فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 2431

الإحصان

أولًا: المعنى اللغوي:

تدور مادة (حصن) في المعاجم اللغوية حول معاني المنع والحفظ والحياطة والحرز والحماية والعناية سواء الحسي منها أو المعنوي، وقد تجتمع هذه المعاني في الشيء الواحد حسيًا ومعنويًا. فكل ما أحرز وحفظ ومنع فهو محصن وكل ما أحرز وحفظ ومنع فهو محصن، ومنها: المرأة والرجل والأمة: وامرأة حصانٌ، بفتح الحاء: عفيفةٌ بينة الحصانة، والحصن بالضم العفة وكذا الإحصان 1. وحاصنة الرجل: امرأته؛ والضاد لغة فيه 2، والمحصنات: العفائف من النساء.

والأمة: إذا زوجت جاز أن يقال قد أحصنت؛ لأن تزويجها قد أحصنها، وكذلك إذا أعتقت فهي محصنة؛ لأن عتقها قد أعفها. وكذلك إذا أسلمت فإن إسلامها إحصانٌ لها.

وعليه فالمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج.

والرجل: ورجلٌ محصنٌ: متزوج 3، وحكى ابن الأعرابي: أحصن الرجل تزوج، فهو محصن، بفتح الصاد. رجلٌ محصن: أي عفيف، ومحصن: أحصنته امرأته.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يختلف تعريفه في الاصطلاح بحسب نوعيه: الإحصان في الرجم، والإحصان في القذف.

إحصان الرجم: الحال التي يستغني بها المكلف عن الوقوع في الزنى وتوجب عليه الرجم فيه.

إحصان القذف: الحال التي تثبت بها عفة المقذوف مع ما يستوجب تحقق الفرية واستحقاق الحد على القاذف 4.

وردت مادة (حصن) في القرآن الكريم (18) عشرة مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء:91]

الفعل المضارع ... 9 ... {لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء:80]

اسم الفاعل ... 4 ... {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء:24]

اسم المفعول ... 9 ... {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24]

مصدر ... 1 ... {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]

اسم ... 1 ... {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} [الحشر:2]

وجاء الإحصان في القرآن الكريم على أربعة أوجه 6:

أحدها: العفة: ومنه قوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء:91] . أي: عفت عن الفاحشة 7.

والثاني: الحرية: ومنه قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25] . المراد بهن الحرائر 8.

والثالث: التزوج: ومنه قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24] . أي: المتزوجات 9.

والرابع: الإسلام 10: ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء:25] 11.

الزواج:

الزواج لغةً:

(زوج) الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيءٍ، من ذلك الزوج زوج المرأة، والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح، ويقال: لفلانٍ زوجان من الحمام، يعني: ذكرًا وأنثى 12.

الزواج اصطلاحًا:

هو: عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلبًا للنسل على الوجه المشروع، أو هو: عقد يرد على ملك المتعة قصدًا 13، أو هو: عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع 14.

الصلة بين الإحصان والزواج:

الزواج هو وسيلة الإحصان المشروعة في الشريعة الإسلامية.

العفة:

العفة لغةً:

قال ابن منظور: «العفة: الكف عما لا يحل ويجمل 15.

العفة اصطلاحًا:

قال الراغب: «العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر» 16.

الصلة بين الإحصان والعفة:

من لم يستطع الإحصان بالزواج فعليه لزوم العفة.

الزنا:

الزنا لغة:

زنأ في الجبل إذا صعد، والزناء: الضيق والضيق جميعًا، وكل شيءٍ ضيق زناءٌ 17، والزنا يمد ويقصر: زنى يزني زنىً، مقصور، وزناءً ممدودٌ، والمرأة تزاني مزاناةً وزناء أي: تباغي 18.

الزنا اصطلاحًا:

هو اسم لوطء الرجل امرأةً في فرجها من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاحٍ بمطاوعتها. أو هو: إدخال فرجٍ في فرجٍ مشتهًى طبعًا محرمٍ شرعًا 19.

الصلة بين الإحصان والزنا:

يختلف عقوبة الزاني المحصن وغيره في الشريعة الإسلامية؛ تغليظًا وتخفيفًا.

قسم العلماء الإحصان إلى نوعين: إحصان الرجم، وإحصان القذف، وقد عرفنا كلًا منهما فيما سبق، والفرق بين إحصان الرجم وإحصان القذف، أن الأول حال للجاني، والثاني حال للمجني عليه.

وعليه فالمحصن في حد الزنى غير المحصن في حد القذف 20.

