أولًا: المعنى اللغوي:
من المعلوم أن الباطل خلاف الحق وضده 1، ويعني: ذهاب الشيء وزواله، وقلة مكثه في الوجود والواقع، قال ابن فارس: « (بطل) الباء والطاء واللام أصل واحد، وهو ذهاب الشيء وقلة مكثه ولبثه. يقال: بطل الشيء يبطل بطلًا وبطولًا. وسمي الشيطان: الباطل؛ لأنه لا حقيقة لأفعاله، وكل شيء منه فلا مرجوع له ولا معول عليه، والبطل الشجاع ... لأنه يعرض نفسه للمتالف» 2.
«وبطل الأجير بالفتح بطالةً، أي تعطل فهو بطال» 3.
فالذي يربط تلك المعاني جميعها هو الزوال واللاقيمة؛ فالشيطان سرعان ما يزول شره، ويظهر وهنه، والبطل يزول بتعريض نفسه للخطر، والبطالة كذلك لا قيمة لصاحبها ولا أثر.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الباطل هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء أكان اعتقادًا، أم فعلًا، أم كلامًا، أم غيره 4.
وما يجمع هذه المصطلحات مع المعنى اللغوي هو الزوال والذهاب، فما كان غير صحيح فهو إلى ذهاب، وفي عرف الفقهاء: الباطل كأنه لم يكن، فهو زائل، حتى كلمة بطل التي تقال للشجاع فلأنه يعرض نفسه للموت، ودمه للهدر، أو لأنه يبطل دم من تعرض له أي يذهبه ويزيله.5
ومن ثم فإن الارتباط بين المعنيين - اللغوي والاصطلاحي - يعد ارتباطًا وثيقًا؛ يقوم على أن الباطل لا قيمة له، ولا دوام؛ فسرعان ما يتلاشى بلا أثر يذكر.
وردت مادة (بطل) في القرآن الكريم (34) ، مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) } [الأعراف:118]
الفعل المضارع ... 4 ... {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) } [الأنفال:8]
اسم فاعل ... 29 ... {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) } [الإسراء:81]
وجاء الباطل في الاستعمال القرآني على وجهين 7:
الأول: بمعناه اللغوي، وهو ضد الحق، وما لا ثبات ولا صحة له، مثل: الشرك والكذب والظلم.
الثاني: الإحباط: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264] . يعني: لا تحبطوا.
الضلال:
الضلال لغة:
مصدر (ضل) ، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب والقصد يسمى (ضالًا) ، و (يَضَل ويَضِل) لغتان عند العرب 8.
الضلال اصطلاحًا:
«كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا» 9.
وهذا التعريف يشمل جميع المعاني، وهو أن الضلال خلاف الهدى، سواء كان في الاعتقاد أو في الأفعال، عامدًا الضلال أم جاهلًا؛ فالنتيجة واحدة وهو أنه ضال، ولذا فقد عرفه الراغب بقوله: «العدول عن الطريق المستقيم» 10.
الصلة بين الباطل والضلال:
سبق القول: إن الضلال كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى هذا فهو صورة من صور الباطل، ونموذج من نماذجه؛ إذ إن ضلال المرء عن الطريق يبعده عن الوصول لمقصده أكثر فأكثر، وبالتالي لا يحقق المرء غايته أبدًا، وهكذا الباطل لا يرجى منه نفع ولا مقصود.
الحبوط:
الحبوط لغة:
يقول ابن فارس: «الحاء والباء والطاء أصل واحد يدل على بطلانٍ أو ألمٍ. يقال: أحبط الله عمل الكافر، أي أبطله ... ومما يقرب من هذا الباب حبط الجلد، إذا كانت به جراحٌ فبرأت وبقيت بها آثار» 11.
الحبوط اصطلاحًا:
فهو «إبطال عمل البر من الحسنات بالسيئات» 12.
قال ابن الأثير: « (أحبط الله عمله) أي: أبطله. يقال: حبط عمله يحبط، وأحبطه غيره» 13.
والملاحظ في الرابط بين المعنيين، أن الحبوط لغة انتفاخ في بطن الدابة، نتيجة لأكلها نباتًا يترك هذا الأثر، فيظن الناظر إلى الدابة أنها سمنة نافعة، غير أنه انتفاخ قاتل يسبب الألم والموت، وهكذا اصطلاحًا؛ حيث يظن الكافر أن عمله له قيمة وأجر، غير أنه لاقيمة له بسبب فساده وحبوطه.
الصلة بين الباطل والحبوط:
تظهر العلاقة بين الباطل والحبوط بشكل جلي؛ فالحبط: إبطال عمل البر من الحسنات بالسيئات، فالعمل أو القول الذي يكون باطلًا لا خير فيه، وكذلك العمل المحبط، لا نفع ولا أجر له، ويتحول هذا العمل بعد الحق إلى الباطل.
اللغو:
اللغو لغة:
اللغو هو: ما لا نفع ولا خير فيه، وقد يكون مضرًا، ثم اختلف أهل اللغة بين معممٍ له في الأقوال والأفعال 14، وبين مخصص له في الأقوال دون غيرها 15.
اللغو اصطلاحًا:
فقد عرفه الكفوي بأنه: «كل مطروح من الكلام لا يعتد به» 16، وبما أنه مطروح ولا يعتد به، إذن فلا خير فيه ولا نفع.
الصلة بين الباطل واللغو:
لما أن كان اللغو يشمل كل مطروح من الكلام الذي لا يعتد به، فهو يشترك مع الباطل في عدم نفعه، وتضيع الوقت في الاشتغال فيه؛ إذن هو صورة من صور الباطل.
الحق:
الحق لغة:
هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجبًا 17، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: «يدل على إحكام الشيء وصحته» 18.
الحق اصطلاحًا:
هو الحكم المطابق للواقع، في الأقوال والعقائد والأديان، ويقابله الباطل 19.
الصلة بين الباطل والحق:
سبق القول إن الباطل هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء كان اعتقادًا أو فعلًا أو كلامًا أو غيره، وبالتالي فخلافه الحق الذي هو: الحكم المطابق للواقع، في الأقوال والعقائد والأديان؛ فالباطل زائل، وأما الحق فثابت راسخ.
ذكر القرآن الكريم كثيرًا من الأمور والشخصيات، وأثبت بطلان بعضها، ونفى البطلان عن البعض الآخر، وذلك بناء على ماهية وحقيقة تلك الأمور، وما يترتب عليها من آثار إيجابية أو سلبية على الواقع الديني والاجتماعي ونحوهما.
أولًا: الباطل المثبت:
هناك عدة أشياء وصفها القرآن الكريم بكونها باطلًا، منها:
تعددت المعبودات من دون الله بتعدد الأهواء والمصالح والأزمان؛ فمنهم من عبد الأوثان (الأصنام) ، ومنهم من وله في عبادة الشمس والنار، ومنهم من نزل عن كرامته ليعبد الدواب -ومنها الأبقار التي يعبدها الهندوس-، وغيرها من المعبودات؛ كالهوى والمال والحب في غير ذات الله، عدا عن العبادات المعنوية.
ومن هنا نفهم قوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] .
نعم، جاء ليثبت بطلان المعبودات الأخرى من دونه سبحانه، فهي لا تستحق العبادة، ولا تستحق أن يصرف جزء من العبادة لها، يقول الطبري: «يريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق، كيما يعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام، ويعز الإسلام، وذلك هو «تحقيق الحق» ، {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} ، يقول: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر» 20.
وقد يتساءل عن سبب التأكيد في الآية الكريمة بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وكان يكفي أن يكون حقًا ليتبع، لكنها حكمة الله في إحقاق الحق -وهو إظهاره وليس جعله حقًا- وإبطال الباطل -وهو محقه وطمسه-؛ إذ قد يظن الناس الحق باطلًا بتشابههما في عدم الظهور 21.
ولقد أكثر القرآن العظيم من ذكر آيات كريمات تدل على وحدانية الله تعالى، واستحقاقه للألوهية وحده، وذلك بطرق عقلية مختلفة، منها:
-أنه لا يمكن أن يكون في الكون إلا خالق واحد هو الله.
حيث قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ? فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ?22?) [الأنبياء: 22] .
وفي آية أخرى يبين سبب الفساد؛ إذ يقول تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَ?هٍ ? إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَ?هٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون: 91] .
ولو ذهب كل إله بما خلق لحدث التزلزل
في نظام الكون، غير أن الاستقرار الحاصل في الكون دليل واضح على وجود مدبر واحد لا ثاني له.
-أنه تعالى المنعم بكل شيء؛ فهو الخالق وغيره لا، ولن يخلقوا -ولو اجتمع بعضهم إلى بعض- أصغر مخلوقات الله تعالى، فكيف إذن يعبد غيره.
قال سبحانه عن عجز الآلهة المزعومة المعبودة من دون الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ? إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ? وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ? ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: 73] .
