فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 2431

الابتلاء

أولًا: المعنى اللغوي:

«الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما: إخلاق الشيء، والثاني: نوع من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضًا، قال ابن الأعرابي: يقال ابتليته فأبلاني، أي: استخبرته فأخبرني» 1.

«وأبلى في الحرب بلاء حسنًا إذا أظهر بأسه حتى بلاه الناس وخبروه» 2.

قال ابن منظور: «بلوت الرجل بلوًا وبلاءً، وابتليته: اختبرته، وبلاه يبلوه بلوًا، إذا جربه واختبره، وابتلاه الله: امتحنه ... وبلي بالشيء بلاءً وابتلي، والبلاء يكون في الخير والشر، يقال: ابتليته بلاءً حسنًا وبلاءً سيئًا» 3.

فالبلاء والابتلاء، والفتنة، والامتحان، والاختبار خمسة ألفاظ مختلفة تشترك في الدلالة على معنى واحد هو الاختبار.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ولذا قال الشوكاني: الابتلاء: «الامتحان والاختبار، أي: ابتلاه بما أمره به» 4.

وقال الزحيلي: «الابتلاء هو الاختبار، أي: معرفة حال المختبر بتكليفه بأمور يشق عليه فعلها أو تركها؛ ليجازيه عليها» 5.

وقال الكفوي: «الابتلاء: التكليف في الأمر الشاق، ويكون في الخير والشر معًا، ولكنهم عادة ما يقولون: في الخير أبليته إبلاء وفي الشر: بلوته بلاءً» 6.

وقال المناوي: «البلاء كالبلية: الامتحان، وسمي الغم بلاء؛ لأنه يبلي الجسد» 7.

الابتلاء في الاستعمال القرآني

وردت مادة (بلو) في القرآن (36) مرة، يخص موضوع البحث منها (34) مرة 8.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 7 ... {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم:17]

الفعل المضارع ... 20 ... {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165]

فعل الأمر ... 1 ... {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء:6]

اسم ... 6 ... {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:106]

اسم فاعل ... 2 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) } [المؤمنون:30]

ولم يختلف معنى (الابتلاء) في القرآن الكريم عن معناه اللغوي الذي يدور حول الاختبار والامتحان.

الفتنة:

الفتنة لغةً:

قال ابن فارس: «الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار. من ذلك الفتنة. يقال: فتنت أفتن فتنا. وفتنت الذهب بالنار، إذا امتحنته» 9.

الفتنة اصطلاحًا:

«أصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره» 10.

الصلة بين الابتلاء والفتنة:

مما سبق يتضح لنا الصلة بين الابتلاء والفتنة؛ فالكلمتان تكادان أن تكونا مترادفتين، فأصلهما اللغوي واحد وهو الامتحان والاختبار، إلا أن الفتنة أعم من الابتلاء.

المصيبة:

المصيبة لغةً:

تعني النائبة وكل أمر مكروه 11، وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة 12.

المصيبة اصطلاحًا:

هي البلية وكل أمر مكروه ينزل بالإنسان 13.

الصلة بين الابتلاء والمصيبة:

المصيبة هي أداة من أدوات الابتلاء.

الاختبار:

الاختبار لغةً:

قال الجوهري: «خبره-بالكسر-: إذا بلوته واختبرته» 14، «وقد اختبره وتخبره. يقال: من أين خبرت هذا الأمر؟ أي: من أين علمت» 15.

الاختبار اصطلاحًا:

ويمكن تعريف الاختبار بأنه: أي محك أو عملية يمكن استخدامها بهدف تحديد حقائق معينة أو تحديد معايير الصواب أو الدقة أو الصحة سواء في قضية معروضة للدراسة أو المناقشة أو لفرض معلق لم يتم التثبت منه بعد.

الصلة بين الابتلاء والاختبار:

الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية والاختبار وقوع الخبر بحاله في ذلك 16، والاختبار أصل من أصول الابتلاء ومحك من محكاته، فالابتلاء والاختبار قد يكونان بالخير وقد يكونان في الشر.

التمحيص:

التمحيص لغةً:

الميم والحاء والصاد: أصل واحد صحيح يدل على تخليص شيء وتنقيته. ومحصه تمحيصًا: خلصه من كل عيب، محص الله العبد من الذنب: طهره منه ونقاه، ومحصت الذهب بالنار: خلصته من الشوب 17، والتمحيص: الابتلاء والاختبار 18.

التمحيص اصطلاحًا:

قال مجاهد: «هو بمعنى: الابتلاء، وحقيقة معنى التمحيص: التطهير من الذنوب، تقول العرب: محص عنا ذنوبنا، أي: طهرنا من الذنوب» 19.

التمحيص: التنقية والتخليص من العيوب 20.

الصلة بين الابتلاء والتمحيص:

الابتلاء يقتضي امتحان واختبار ينتهي بنتائج سلبية أو إيجابية، والتمحيص تطهيرٌ، أي: إن نتيجته إيجابية دائمًا.

قد يختلط الأمر في التفريق بين العقوبة والابتلاء؛ والناظر إلى آيات الذكر الحكيم يقف على الفرق بينهما؛ فقد قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] .

قال الواحدي: «فمن صبر على هذه الأشياء استحق الثواب ومن لم يصبر لم يستحق» 21.

فقد جعل للنجاح في الابتلاء علامة، ألا وهي الصبر والإيمان والاستقامة على المنهج السليم، واشتداد البلاء دليل على شدة الإيمان وقوته، لذلك كان الأنبياء أشد الناس بلاءً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل، فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة) 22.

أما العقوبة فسبب وقوعها الذنوب والمعاصي والانحراف عن المنهج، وكلما زادت الذنوب والمعاصي، وكبر حجم الانحراف، اشتدت العقوبة.

قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] .

وقد يظن العبد أن ابتلاء الله له بالإنعام والإكرام علامةٌ على حب الله له ورضاه عنه، بينما يظن التضييق في الرزق إشارة إلى غضب الله وعدم رضاه عنه.

قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15 - 16] .

قال السمعاني: «أي: أنا كريم عليه حيث أعطاني هذه النعم» 23.

وهذا مفهوم خاطئ؛ فالرضا والغضب منوطان بتصرف الإنسان حال الابتلاء.

قال تعالى: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] .

واجتياز الابتلاء بنجاح هو طريق للإمامة والتمكين، بينما الفشل فيه فعقوبته الحرمان من ذلك.

قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] .

فإبراهيم عليه السلام جعل للناس إمامًا؛ لأنه نجح في كل ما ابتلي به وامتحن، بينما الذين يفشلون في ذلك يحرمون هذه الإمامة، ولا ينالون ذلك العهد.

قال الزحيلي: «فجازاه الله تعالى أحسن الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولًا وإمامًا تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في هذه الخصال» 24.

والبلاء والابتلاء كلاهما امتحان واختبار، ويكونان بالسراء والضراء، ويقعان شرعًا وقدرًا، فالتكاليف الشرعية فعلًا كانت أو تركًا، وكذلك مقادير الخير والشر، كل ذلك مما يمتحن به العبد، وإن كان استعمال الابتلاء في الشر والضر والأمور الشاقة أغلب.

قال الخازن: «الابتلاء يكون في الخير وفي الشر، وإذا أطلق كان في الشر غالبًا، فإذا أريد به الخير قيد به» 25.

وقال ابن عاشور: «لما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب سمي بلاء، كأنه يخلق النفس، ثم شاع في اختبار الشر؛ لأنه أكثر إعناتًا للنفس» 26.

معالم العقوبة:

المعلم الأول: لا عقوبة من الله عز وجل إلا بذنب.

والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.

المعلم الثاني: العقوبة تنقسم إلى قسمين من حيث الصورة:

القسم الأول: عقوبة ظاهرة حسية، وهي ما كانت في قالب ضراء.

القسم الثاني: عقوبة خفية معنوية، وهي ما كانت في قالب سراء في الحال، وإن كان مآلها الضراء لا محالة باعتبار العاقبة، فكما أن العقوبة الظاهرة تكون بالضراء، فقد تكون بقالب سراء، ومن ذلك عقوبة المعرض عن ربه بإقبال الدنيا عليه؛ استدراجًا له وعقوبته بوحشة في قلبه حين يذنب، وعقوبته بإتباع السيئة بسيئة أخرى.

المعلم الثالث: العقوبة تنقسم إلى قسمين من حيث المقاصد:

القسم الأول: عقوبة مخففة، وتسمى الكفارة، وهي العقوبة الناتجة عن محبة الله للعبد وإحسانه إليه من حيث العاقبة، وذلك كالعقوبات التي تكون كفارة للمؤمن كقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] .

وقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] .

والمقصود بالمصيبة هنا هي المصائب الجارية مجرى العقوبة والجزاء على الذنب لا مطلق المصيبة، ومن العقوبة المخففة: العقوبة التي يراد منها التنبيه والتذكير لعل المسيء يتوب، وهذه عامة للمسلم بإطلاق ولغير المسلم في الحياة الدنيا.

ومنها قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .

القسم الثاني: العقوبة المغلظة، وهذه تكون ناتجة عن غضب الله تعالى على عبده ومقته وبغضه له، وهذه تكون لإتلاف العبد ومحقه وقطع دابره وهذه للكفار والمنافقين والمشركين 27.

وخلاصة الفرق بين الابتلاء والعقوبة كما جاء في فقه الابتلاء:

1.من حيث زمن الوقوع، فإن الابتلاء يكون في الدنيا، وأما العقاب فإنه يكون في الدنيا والبرزخ والآخرة.

2.من حيث السبب والباعث، فإن الابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان، كما في قوله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2] .

3.أو يكون تكفير السيئات، أما العقاب فلا يكون إلا جزاء على الذنب.

4.الابتلاء عام للمكلفين من الجن والإنس، فهو يقع على الأنبياء والصالحين، كما في الحديث: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) . أما العقاب فإنه خاص؛ إذ يقع على أهل الذنوب والمعاصي فقط 28. وقد يقع العقاب على الإنس والجن، والصالحين والعصاة، كما حصل في غزة أحد، وغزوة حنين.

1.الابتلاء سنة إلهية لا بد منها، والله عز وجل يكشف الحقائق عبر هذه الابتلاءات.

فالابتلاء يكون من الله وحده لعباده المؤمنين، تمحيصًا لإيمانهم، واختبارًا لقدرتهم على الثبات على هذا الدين الحنيف.

قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت:2 - 3] .

قال المراغي: «ولقد اختبرنا أتباع الأنبياء من الأمم السالفة وأصبناهم بضروب من البأساء والضراء فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ» 29.

وهذه السنة الإلهية لا ينجو منها أحد، بل ربما زاد بعض البشر على بعض في البلاء، إذ يرتبط الابتلاء بقيم متعددة؛ كالصبر واليقين والثبات والتفاؤل والتوكل والثقة بالله، لذلك يلحق الإنسان من البلاء بقدر تحمله وتغلل تلك القيم في قلبه.

وهو ما يوحي به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة) 30.

والابتلاء يكون لاختبار صدق الإيمان، أو للتمييز بين من يثبت، ومن لا يثبت على إيمانه، وقد يكون لزيادة الإيمان.

أولًا: اختبار صدق الإيمان:

قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) } [العنكبوت: 2] .

فلابد من اختبار صدق الإيمان، فليس كل من ادعى الإيمان بلسان، آمن قلبه، فهناك المنافقون الذين يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام.

قال الشنقيطي: «إن الناس لا يتركون دون فتنة، أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: آمنا، بل إذا قالوا: آمنا فتنوا، أي: امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء» 31.

ثانيًا: ابتلاء الثبات على الإيمان:

قال تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) } [الأحزاب: 11] .

زلزالٌ لبيان الثبات، أو عدمه.

قال الرازي: « {وَزُلْزِلُوا} أي: أزعجوا وحركوا، فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى، وهم المؤمنون حقًا» 32.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } [البقرة: 214] .

زلزلوا ليظهر من يثبت، ومن ينقلب على عقبيه.

قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) } [محمد: 31] .

وقال أيضًا: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران: 186] .

قال ابن عاشور: «استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحق» 33.

وهذا كله ابتلاءٌ لاختبار الثبات على الإيمان.

ثالثًا: ابتلاء زيادة الإيمان:

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات: 106] .

وهو بلاء ليس لأي أحد، ومثاله: ابتلاء إبراهيم لمنصب الخلة بذبح ولده.

قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:102 - 106] .

قال القاسمي: «إن هذا لهو البلاء المبين، أي: الاختيار البين الذي يتميز ويتفاضل فيه المخلص من غيره. إشارة إلى أن هذا الأمر كان ابتلاء وامتحانًا لإبراهيم في صدق الخلة لله، وتضحية أعز عزيز لديه، وأحب محبوب عنده، لأمر ربه تعالى» 34.

1.يبتلي الله العبد بنوعين من الابتلاء: أولاهما: الابتلاء بالخير والشر، وثانيهما: الابتلاء بالأمر والنهي؛ وفيما يلي تفصيل ذلك.

أولًا: الابتلاء بالخير والشر:

الابتلاء يكون بالخير والشر، بالسراء والضراء، بالسعادة والشقاء، بالراحة والرفاهية والكد والتعب، فيبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه، ولا يكون بالضراء فقط، فلابد أن يكون صابرًا على الضراء، شاكرًا على السراء.

قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) } [الأنبياء: 35] .

وقال أيضًا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) } [الأنعام: 42] .

وقال أيضًا: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) } [الأعراف: 168] .

الابتلاء بالخير أشد وأثقل من الابتلاء بالشر؛ فالابتلاء بالشر معلوم ومشهور، أما الآخر فلا يظنه كثير من الناس ابتلاء، فهم لا يعلمون أن ما أنعم الله به عليهم من بركة في المال أو الأولاد أو الصحة، وما إلى ذلك من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، إنما هو اختبار وامتحان من الله، فالمنعم جل وعلا يستودع هذه النعم عند أصحابها ليرى كيف يتصرفون فيها، أيتكبرون ويفسدون في الأرض، مثل ما فعل فرعون، أم يبخلون ويمنعون ما أمر الله به، مثل ما فعل قارون، أم يسخرون علمهم الذي أنعم الله به عليهم في الرياء والاستعلاء على الخلق، ولا يتقون الله فيه، مثل ما فعل بلعام بن باعوراء.

يمتحن الله عبده بالمصائب، أو بالخيرات من مال وجمال وقوة وسلطان؛ فإن كان امتحانه بالشر فعليه أن يقابل ذلك بالصبر، وإذا كان ابتلاؤه بالخير فعليه أن يقابل هذا بالشكر. فلقد أقسم سبحانه أنه سيبلو عباده بالمكاره والمصائب؛ ليظهر صبرهم واحتسابهم ورضاهم بما قدره عليهم.

فقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة:155 - 157] .

وهناك نماذج قرآنية لذلك الابتلاء، منها:

1.إبراهيم عليه السلام:

لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام في أبيه الذي كان يصنع أصنامًا تعبد من دون الله، وابتلي في جسمه فقذف في النار.

قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) } [الأنبياء:68 - 69] .

وابتلي إلى ذلك بابتلاء من نوع خاص، وهو تحميله أمانة الإمامة.

قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) } [البقرة: 124] .

وابتلي في ولده و فلذة كبده فأمر بذبحه.

قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:102 - 106] .

فلقد ابتلى الله إبراهيم ابتلاءً شديدًا، أمره بأن يذبح ولده الحبيب، «وكان ذلك الولد عزيزًا على أبيه؛ لأنه فلذة كبده وإنسان عينه، وقد جاء من الله بعد الدعاء وبشارة الملائكة به فكان له مزيد فضل، وعلو كعب، ومع ذلك فقد صدع إبراهيم لأمر ربه» 35.

وقد كان هذا الابتلاء ابتلاءً بالشر والمكروه.

قال القرطبي: «قال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه، قال: وهذا من البلاء المكروه» 36.

2.قارون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت