إفساده إياه بركبان الملح منهما، فلا يجدوا ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء، فقال جل ثناؤه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} يعني حاجزًا يمنع كل واحد منهما من إفساد الآخر {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} يقول: وجعل كل واحد منهما حرامًا محرمًا على صاحبه أن يغيره ويفسده» 47.
وقال بعض المفسرين: إن الحاجز هو أرض يبس تفصل البحرين الملح والعذب، وهذا قول مرجوح.
قال الطبري 48: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} دون القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بينهما حاجزًا من الأرض أو من اليبس؛ لأن الله -تعالى ذكره- أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، والمزج: هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مزج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه، فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ» .
قال الزجاج: «فهما في مرأى العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر» ، قال أبو سليمان الدمشقي: «ورأيت عند عبادان من سواد البصرة الماء العذب ينحدر في دجلة نحو البحر، ويأتي المد من البحر، فيلتقيان، فلا يختلط أحد الماءين بالآخر، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، وماء دجلة إلى الحمرة الخفيفة فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبًا لا يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد، ونيل مصر في فيضه يشق البحر المالح شقًا بحيث يبقى نهرًا جاريًا أحمر في وسط المالح؛ ليستقي الناس منه، وترى المياه قطعًا في وسط البحر المالح فيقولون: هذا ماء ثلج فيسقون منه من وسط البحر» 49.