ويترتب على هذا الفرق أنه لا يتحقق حال الإحصان في حد الزنى إلا بوجود النكاح الصحيح، والوطء، والتكليف حال الوطء، كما لا يتحقق حال الإحصان في حد القذف إلا بالعفة عن الزنى، وسنفصل القول عن هذين النوعين من خلال النقاط الآتية:

أولًا: إحصان الرجم:

ذكرنا فيما سبق أن إحصان الرجم يعني الحال التي يستغني بها المكلف عن الوقوع في الزنى وتوجب عليه الرجم فيه، وهذا يعني ما أجمع عليه العلماء أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن.

ويفسر التعريف السابق لمعنى إحصان الرجم بأن يكون المكلف البالغ الحر العاقل قد جامع في عمره، ولو مرة واحدة، في نكاح صحيح، والرجل والمرأة في هذا سواء، وكذلك المسلم، والكافر، والرشيد، والمحجور عليه لسفه.

وأجمع أهل العلم على أن من زنى، وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكرًا كان أو أنثى، إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج، وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، وبطلان مذهبهم واضح من النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده 21.

وقد روى الشيخان في صحيحيهما: أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة سمع عبد الله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب، وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف) 22.

قال الشنقيطي رحمه الله: فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، عن الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دليل صريح صحيح على أن الرجم ثابت بآية من كتاب الله، أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها الصحابة، ووعوها، وعقلوها وأن حكمها باق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله والصحابة رضي الله عنهم فعلوه بعده 23.

وقد ثبت الرجم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت بقوله، وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا يتطرأ إليها الشك، وبطريق التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام حد الرجم على بعض الصحابة كماعز، والغامدية، وأن الخلفاء الراشدين من بعده قد أقاموا هذا الحد في عهودهم، وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد للزنى بعد الإحصان.

ثم ظل فقهاء الإسلام في كل الأعصار وفي كل الأمصار مجمعين على كونه حكمًا ثابتًا، وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة، بأدلة متضافرة لا مجال للشك فيها أو الارتياب 24.

هذا الرجم الثابت شرطه الإحصان بالمعنى الذي ذكرناه سابقًا، ولما ارتبط هذا المعنى بتلك الحال سمي هذا النوع من الإحصان إحصان الرجم.

وشروط الإحصان أقصد إحصان الرجم، الذي يجب على من توفرت فيه وزنى إقامة الحد، هي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والعقد الصحيح، والوطء المباح الذي لا شبهة فيه، وعبر بعضهم عن الأخيرين بالتزوج بنكاح صحيح، ودخول معتبر 25.

وزاد بعضهم: أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد، وأن يكون كل واحد من الزوجين مساويًا للآخر في شروط الإحصان، فلو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ثم دخل بها فلا يصير محصنًا، وهو بعيد 26.

وقال بعضهم في شرط الإسلام: بل يرجم الكافر لحديث اليهوديين اللذين زنيا بعد الإحصان ورجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم 27، وقصة رجمهما مشهورة مع صحتها؛ كما هو معلوم.

ولا يشترط الإحصان في الرقيق، فيقام الحد على من أحصن، ومن لم يحصن منهم، لقول علي رضي الله عنه: (يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ولم يحصن، فإن أمةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنت) ، وفي رواية قال له: اتركها حتى تماثل 28.

ثانيًا: إحصان القذف:

وأما إحصان القذف فهو المذكور في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4 - 5] .

يخبر الله جل ثناؤه بأن الذين ينتهكون حرمات المؤمنين، فيرمون العفائف الشريفات الطاهرات بالفاحشة، ويتهمونهن بأقدس وأثمن شيء لدى الإنسان فينسبونهن إلى الزنى، ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة شهداء عدول، يشهدون عليهن بما نسبوا إليهن من الفاحشة فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، لأنهم فسقة كذبة يتهمون الأبرياء، ويحبون إشاعة الفاحشة، وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم الإنسانية، فلا تقبلوا شهادة أي واحد منهم ما دام مصرًا على بهتانه، وأولئك عند الله من أسوأ الناس منزلة وأشدهم عذابًا، لأنهم فساق خارجون عن طاعة الله عز وجل، لا يحفظون كرامة مؤمن، ويقعون في أعراض الناس شأن أهل الضلال والنفاق، الذين يسعون لتهديم المجتمع الإسلامي وتقويض بنيانه، وأما إذا تابوا وأنابوا وغيروا سيرتهم وأصلحوا أحوالهم، ورجعوا عن سلوك طريق الغي والضلال فاعفوا عنهم واصفحوا، واقبلوا اعتذارهم، وردوا إليهم اعتبارهم، فإن الله غفور رحيم، يقبل توبة عبده إذا تاب وأناب وأصلح حاله 29.

وقد نصت هذه الآية على بيان حكم القاذف للمحصنة، وهي: الحرة البالغة العفيفة، وأنه يترتب على قذفه هذا ثلاثة أمور، وذلك إذا لم يأت بأربعة شهداء يشهدون برؤيتهم الواقعة:

الأول: أن يجلد ثمانين جلدة هو ومن معه إذا لم يتموا أربعة شهداء.

الثاني: أن ترد شهادته أبدًا.

الثالث: أنه فاسق ليس بعدل لا عند الله، ولا عند الناس 30.

وإن كانت الآية قد نصت على قذف الذكور للإناث، إلا أن الإجماع منعقد على أن قذف الرجل داخل في الآية بالمعنى، فقذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية، للجزم بنفي الفارق بين الجميع 31.

وذكر الله تعالى في الآية النساء لأنهن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع، وأنكر للنفوس 32.

وللقذف عند العلماء شروط تسعة:

شرطان في القاذف وهما:

1.العقل.

2.البلوغ.

وشرطان في المقذوف به:

1.وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه حد؛ كالزنى واللواط.

2.أو بنفي الولد عن أبيه.

وخمسة في المقذوف:

1.العقل.

2.البلوغ.

3.الإسلام.

4.الحرية.

5.الإحصان وهو بمعنى العفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفًا من غيرها أم لا 33.

واتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان موجبًا للحد، فإن عرض وكان يفهم منه معنى القذف فهمًا واضحًا من القرائن فإن صاحبه يحد؛ لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهمًا واضحًا، ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض 34.

ومن حرص شريعة الإسلام على الستر وعدم إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم، أن الزنى هو الحكم الوحيد الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق؛ رحمة من الله بعباده وسترًا لهم 35.

ويشترط في الشهود الأربعة على واقعة الزنى أن يكونوا جميعًا رجالًا، ولا شهادة للنساء في الحدود لقوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء:15] 36.

وأن يروا الفرج في الفرج كالمرود 37 في المكحلة، وأن تكون رؤيتهم في موطن واحد، وإن اضطرب أحدهم في شهادته جلد الثلاثة الباقين، كما فعل عمر رضي الله عنه في قصة المغيرة، حيث شهد عليه أبو بكرة الثقفي، وأخوه نافع، وشبل بن معبد وزياد بن أبيه بالزنى، فلما استشهدهم عمر اضطرب زياد، فلم يشهد بصراحة الزنى، فجلد عمر الباقين 38.

واتفق أهل العلم على أن الاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:5] لا يرجع على الجلد؛ لأنه قد حصل، واختلفوا هل يرجع الاستثناء على عدم قبول الشهادة والفسق، فإذا تاب قبلت شهادته ورفع عنه الفسق، أم أن الاستثناء يعود على الجملة الأخيرة، فيرفع عنه الفسق، ولكن لا تقبل شهادته أبدًا.

قال بالأول الجمهور، وبالثاني أبو حنيفة، واستدل للجمهور بأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها مع كون الكلام واحدًا في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وبأن التوبة تجب ما قبلها، والزاني نفسه إذا تاب قبلت توبته.

واستدل من خالفهم بقوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4] ، وأن الضمير يعود لأقرب مذكور، والصواب قول الجمهور 39.

وحد القذف لا يقام على القاذف إلا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه؛ لأنه حق له 40.

ومن قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد؛ لأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة والنقص على المقذوفين، فإذا حد حدًا واحدًا ظهر كذب القاذف، وزالت المعرة، وحصل به شفاء الغيظ بحده، أما من رمى جماعة بكلمات، فإنه يتعدد عليه الحد بعدد الكلمات التي قذف بها؛ لأنه قذف كل واحد قذفًا مستقلًا لم يشاركه فيه غيره، ولو حد حدًا واحدًا لم يظهر به كذبه على الثاني، ولا تزول عنه به المعرة 41.

الشروط العامة للنكاح تنقسم إلى أقسام نذكرها ملخصة للإفادة، ومظانها في كتب الفقه، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام:

1.شروط الانعقاد: وهي الشروط الخاصة بأركان العقد وبها يوجد العقد وبدونها ينعدم ويعتبر باطلًا، وهي شروط في العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد.

2.شروط الصحة: وهي الشروط التي يصح بها العقد ويترتب عليه آثاره، وبدون هذه الشروط يفسد العقد، مثل: التأبيد في العقد، ووجود الولي والشهود، وعدم الإكراه، وأن تحل المرأة للرجل.

3.شروط اللزوم: وهي الشروط اللازمة لبقاء العقد واستمراره، وبدونها يكون العقد جائزًا، ويقع خيار الفسخ لمن له حق الخيار، مثل: الكفاءة والصداق.