وقال عز من قائل مستنكرًا عليهم عبادة غيره؛ لأن بطلانها مدرك بالعقل: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [النحل: 17] .
أفمن العدالة أن ينسب الفضل لغير أهله، ويشكر على الفعل غير فاعله؟!.
-جاء القرآن الكريم بقصص للأنبياء كثيرة، تبين إثبات بطلان عبادة غير الله تعالى.
كما في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه من الوثنيين، حيث يقول الله تعالى عنهم بعد أن حطم إبراهيم عليه السلام أوثانهم: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) } [الأنبياء: 59 - 67] .
نعم والله إنه خلاف العقل، وانتكاس للفطرة التي خلقوا عليها.
لقد أثبت القرآن العظيم البطلان للشيطان؛ حيث وصفه الحق سبحانه بالباطل في قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} [محمد: 3] .
ومن كان في ذاته باطلًا فكل ما يصدر عنه فهو باطل، واتباعهم لباطله يعني أنهم «اتبعوا وسوسته بالذي دعاهم إليه من عبادة الأوثان» 22.
وإثبات بطلانه يكون بإثبات خطأ اعتقاده، الأول من أن خلقه من نار خير من خلق آدم عليه السلام من طين، ثم ما تبعه من بطلان رفضه السجود لآدم عليه السلام، ثم بطلان ما هو عليه إلى قيام الساعة من ضلال وإضلال للناس عن طريق الجادة.
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] .
وإثبات البطلان لما يعد أتباعه من نصرٍ وتأييد وعزة، حيث قال سبحانه: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120] .
يقول الطبري: «يعد الشيطان المريد أولياءه الذين هم نصيبه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج 23 عليهم» .
ثم قال: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} يقول: «وما يعد الشيطان أولياءه الذين اتخذوه وليًا من دون الله {إِلَّا غُرُورًا} يعني: إلا باطلًا. وإنما جعل عدته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم {غُرُورًا} ، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًا على حقيقةٍ من عداته الكذب وأمانيه الباطلة» 24.
ولا أدل على بطلانه من آيتي لقمان والحج اللتان أثبت فيهما الحق سبحانه أن الشيطان باطل في كل ما يدعو إليه الناس، وأيضَا باطل فيما يوجهونه إليه من العبادة والخشية وغيرها من المصروفات، كما قال ربنا: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان: 30] .
وقوله سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] .
ونلحظ التأكيد في الآية بهو، وهذا يرجح أن يكون المقصود بالباطل هو الشيطان في جميع الأحوال.
ومن الأدلة أيضًا على ضعفه وبطلان سعيه وعدم قدرته على المواجهة: الوسائل التي استخدمها في إغواء الناس وإضلالهم، ومن ذلك -على سبيل الإيجاز-:
الأولى: الوسوسة.
فقد بدأ إبليس بالكيد لآدم وزوجه لإخراجهما من الجنة، ومن ذلك أكذوبته الأولى، قال سبحانه: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] .
والوسوسة هي: «الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلا المداني للمتكلم» 25، غير أن الثعالبي يرى أن وسوسة إبليس لأبينا آدم عليه السلام يمكن أن تكون بمحاورة خفية أو بالإلقاء في النفس 26، ولا شك في أن الله تعالى أمده بقدرات كبيرة لا نعلم كثيرًا منها.
ويلاحظ في اللفظ القرآني أنه استخدم {فَوَسْوَسَ لَهُمَا} بدل (وسوس إليهما) ، فالأولى تعني: وسوس لأجلهما، أي لأجل أن يغويهما، أما الثانية فتفيد بأنه: ألقاها إليهما 27.
يقول الطبري: «ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرها، إلا لئلا تكونا ملكين، وأسقطت «لا» من الكلام، لدلالة ما ظهر عليها، كما أسقطت من قوله: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] .
والمعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا» 28.
وهكذا حصل لإبليس ما أراد، فما أن أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهيا عنها إلا وظهرت سوءاتهما؛ فبدأت نتيجة وسوسته بالارتباك والبحث عما يستر السوءة، فعصى آدم وزوجه ربهما، وكانت المعصية سببًا في إخراجهما من الجنة.
الثانية: الإلقاء في النفوس عند الأماني.
الإلقاء في النفوس عند الأماني وسيلة من وسائل إبليس التي تدل على ضعفه وبطلان فعله؛ ليبعد عن الطاعة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] .
نلحظ في الآية الكريمة كيف أن الله تعالى أبطل ما يلقي الشيطان، فكيده كما أسلفنا ضعيف.
ولقد ورد في الآية الكريمة لفظا التمني والإلقاء؛ فأما التمني فأسند إلى الرسول خاصة والرسل عامة صلى الله وسلم عليهم جميعًا، وأما الإلقاء فإلى الشيطان.
والتمني ينصرف على أحد معنيين:
الأول: التلاوة أو القراءة، وهو رأي جمهور العلماء 29، وهو الراجح، والله أعلم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير التمني: «إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته» 30.
قال البخاري تعقيبًا عليه: «ويقال أمنيته قراءته» 31.
ويكون المعنى: «أن الله ما أرسل قبل محمد {مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، {أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره.
ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و {يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان» 32.
الثاني: تمني القلب والخاطر 33 الذي يرد عليه.
والمعنى حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتمنى شيئًا من الأمور، يوسوس الشيطان إليه بالباطل، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته 34.
وهذا المعنى باطل، كما رد الرازي عليه سابقًا.
وأما الإلقاء فالأرجح فيه أنه وسوسة من الشيطان، إذ إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الإدخال في كلام الله ما ليس منه، فالقرآن محفوظ بحفظ الله تعالى.
يقول الرازي: «الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان؛ بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر» 35.
وذهب الشعراوي مذهبًا قريبًا حيث رأى أنه «لا يمكن للشيطان أن يدخل في القرآن ما ليس منه، لكن يحتمل تدخل الشيطان على وجه آخر، فحين يقرأ رسول الله القرآن، وفيه هداية للناس ... أتنتظر من عدو الله أن يخلي الجو للناس حتى يسمعوا هذا الكلام دون أن يشوش عليهم، ويبلبل أفكارهم، ويحول بينهم وبين سماعه؟ فإذا تمنى الرسول يعني: قرأ، ألقى الشيطان في أمنيته، وسلط أتباعه من البشر يقولون في القرآن: سحر وشعر وإفك وأساطير الأولين، فدور الشيطان ... أن يلقي في طريق القرآن وفهمه والتأثر به العقبات والعراقيل التي تصد الناس عن فهمه والتأثر به، وتفسد القرآن في نظر من يريد أن يؤمن به» 36.
فحقيقة الإلقاء أنه: «رمي الشيء من اليد، واستعير هنا للوسوسة وتسويل الفساد، تشبيهًا للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس. ومنه قوله تعالى: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} [طه: 87] » 37.
وهكذا يظهر بطلان سعيه وضعفه واقتصاره على الوسوسة والإلقاء في النفس وغيرها من الوسائل، وهي بلا ريب تدل على بطلانه وبطلان نصرته لأوليائه.
قال الله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48.]
من خلال استقراء للآيات الكريمة التي تتحدث عن بطلان أعمال الكافرين، يتبين أن البطلان له صورة رئيسة هي: حبوط أجر الأعمال وثوابها بسبب الكفر والرياء.
كثيرًا ما يتساءل عن أجر الكافر وثواب عمله، وهل له ثواب بعد الكفر؟
وهكذا يجيب الله تعالى على أسئلتهم بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 16] .
والحبوط هو: «أن تكثر الأنعام من بعض المراعي التي تستطيبها حتى تنتفخ وتفسد أحشاؤها، فظاهر كثرة الأكل أنه سبب للقوة فكان في هذه الحالة سببًا للضعف» 38.
وهكذا الذي يحبط عمله ويبطله.
يقول أبو السعود: «أي: ظهر في الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة، أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر إذ شرط الاعتداد بها الإخلاص {وَبَاطِلٌ} أي: في نفسه ... وقرئ: وبطل على الفعل، أي: ظهر بطلانه؛ حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقًا» 39.
ثانيًا: الباطل المنفي:
لقد صرح القرآن العظيم بنفي البطلان عن بعض الأشياء، ومن ذلك:
لا ريب في أن الله هو الحق، قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62] .
ولأنه صاحب الجلال والجمال والكمال؛ فإن كل ما يصدر عنه من أفعال هي حق مطلق، لا يأتيها الباطل ولا يعتريها في أي جانب منها، ومما كان يثيره الكفار من مزاعم واعتقادات باطلة: عبثية خلق السماوات والأرض؛ فلا يوجد بعد هذه الحياة من حياة بدليل الواقع، وبالتالي في تصورهم القاصر فإن خلق الكون بما فيه هو ضرب من العبث.