يدل على دوام واستمرار عصيانه لربه سبحانه، ومن ثم فلن يرجى منه خير ألبتة، وعليه فينبغي الحذر منه غاية الحذر، حيث إنه العدو الألد لبني البشر جميعًا.
ثانيًا: تقليد الآباء والأجداد:
من أعظم مهام الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم محاربة العادات والتقاليد المخالفة للتوحيد، ولم يلق أحد منهم عنتًا وأذى أكثر من عنت محاربة الأعراف وتقليد الآباء والأسلاف، فهذا هود عليه السلام يجابهه قومه، ويردون دعوته بقولهم: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ قَالَ قَدْ كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] .
وهذا صالح عليه السلام أيضًا يحارب موروث قومه عن آبائهم وأجدادهم، فيعترضون عليه أيضًا بمثل قولهم: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود: 62] .
وهذا موسى عليه السلام يحاربه قومه، وينافحونه في دعوته لهم، ويردون عليه بمثل ما قال السابقون، فيصرخون في وجه نبيهم قائلين له ولأخيه هارون: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78] .
وهذا مسك ختامهم محمد صلى الله عليه وسلم يجابهه قومه بمثل ما اعترض السابقون على أنبيائهم، فهم كما قال القرآن عنهم- بعد ذكر عدد من أنواع شركهم ووثنيتهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] .
وكما قال أيضًا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
وهذه الآيات في عمومها تشير إلى هذا الداء الخطير الذي أصاب الأمم والأجيال المتعاقبة، ومقصوده ومعناها قريب وواضح، فمثلًا يذكر تعالى في الأخيرة منها أنه «إذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم فيه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأنداد ونحوها، ثم يقول الله تعالى منكرًا عليهم: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} أي: ليس لهم فهم ولا هداية!!» .
وهكذا يعاني الدعاة في كل عصر ومصر من محاربة المألوف والعادة لصعوبة نقل الناس وإبعادهم عن هذه.
المورثات المخالفة للشرع والدين، ولكن مع توفيق الله تعالى والصبر تذلل كل الصعاب، وتتجاوز كل المحن والإحن.
ثالثًا: ابتغاء العزة عندهم:
من الأسباب أيضًا كون المشركين يبتغون العزة لدى معبوديهم من الأوثان، وسبحان الله! أين هذه العقول التي تتطلب العزة والرفعة من حجارة صماء، لا تملك مثقال ذرة من نفع لأنفسها، فضلًا عن عابديها.
وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81 - 82]
وهنا يقول تعالى ذكره: واتخذ هؤلاء المشركون من قومك يا رسول الله آلهة يعبدونها من دون الله؛ لتكون هؤلاء الآلهة لهم عزًا، يمنعونهم من عذاب الله، ويتخذون عبادتها عند الله زلفى، ورد الله تعالى زعمهم هذا بقوله: {الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ} أي: ليس الأمر كما ظنوا وأملوا من هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله، في أنها تنقذهم، وتنجيهم من عذاب الله، ومن سوء ما أراده بهم ربهم، ولكن سيكفر الآلهة في الآخرة بعبادة هؤلاء المشركين يوم القيامة إياها، وكفرهم بها: قولهم لربهم: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص 63] .
فجحدوا أن يكونوا عبدوهم أو أمروهم بذلك، وتبرءوا منهم، وذلك كفرهم بعبادتهم 56.
رابعًا: محبتها:
اعتقد المشركون في أوثانهم أنها تجلب المحبة، ومن ثم بادلوها نفس الشعور أو أكثر، فأحبوها محبة تفوق محبتهم لخالقهم ورازقهم، وفي ذلك يقول الله: {أَشَدُّ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165] .
والأنداد -كما يقول الربيع- هي الآلهة التي تعبد من دون الله، يقول: يحبون أوثانهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله، أي: من الكفار لأوثانهم 57.
خامسًا: اعتقاد جلب الرزق:
من الأسباب الأكيدة لدى عباد الأوثان: اعتقادهم فيها أنها تجلب الرزق لهم، والإنسان بطبعه يحب المال والاستكثار منه، لكنه يضل حينما يعتقد في حجر أو شجر أنه يكون سببًا في جلب الرزق أو المال له.
ولقد نعى القرآن الكريم بطريق التصريح على هؤلاء الذين عطلوا عقولهم واعتقدوا في آلهتهم جلب الرزق، وبين لهم أنها لا تملك مثقال ذرة من ذلك، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [العنكبوت: 17] .
وقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] .
وكذلك بطريق السؤال التقريعي أو التوبيخي الموجه لمن يعتقد في هذه الآلهة خيرًا أو رزقًا، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] .
وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [سبأ: 24] .
والآيات في مجملها توضح أن الله تعالى له الأمر كله، وبيده الخير كله، من رزق ونفع وخير وبركة ونماء وإحياء وإماتة ... ونحو ذلك، لا شريك له ولا ضد ولا ند، فعلام يضل هؤلاء ويعبدون غيره؟!
سادسًا: اعتقاد الشفاعة لهم عند الله:
يعتقد بعض المشركين أنها تشفع لهم عند الله تعالى، وأنها تقربهم عنده تعالى زلفى، وصرح القرآن عنهم بذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .
والمراد: «أن الذين اتخذوا من دونه أولياء، أي: آلهة وأصنامًا، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى: القربى» 58.
بل ذكر القرآن في موضع آخر تصريحهم بشفاعة آلهتهم لهم، وذلك في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] .
ورد القرآن عليهم هذا الادعاء الباطل بقوله تعالى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
وهنا يأمر الله تعالى «نبيه عليه السلام أن يقررهم ويوبخهم: أهم يعلمون الله بأنباء من السماوات والأرض لا يعلمها هو؟ وذكرت السماوات؛ لأن من العرب من كان يعبد الملائكة والشعرى» 59.
وهذا في الدنيا، أما يوم القيامة تكون الحسرة الكبرى والندامة العظمى لعابدي الأوثان حين لا يجدون ما رجوه فيها من شفاعة وإنقاذ من العذاب، ويوقنون أنهم كانوا على باطل، وفي ذلك يقول الله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 94] .
وهذا يوم الحسرة والندم، ولات حينئذ مندم.
حفل القرآن الكريم بكثير من محاورات الأنبياء مع أقوامهم حول عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، ونبذ عبادة الأوثان، وسيعرض البحث لبعض من هذه المحاورات فيما يلي:
أولًا: محاورات سيدنا نوح عليه السلام مع قومه:
لقد حكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم عبدوا الأصنام، واتخذوها آلهة من دونه تعالى، متابعين في ذلك أسلافهم، فأرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام داعيًا إياهم لنبذ عبادتها لكنهم آثروها على عبادة الله تعالى، ولم يكتفوا بذلك بل وصوا أبناءهم بعدم سماع دعوة نوح عليه السلام، ورد دعوته في فيه، ودارت حورات كثيرة بين نوح عليه السلام وقومه ذكرها القرآن، ونظرًا لأن البحث موسوعي لا يستطيع أن يأتي على هذه الآيات كلها، ويقف معها آية آية، لكن يكفينا ذكرها والإشارة إليها مجملة -كما هو منهج البحث- ومن هذه الآيات قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ رَسُولٌ مِنْ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 59 - 63] .
ففي هذه الآيات يبرز الحوار واضحًا جليًا، فكلما ذكر نوح عليه السلام قولًا راجعه فيه قومه، ووصفوه بالضلال هنا لدعوته إياهم لترك عبادة الأوثان.
وفي ذلك يقول ابن كثير: «قوله: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا ... فرد عليهم: ما أنا بضال، ولكن أنا رسول من رب كل شيء ومليكه، {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وهذا شأن الرسول، أن يكون بليغًا فصيحًا، ناصحًا بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات ...
ثم يذكر تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن يوحي الله إلى رجل منكم، رحمة بكم ولطفًا وإحسانًا إليكم، لإنذاركم، ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به» 60.
وبعد كل هذه الحوارات والمناقشات لم يستجب له قومه، بل عارضوه وجادلوه، وردوا دعوته في وجهه، وتذكر آيات سورة هود طرفًا آخر من هذه المحاورات، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 25 - 30] .
وفيها يذكر الله طرفًا من محاورة نوح عليه السلام مع قومه، ويبين مدى شفقته عليهم في دعوته إياهم إلى التوحيد بعد نبذ الشرك وعبادة الأوثان، وبيان أنه يخاف عليهم عذاب يوم أليم، فردوا عليه بقولهم: ما نراك يا نوح إلا آدميًا مثلنا في الخلق والصورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن الله يرسل من البشر رسولًا إلى خلقه، وأضافوا أيضًا: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس، دون الكبراء والأشراف، فيما نرى ويظهر لنا، وما نتبين لكم علينا من فضل نلتموه بمخالفتكم إيانا في عبادة الأوثان إلى عبادة الله وإخلاص العبودية له، فنتبعكم.
ويحاورهم رسولهم بعد تكذيبهم له قائلًا: يا قوم أرأيتم إن كنت على علمٍ ومعرفةٍ وبيان من الله لي ما يلزمني له، وما يجب علي من إخلاص العبادة له، وترك إشراك الأوثان معه فيها ... ، ثم يتساءل منكرًا عليهم موقفهم هذا: أنأخذكم بالدخول في الإسلام، وقد عماه الله عليكم؟! 61.
وأيضًا يقول الله تعالى حكاية عنهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] .
وهذه الآية وردت ضمن قصة نوح عليه السلام في السورة التي أفردت باسمه في القرآن، والمتأمل في الآيات وما قبلها يجد أنها تصف قوم نوح بأنهم فعلوا جرائم عظيمة، وأنهم اتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وأنهم مكروا مكرًا آخر عظيمًا، وهو قولهم: {لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} .
وهذا ما أكده الفخر الرازي بقوله: «المكر الكبار هو: أنهم قالوا لأتباعهم: {وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا} فهم منعوا القوم من التوحيد، وأمروهم بالشرك، ولما كان التوحيد أعظم المراتب لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر، فلهذا وصفه الله تعالى بأنه كبار» 62.
وقيل: المكر الكبار هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح عليه السلام.
وقيل: هو تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد، حتى قال الضعفة: «لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم» .. وقيل: غير ذلك 63.
وأيًّا ما كان الأمر فالمراد: أن قوم نوح عليه السلام عبدوا الأصنام من دون الله تعالى، وسموها بهذه الأسماء؛ لأنها كانت لقوم صالحين، ظهر فيهم الصلاح في زمن نوح عليه السلام فماتوا، ونشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة، فأشار عليهم إبليس بأنهم إذا صوروهم على هيئة تماثيل كان ذلك أنشط لهم في العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم .. فعبدوهم.
وهذا ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ذكر أصنام قوم نوح عليه السلام فقال عنها: « .. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت» 64.
ومع كون قوم نوح عليه السلام لم يستيجوا لهم، إلا أنه لم يرضخ لذلك، بل نوع لهم أساليب الدعوة وأوقاتها ووسائلها علهم يستجيبون، على نحو ما وصفه الله تعالى بقوله عن نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح: 5 - 9] .
حتى إنهم ضجوا وصرخوا في وجهه عليه السلام بقولهم: {يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود: 32 - 33] .
لكن نوحًا عليه السلام لم يرضخ لهم، بل استمر في دعوته، فآمن به من آمن فكان من الناجين، وكفر من كفر فكان من الهالكين الغاوين.
ثانيًا: محاورات سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه:
ذكر القرآن الكريم محاورة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه على قسمين:
القسم الأول: محاورات خاصة بإبراهيم عليه السلام مع أبيه، والقسم الثاني: محاورة إبراهيم عليه السلام مع قومه أو مع قومه وأبيه معًا، وسيكون الحديث أولًا بما يتعلق بشأن محاورة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه، في مثل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] .
أرجح الأقوال في بيان المراد بـ «آزر» : أنه اسم أبي إبراهيم عليه السلام؛ وذلك لأن الله تعالى سماه بهذا الاسم، ولا شيء فوق كلام الله تعالى، فضلًا عن أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه هو الآخر آزر، فيما ورد صحيحًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قًترة وغبرة ... .) الحديث 65، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم آزر أيضًا 66.
والضلال هو العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية.
قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] .
ويقال: الضلال لكل عدول عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا كان أو كثيرًا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدًا 67.
وعلى هذا فالمعنى: إني أراك وقومك في خطأ وعدول عن الطريق المستقيم لعبادتكم الأصنام من دون الله تعالى، وهذا الخطأ بين واضح لكل ذي لب وعقل مستقيمين.
هذا ولقد اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام «على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من جهتين:
الأولى: أن قوله: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة، إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي المفهوم من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] .
الثانية: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيًا، فلما لم يكن الواحد كافيًا دل ذلك على أنها -وإن كثرت- لا نفع فيها ألبتة 68.
وهكذا أبطل سيدنا إبراهيم عليه السلام مذهب الوثنيين بالبرهان الساطع والدليل القاطع، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآيات التالية لهذه الآية، وفيها من الحجج والبراهين الواضحة ما يغني عن التعليق عليها.
وهكذا وصل إبراهيم عليه السلام إلى ما يريد من أقرب طريق، وأسلك سبيل، فينبغي على الدعاة أن يترسموا هذا الخطى، ويسيروا في ضوئه، فيلينوا في دعوتهم ولا يعبسوا في وجوه من يدعونهم؛ حتى ترتفع بهم دعوتهم، ويصلوا بها إلى الغاية المنشودة، وهذا ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم -والأمر للرسول أمر لأمته ما لم يرد دليل على التخصيص- في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .