أولًا: المعنى اللغوي
القبر من مادة قبر أي: دفن ووارى بالتراب، والقبر للميت وهو مدفن الإنسان، يقال: قبرت الميت وأقبرته قبرًا أي: دفنته وجعلت له مكانًا يدفن فيه، أو أمرت بأن يقبر وأعنت على دفنه، وقيل: أقبرته أي: صيرت له قبرًا يدفن فيه ويوارى فيه، وفي الآية القرآنية: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] .
أي: أُلْهِم كيف يدفن، أو جعله ممن يقبر ولم يجعله يلقى للكلاب أو الطيور، وكأن القبر مما أكرم به بنو آدم. والقبر واحد، والجمع قبور، والمقبرة بفتح الباء وضمها واحد المقابر؛ وهو موضع القبور، يقال: نقلوا من القصور إلى القبور، ومن المنابر إلى المقابر 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
لا يكاد المعنى الاصطلاحي للقبر يخرج عن معناه اللغوي، وقد وردت تعريفات منها: «القبر هو المكان الذي يدفن فيه الميت» 2، وهو «مقر الميت» 3، وقيل: «القبر هو الحفرة التي يستقر بها الميت، والمقبرة: اسم للمكان المشتمل على الحفرة وما ضمت» 4.
وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم القبر من الناحية المعنوية فقال: (إن القبر أول منازل الآخرة؛ فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشد منه) 5، وهذا وصف لحال الميت في القبر.
وردت مادة (قبر) في القرآن الكريم (8) مرات 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) } [عبس:21]
الاسم ... 7 ... {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة:84] .
{وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) } [الحج:7]
وجاء القبر في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو مقر الميت 7، ولم تخرج عن معناها اللغوي، قال الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) } [فاطر: 22] . يعني: كما لا يسمع ولا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم 8.
الأجداث:
الأجداث لغة:
الأجداث جمع جدث، حيث يقال للقبر: جدث وجدف 9.
الأجداث اصطلاحًا:
هي القبور، أماكن دفن الميت 10.
الصلة بين الأجداث والقبور:
مترادفتان.
البرزخ:
البرزخ لغة:
وهو الحائل بين شيئين 11.
البرزخ اصطلاحًا:
هو الفترة الممتدة من موت الإنسان إلى بعثه، حيث يقال للميت هو في البرزخ؛ لأنه بين الدنيا والآخرة 12. والبرزخ نوعان: زماني وهو الفترة الممتدة بين الموت والبعث، ومكاني وهو: القبر 13.
الصلة بين القبر والبرزخ:
قد يأتي البرزخ مرادفًا للقبر من حيث إنهما مكان دفن الميت، ويأتي أحيانًا بمعنى الحياة داخل القبر.
الضريح:
الضريح لغة:
ضرح الضريح للميت يضرحه ضرحًا أي: حفر له ضريحًا، وسمي الضريح في القبر ضريحًا؛ لأنه انضرح عن جالي القبر فصار في وسطه 14.
الضريح اصطلاحًا:
الضريح هو الشق في وسط القبر، وقيل: الضريح القبر كله، وقيل: هو قبر بلا لحد 15.
الصلة بين القبر والضريح:
القبر يطلق على كل مدفن للميت، أما الضريح يطلق على القبر كله والشق وسطه.
اللحد:
اللحد لغة:
من لحد أي: مال عن الاستقامة، يقال: لحد للميت وألحد له أي: حفر له لحدًا في أحد جانبي الجدث 16.
اللحد اصطلاحًا:
هو «حفرة مائلة عن الوسط» 17، وهو الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت، وسمي باللحد؛ لأنه أميل عن وسطه إلى جانبه بأن يحفر في عرضه أو جانبه 18.
الصلة بين القبر واللحد:
القبر اسم عام يطلق على كل مدفن للميت، أما اللحد فهو طريقة خاصة بأن يحفر في جانب القبر للميت.
أولًا: القبر تكريم إلهي للإنسان عن باقي المخلوقات:
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان، وصان كرامته، وحمى حقوقه، وجعله خليفةً في الأرض، وخصه بخصائص لا مثيل لها تميز بها عن باقي المخلوقات، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الاسراء:70] .
ويستمر حفظه له وعنايته به منذ خلقه حتى بعد الممات بحفظ جسده بعد مماته، بأن جعله يقبر ويدفن فلا يرمى للسباع والحيوانات المفترسة والطيور، وهذا ما علمه الله للإنسان من زمن آدم عليه السلام؛ إكرامًا له وتفضلًا عليه، فجعل في غريزة نوعه وفطرته أن يواري ميته بالتراب 19.
لذلك سن الله سبحانه وتعالى القبر للإنسان، وامتن عليه به، قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] .
أي: جعله ذا قبر يوارى فيه، وجعل مثواه جوف الأرض كرامة له ورعاية؛ لأن القبر مما أكرم به الإنسان 20.
فهذه الآية تدل على وجوب دفن الأموات وإقبارهم؛ إكرامًا لهم، دون إحراقهم كما يفعل الكفار كالمجوس والهندوس، فالواجب على المسلمين احترام موتاهم، ودفنهم كما أراد الله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: الدفن في القبر:
لقد شرع الله الدفن للميت تحت التراب، وألا يترك على وجه الأرض، قال تعالى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر:2] .
أي: إذا جاء الأجل صرتم إلى المقابر ودفنتم فيها، فالآية فيها كناية عن الموت ودفن الموتى في المقابر، حيث يؤتى بالأموات ويدفنون في المقابر 21، وقد حث الإسلام على دفن الميت في القبر؛ لأن فيه تكريمًا للإنسان، فجعل الأرض وعاء للأحياء في المساكن والمنازل، وللأموات يدفنون في بطونها في القبور، قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] 22.
وهذا ما أجمع عليه المسلمون بأن دفن الميت ومواراة بدنه فرض، فبعد الفراغ من الصلاة على الميت ينبغي أن يدفن الميت في القبر، وهو الحفرة الخاصة ذات الصفات التي تحفظ حرمته، وتصونه من الامتهان، وتجعله في مأمن من تناول السباع وخروج رائحة الجسد، حيث بعد دخوله القبر يوضع على شقه الأيمن ويوجه إلى القبلة، ثم يهال عليه التراب، ويسن أن يعمق القبر، وأن يوسع، وأن يلحد له فيه، وهو: أن يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة القبلة، فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق، وهو أن يحفر للميت في وسط القبر، لكن اللحد أفضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) 2324.
ثالثًا: تعليم الإنسان الدفن:
قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} [المائدة 31] .
هذه الآية أصل في دفن الميت 25، حيث روي أنه لما قتل قابيل أخاه هابيل، ولم يعرف كيف يصنع به ويواري جثته، وتحير في ذلك؛ لأنه أول ميت مات من بني آدم، بعث الله غرابًا يبحث في الأرض منقبًا في غذائه، أو يثيرها ليدفن غرابًا آخر ميتًا، فحفر حفرة، فرآه قابيل ففطن إلى مثل عمله، ففعل لأخيه مثلها ووارى بدنه فيها؛ لأن بدن الميت عورة، والجثة سوأة لا تطيقها النفوس، وبذلك تعلم الدفن للميت، ووارى سوأة أخيه 26، وفي قوله تعالى: {لِيُرِيَهُ} دليل أنه تعالى ألهم الغراب ذلك ليتعلم ابن آدم منه الدفن، فحين رأى القاتل الغراب يبحث في الأرض، تعلم منه سنة الدفن 27.
ويقول القرطبي في تفسير الآية السابقة مبينًا هذا المعنى: «بعث الله الغراب حكمة، ليرى ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] .
فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضًا على جميع الناس على الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن الباقين، وأخص به الأقربون الذين يلونه، ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين» 28.
إن في مشهد تعلم الإنسان الدفن من الغراب، والذي صورته الآية الكريمة لعبرة للخلق «فهذا المشهد العظيم هو مشهد أول حضارة في البشر، وهي من قبيل ستر المشاهد المكروهة، وهو أيضًا مشهد أول علم اكتسبه البشر بالتقليد وبالتجربة، وهو أيضًا مشهد أول مظاهر تلقي البشر معارفه من عوالم أضعف منه» 29.
إن عذاب القبر حق، وهو ثابت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله يعذب من استحق العذاب إن شاء، وإن شاء عفى عنه، وقد دلت الآيات القرآنية على عذاب القبر في مواضع كثيرة منها:
قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر:1 - 4] .
حيث فسر ابن عباس الوعيد في الآية بما ينزل من العذاب في القبر، ففي الآيات وعيد بعد وعيد، وردع وتنبيه لمن ألهتهم الدنيا عن العمل الصالح والاستعداد للآخرة، بأن ليس الأمر بالتفاخر والتكاثر بالأموال والأولاد، حتى إذا قبرتم عوقبتم بالعذاب، فهذا وعيد من الله بأنهم سوف يعلمون عاقبة فعلهم بعذاب في القبر، وما يحل بعده من عذاب في الآخرة 30.
يقول القرطبي في تفسير سورة التكاثر: «فتضمنت السورة القول في عذاب القبر، وإن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم، حسبما أخبر به الصادق، وأن الله سبحانه وتعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة» 31.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .
هذه الآية الكريمة من الآيات الدالة على عذاب القبر، فقد فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، وأنه يضيق على المعرض عن الله قبره، ويحصر فيه ويعذب، جزاء إعراضه عن ذكر ربه 32.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن في قبره في روضةٍ، ويرحب له قبره سبعين ذراعًا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أترون فيما أنزلت هذه الآية) قال تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .
قال: (أتدرون ما المعيشة الضنك؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليهم تسعةٌ وتسعون تنينًا، أتدرون ما التنين؟) قال: (تسعةٌ وتسعون حيةً لكل حيةٍ سبعة رؤوسٍ ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة) 33.
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93] .
هذه الآية خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ترى يا محمد صلى الله عليه وسلم أولئك الطغاة في ساعة الاحتضار وهم في خضم الشدائد وغمرة السكرات، وحولهم الملائكة الذين كانوا يتعجلون نزولهم، فها هم قد حل الموت بهم وجاءهم العذاب الذي لا رجعة فيه، وغشيتهم سكرات الموت، وحضرتهم ملائكة العذاب، يستعجلون خروج أرواحهم الخبيثة، ولو تراهم وهم على هذه الحال لرأيت أهوالًا عظامًا 34.
والملائكة تقول لهم عند قبض أرواحهم: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} 35.
وفسر القرطبي بسط الملائكة أيديهم أي: بالعذاب ومطارق الحديد أو لقبض أرواحهم 36.
ولقد ذكر بعض العلماء أن هذه الآية تصف حال الكافر عند القبض، وعذاب القبر، وأن هذا الخطاب والعذاب الموجه من الملائكة إليهم، إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده 37.
ويقول الشيخ الفوزان: «وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبر الملائكة -وهم الصادقون- أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صح أن يقال لهم: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} فدل على أن المراد به عذاب القبر» 38.
و قال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة:21] .
لقد وعد الله في هذه الآية الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، واختلف أهل التأويل في بيان معنى العذاب الأدنى، فقال البعض: هو مصائب الدنيا. وقال آخرون: عذاب القبر. وقيل غير ذلك، وقد فسرها ابن عباس بعذاب القبر 39.
وقال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46] هذه الآية تدل على عذاب القبر، وقد احتج بعض أهل العلم بهذه الآية في تثبيت عذاب القبر.
ونقل القرطبي أن الجمهور على أن العرض المذكور في الآية في البرزخ؛ لأنه بين ما لهم في الآخرة فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا} 40.
قال السيوطي: «وفي (العجائب للكرماني) : في هذه الآية أدل دليل على عذاب القبر؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه» 41.
ويعني قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ} أي: هذا العرض ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة يقال لهم: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وهو عذاب جهنم 42.
ويقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: «والنص يلهم أن عرضهم على النار غدوا وعشيا، هو في الفترة من بعد الموت إلى قيام الساعة، وقد يكون هذا هو عذاب القبر، إذ أنه يقول بعد هذا: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة، وهو عذاب سيئ، عرض على النار في الصباح وفي المساء، إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها وحرها- وهو عذاب شديد- وإما لمزاولتها فعلًا، فكثيرًا ما يستعمل لفظ العرض للمس والمزاولة، وهذه أدهى ثم إذا كان يوم القيامة أدخلوا أشد العذاب» 43.
ويدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) 44.
وإن من الأدلة على ثبوت عذاب القبر من السنة النبوية، ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم الصحابة رضي الله عنهم الاستعاذة من عذاب القبر، ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: (قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) 45.
إن أهل السنة يصدقون بأن الله سبحانه وتعالى يعذب هذا في قبره، أو ينعم هذا في قبره، كما وردت في ذلك أدلة مجملة ومفصلة، ولكن الكيفية محجوبة عنا، حتى ولو لم ندرك ذلك فقد أدركه الأنبياء، ولو كشفنا عن الميت ورأيناه كما وضع فإنا لا ننفي أنه يعذب أو ينعم، أو يضيق عليه قبره أو يوسع عليه؛ وذلك لأن هذا من علم الآخرة، وأهل الدنيا ليسوا مطلعين على أمور الآخرة، وقد أنكر الملاحدة والزنادقة عذاب القبر ونعيمه اعتمادًا على عقولهم وحواسهم؛ لأنهم لا يشاهدون شيئا من ذلك، ونرد عليهم بأن عذاب القبر من علم الغيب الذي يعتمد على النصوص الصحيحة، وليس للعقل ولا الفكر دخل فيه، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، وعدم إدراك الإنسان للشيء لا يدل على عدم وجوده، والله أعلم 46.
ولابن القيم في إثبات عذاب القبر كلام نفيس، فقد ذكر بأن الله تعالى قد جعل الدور ثلاثًا، وهي دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وجعل الله لكل دار أحكامًا تختص بها، فجعل الله الأحكام في دار الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل الأحكام في دار البرزخ تسري على الأرواح والأبدان تبع لها، وجعل الأحكام في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان معًا، ثم بين أن سعة القبر وضيقه ونوره وناره ليس من جنس المعهود للناس في عالم الدنيا 47.
إن أسباب عذاب القبر كثيرة:
1.الكفر.
فللكافر نصيبٌ من العذاب، ومبدأ ذلك حاصلٌ في القبر، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال:50] .
2.النفاق.
قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة:101] .
وأغلب ما ورد من أقوال المفسرين أن إحدى المرتين هو عذابهم في البرزخ قبل الآخرة.
3.الأعمال السيئة، وسائر المعاصي والذنوب.
وقد ذكر بعضها في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كالذي روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) 48.
وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه:(هل رأى أحد منكم من رؤيا؟) قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى) قال: (قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق) قال: (فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه -قال: وربما قال أبو رجاء: فيشق-) .
قال: (ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى) قال: (قلت: سبحان الله ما هذان؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور - قال: فأحسب أنه كان يقول - فإذا فيه لغط وأصوات) قال: (فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا) قال: (قلت لهما: ما هؤلاء؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق) .
قال: (فانطلقنا، فأتينا على نهر -حسبت أنه كان يقول- أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا) قال: (قلت لهما: ما هذان؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق) قال: (فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها) قال: (قلت لهما: ما هذا؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق) .