4.شروط النفاذ: وهي التي بها تترتب الآثار على العقد، وبدونها يكون العقد موقوفًا على إجازة من له حق الإجازة، وهي خاصة بزواج الفضولي، ومن ليس له ولاية على الزوجين.

لكن الذي يعنينا هنا الشروط الخاصة المنبثقة من آيات نكاح المحصنات من المؤمنات الحرائر والإماء ومن نساء أهل الكتاب وسبايا الجهاد، سنعرض لذلك كله من خلال المطالب الآتية:

أولًا: المحصنات من المؤمنات:

أما الشروط التي حددها الشرع في جواز زواج المسلم من المسلمة الحرة فهي على النحو التالي:

الشرط الأول: الإحصان.

والمحصنات، أي: العفيفات المحصنات لفروجهن، فوجود العفة في المرأة شرط للزواج منها.

قال الله عز وجل: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) [المائدة:5] .

والخَدِين: الخليل الذي يزني بالمرأة تحت أي اسم.

وقال عز وجل: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ? وَحُرِّمَ ذَ?لِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ?3?) [النور:3] .

فاقتضى هذا أن الزاني لا يطأ إلا مثله من الزواني أو المشركات، كما أنه لا يطأ الزانية أو المشركة إلا زانٍ مثلها أو مشرك، وقد حرم الله الزنى على المؤمنين والمؤمنات، فلا يتزوج زانٍ امرأة عفيفة، إلا بعد أن يتوب إلى الله التوبة النصوح بشروطها المعلومة، ولا يتزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها التوبة النصوح بشروطها المعلومة.

الشرط الثاني: إذن الولي.

والمراد أن يكون النكاح بإذن من له الولاية على المرأة، والأصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) 42.

الشرط الثالث: وجوب الصداق للزوجة ما لم تهبه لزوجها.

والأصل في وجوبه قول الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ? فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ?4?) [النساء:4] .

وقوله عز وجل: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ?) [النساء:24] .

وقوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ?) [الممتحنة:10] . يعني: صداقهن.

ويدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، وأما وقد جاء النص بهذا المفهوم في قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [الأحزاب:50] .

فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص به صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: (خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لا يحله لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، ظاهر في أن النكاح لا يصح إلا بإتيان الأجور.

وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق كما في قوله تعالى (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة:236] .

وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن دخل بها فلها صداق المثل، ويدل لإطلاق الأجور على الصداق قوله تعالى في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولًا للحرائر: (فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إلى قوله: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [النساء:25] . وفي نكاح أهل الكتاب قال تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) [المائدة:5] .

وقوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) [الأحزاب:50] .

وبهذا كله يرد على من استدل بلفظ الأجور على نكاح المتعة في قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النساء:24] 43.

وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن المقصود بالأجور المهور خلافًا للإمامية الذين يستدلون بذلك على جواز زواج المتعة، وهو التفسير الذي نعارضه استنادًا إلى تحريم زواج المتعة عام خيبر وأبيح بعدها، ثم حرم وجدد الرسول صلى الله عليه وسلم النهي عنه وأكده يوم الفتح ويوم أوطاس وفي حجة الوداع 44.

أباح الله تعالى نكاح الإماء المملوكات بثلاثة شروط: اثنان منها في الناكح، والثالث في المنكوحة.

فأما اللذين في الناكح:

1.عدم القدرة على نكاح الحرة بألا يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة.

قال في التحرير: «وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطًا بالعجز عن الحرائر المسلمات» 45.

قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم) [النساء:25] .

والآية تفيد بمضمونها أنه لا يحل الزواج من الإماء، إلا إذا كان المسلم الحر ليس في قدرته أن يتزوج امرأة حرة، ومذهب الشافعي أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء:25] .

فعدم استطاعة الطَول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة، كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به 46.

فإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟

قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن، لاشتغالهن بخدمة السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت.

2.خوف العنت.

وهو المذكور في آخر الآية وهو قوله: (ذَ?لِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ) [النساء: 25] .

أي: بلغ الشدة في العزوبة، أو خوف الزنى، وهذا قول ابن عباس والشعبي وابن جبير ومسروق ومكحول وأحمد ومالك والشافعي، وقد روي عن علي والحسن وابن المسيب ومجاهد والزهري، قالوا: ينكح الأمة وإن كان موسرًا 47.

وأما الشرط الذي في المنكوحة:

أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة 48؛ لقوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) [النساء:25] .

فالقيد الأول مستفاد من قوله: (مِّن فَتَيَاتِكُمُ) أي: من فتيات المسلمين، لا من فتيات غيركم، وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت