الله سبحانه وتعالى حكم عدل، يضع الأشياء مواضعها، لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه حكمته وعدله تبارك وتعالى، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يجزي أحدًا إلا بذنبه، لا يزاد في سيئاته، ولا ينقص من حسناته شيئًا، كما أنه تعالى لا يسوي بين المؤمن والكافر، والصالح والفاجر، بل يجازي كلا بعمله.
فهو سبحانه عدل فيما شرعه من الدين عن الغلو والتقصير إلى التوسط، وخير الأمور أوساطها، وليس لما جاوز العدل حظ من رشد، ولا نصيب من سداد.
قال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 36 - 41] .
ومن أسمائه تعالى: العدل 48، ودليله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .
قال ابن الأثير: «في أسماء الله تعالى «العدل» هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدرٌ سمي به فوضع موضع العادل، وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا» 49.
وكذلك من أوصافه تعالى: العدل 50، فهو سبحانه على صراط مستقيم، في كل ما يقضيه ويقدره؛ فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه؛ فإنه على صراط مستقيم، ماضٍ في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك، وله الحمد، لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل، إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته، وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا.
قال ابن القيم: «التوحيد والعدل هما جماع 51 صفات الكمال، وصفات العدل والقبض والبسط، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم ونحوها أخص باسم الملك» 52.
وقال القرطبي في قوله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل (34) ] : «أهانوا شرفاءها؛ لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل (34) ] .
قال ابن الأنباري: قوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} هذا وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقًا لقولها: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} 53.
وقال الشيخ ابن غازي: «فعلى هذا يكون قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} من تصديق الله تعالى لقول ملكة سبأ وهي كافرة، وهذا غاية العدل والإنصاف» 54.
وقال أبو حامد الغزالي: «من أراد أن يفهم وصف الله عز وجل بالعدل ينبغي له أن يحيط علمًا بأفعال الله تعالى من ملكوت السموات إلى منتهى الثرى.
حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت، ثم رجع إليه بصره فما رأى من فطور، ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئًا وهو حسير، وقد بهره جمال ما رأى، وحيره اعتداله وانتظامه، فعند ذلك يعبق بفمه شيء من معاني عدله تعالى وتقدس.
وقد خلق الله أقسام الموجودات، جسمانيها وروحانيها، كاملها وناقصها، وأعطى كل شيء خلقه، وهو بذلك جواد، ورتبها في مواضعها اللائقة بها، وهو بذلك عدل، ولينظر الإنسان إلى بدنه؛ فإنه مركب من أعضاء مختلفة، فقد ركبه من العظم واللحم والجلد، وجعل العظم عمادًا مستبطنًا، واللحم صوانًا له مكتنفًا إياه، وكذلك جعل الجلد صوانًا للحم، فلو عكس هذا الترتيب وأظهر ما أبطن لبطل النظام، واختل العدل، وعلى هذا ينبغي أن تعلم أنه لم يخلق شيء في موضع إلا لأنه متعين له، ولو تيامن عنه أو تياسر أو تسفل أو تعلى؛ لكان ناقصًا أو باطلًا، أو قبيحًا، أو خارجًا عن المتناسب، كريهًا في المنظر، ألم تر أنه مثلًا لو خلق الأنف على غير وسط الوجه أو لو خلق على الجبهة أو على الخد لتطرق النقص إليه، ثم إن الإنسان لو ترقى ونظر في ملكوت السماوات والأرض وعجائبها؛ لرأى ما يستحقر فيه عجائب بدنه، وكيف لا؟ وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس.
هذا هو الطريق لمعرفة هذا الاسم؛ لأن معرفة الأسامي المشتقة من الأفعال لا تفهم إلا بعد فهم الأفعال، وأنت تعلم أن كل ما في الوجود من أفعال الله، فإذا كان الأمر كذلك فإن الواجب على العبد بعد إيمانه بأن الله عدل أنه لا يعترض عليه في تدبيره وحكمه وسائر أفعاله،-وافق مراده أم لم يوافق-؛ لأن كل ذلك عدل، وتيقنه أنه لو لم يفعل سبحانه وتعالى ما فعله؛ لحصل في الوجود أمر آخر هو أعظم ضررًا مما حصل، كما أن المريض لو لم يحتجم؛ لتضرر ضررًا يزيد على ألم الحجامة» 55.
وهناك آيات كثيرة يتجلى فيها وصف الله تعالى بالعدل، ومنها:
قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] .
{قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل 56.
قال الطبري: «وأما قوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} فإنه بمعنى: أنه الذي يلي العدل بين خلقه.
والقسط هو العدل، من قولهم: «هو مقسط» ، و «قد أقسط» ، إذا عدل، ونصب {قَائِمًا} على القطع» 57.
وقال الراغب الأصفهاني: «وقوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أي: هو تعالى مراعٍ للعدالة بكل حال؛ وذلك حال مؤكدة» 58.
وقال البيضاوي: « {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} مقيمًا للعدل في قسمه وحكمه، وانتصابه على الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها، ولم يجز: جاء زيد وعمرو راكبًا؛ لعدم اللبس؛ كقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] .
أو من هو والعامل فيها معنى الجملة، أي: تفرد قائمًا، أو أحقه؛ لأنها حال مؤكدة، أو على المدح، أو الصفة للمنفي، وفيه ضعف للفصل، وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة، أو حالًا من الضمير.
وقريء (القائم بالقسط) على البدل عن {هُوَ} ، أو الخبر لمحذوف» 59.
وقال ابن القيم: «وقوله تعالى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} القسط هو العدل، فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده، وبالوحدانية في عدله، والتوحيد والعدل: هما جماع صفات الكمال؛ فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال، والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه، والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب، وموافقة الحكمة.
والمقصود: أن قوله تعالى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} هو كقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] » 60.
وقال محمد رشيد رضا: «أما قوله تعالى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} فمعناه: أنه تعالى شهد هذه الشهادة قائمًا بالقسط، وهو العدل في الدين والشريعة، وفي الكون والطبيعة.
فمن الأول: تقرير العدل في الاعتقاد، كالتوحيد الذي هو وسطٌ بين التعطيل والشرك، ومن الثاني: جعل سنن الخليقة في الأكوان والإنسان الدالة على حقية الاعتقاد قائمةً على أساس العدل، فمن نظر في هذه السنن ونظامها الدقيق يتجلى له عدل الله العام، فالقيام بالقسط على هذا من قبيل التنبيه إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الأنفس والآفاق؛ لأن وحدة النظام في هذا العدل تدل على وحدة واضعه.
وهذا مما يفند تفسير بعضهم للشهادة بأنها عبارةٌ عن خلق ما يدل على الوحدانية من الآيات الكونية والنفسية، كذلك كانت أحكامه تعالى في العبادات والآداب والأعمال مبينةً على أساس العدل بين القوى الروحية والبدنية وبين الناس بعضهم مع بعضٍ؛ فقد أمر بذكره وشكره في الصلاة وغير الصلاة؛ لترقية الروح وتزكيته، وأباح الطيبات والزينة؛ لحفظ البدن وتربيته، ونهى عن الغلو في الدين والإسراف في الدنيا وذلك عين العدل، فهذا هو القسط في العبادات والأعمال الدنيوية.
وأما القسط في الآداب والأخلاق فهو صريحٌ في القرآن كصراحة الأمر بالعدل في الأحكام.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] .
وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] .
وإذ قد تجلى لك صدق الشهادة؛ فعليك أن تقر بها قائلًا: لا إله إلا هو العزيز الحكيم، تفرد بالألوهية، وكمال العزة والحكمة، فلا يغلبه أحدٌ على ما قام به من سنن القسط، ولا يخرج شيءٌ منها عن مقتضى الحكمة البالغة» 61.
وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] .
قال الشوكاني: «بالحق: هو العدل» 62.
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19] .
وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور: 25] .
عن سعيد بن جبيرٍ: « {يَوْمَئِذٍ} في الآخرة {يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} حسابهم العدل لا يظلمهم {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} يعني: العدل المبين» 63.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [لقمان: 30] .
وقوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26] .
وقوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69] .
وغير ذلك من عموم الآيات التي فيها وصف الله عز وجل، أو خلق السموات والأرض، أو إنزال الكتاب بالحق، الذي معناه العدل.
ومما نفاه الله عن نفسه مما يقتضي نقصًا في حقه -تبارك وتعالى- الظلم المنافي لكمال عدله، وذلك في آيات عديدة، ومنها:
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] .
وقوله تعالى: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .
وقوله تعالى: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التوبة: 70] .
وغير ذلك كثير جدًا من الآيات الكريمات التي ينفي الله فيه صفة من أنقص الصفات وأشنعها، ألا وهي الظلم الذي هو: «وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه» 64.
وقال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ} العدل وهو القسط، وجعل القسط -وهو موحد- من نعت الموازين، وهو جمع؛ لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر.
وقوله: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} يقول: فلا يظلم الله نفسًا ممن ورد عليه منهم شيئًا؛ بأن يعاقبه بذنب لم يعمله، أو يبخسه ثواب عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئًا إلا بإساءته» 65.
وقال الزجاج: « {الْقِسْطَ} العدل، المعنى: ونضع الموازين ذوات القسط، وقسط مثل عدل، مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط» 66.
وقال الفراء: «وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} القسط من صفة الموازين، وإن كان موحدًا، وهو بمنزلة قولك للقوم: أنتم رضًا وعدلٌ، وكذلك الحق إذا كان من صفة واحدٍ أو اثنين أو أكثر من ذلك كان واحدًا» 67.
وقال البغوي: « {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} أي: ذوات القسط، والقسط: العدل ليوم القيامة {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} أي: لا ينقص من ثواب حسناتها، ولا يزاد على سيئاتها» 68.
وقال ابن عطية: «لما توعدهم بنفحة من عذاب الدنيا؛ عقب ذلك بتوعده بوضع الموازين، وإنما جمعها -وهو ميزان واحد- من حيث لكل أحد وزن يخصه، ووحد القسط وهو جاء بلفظ الموازين مجموعًا، من حيث القسط مصدر وصف به، كما تقول: قوم عدل ورضا» 69.
وقال القرطبي: « {الْمَوَازِينَ} جمع ميزانٍ، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلفٍ ميزانًا توزن به أعماله؛ فتوضع الحسنات في كفةٍ، والسيئات في كفةٍ، وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزانٍ منها صنفٌ من أعماله، كما قال 70:
ملكٌ تقوم الحادثات لعدله
فلكل حادثةٍ لها ميزان
ويمكن أن يكون ميزانًا واحدًا عبر عنه بلفظ الجمع.
و {الْقِسْطَ} العدل، أي: ليس فيها بخسٌ ولا ظلمٌ، كما يكون في وزن الدنيا.
و {الْقِسْطَ} صفة الموازين، ووحد لأنه مصدرٌ، يقال: ميزان قسطٍ، وميزانان قسطٌ، وموازين قسطٌ، مثل رجالٌ عدلٌ ورضًا» 71.
وقال البيضاوي: « {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} العدل، توزن بها صحائف الأعمال، وقيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به للمبالغة» 72.
وقال السعدي: «يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة التي يبين فيها مثاقيل الذر الذي توزن بها الحسنات والسيئات» 73.
وقال الشنقيطي: «ذكر -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فتوزن أعمالهم وزنًا في غاية العدالة والإنصاف، فلا يظلم الله أحدًا شيئًا، وأن عمله من الخير والشر -وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبةٍ من خردلٍ-؛ فإن الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيءٌ، وكفى به -جل وعلا- حاسبًا؛ لإحاطة علمه بكل شيءٍ.
وقوله في هذه الآية: {الْقِسْطَ} أي: العدل، وهو مصدرٌ وصف به؛ ولذا لزم إفراده، كما قال في الخلاصة 74:
ونعتوا بمصدرٍ كثيرًا
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
كما قدمناه مرارًا، ومعلومٌ أن النعت بالمصدر، يقول فيه بعض العلماء: إنه المبالغة، وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة الموازين حتى سماها القسط الذي هو العدل، وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات القسط» 75.
وترك الأخذ على يدي الظالم آذنٌ بعقوبة الجميع، فعن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: (أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] .
وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) 76.
ولما كان كثير من الظلمة لا يباشر الظلم بنفسه، بل يتخذ أعوانًا يعينونه ويسهلونه عليه، ولا يعلمون أنهم في الإثم سواء، نهانا سبحانه عن مساعدة الظالم، فقال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] .
جاء في غير موطن من الكتاب العزيز إعلان الحب الإلهي بكل وضوح للمقسطين، أهل العدل والإنصاف، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42 - الحجرات: 9 - الممتحنة: 8] .
وأثنى سبحانه على أهل العدل، فقال: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى} يعني: بني إسرائيل {أُمَّةٌ} يقول: جماعة {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} يقول: يهتدون بالحق، أي: يستقيمون عليه ويعملون {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي: وبالحق يعطون ويأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا يجورون» 77.
وقال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: ومن الخلق الذين خلقنا {أُمَّةٌ} يعني: جماعة {يَهْدُونَ} يقول: يهتدون بالحق، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} يقول: وبالحق يقضون، وينصفون الناس» 78.
وقال محمد رشيد رضا: «الأصل السابع 79: هداية الناس بالحق والعدل به، وقد وصف الله تعالى بذلك خيار قوم موسى عليه السلام في آية (159) وخيار أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم في الآية (181) فهذا من أصول دين الله العامة في جميع شرائعه، والحق هو الأمر الثابت المتحقق في الشرع إن كان شرعيًا، وفي الواقع ونفس الأمر إن كان أمرًا وجوديًا، والعدل ما تحري به الحق من غير ميلٍ إلى طرفٍ من الطرفين أو الأطراف المتنازعة فيه أو المتعلقة به، ويدخل في هذا الأصل الدعوة إلى الحق والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتضحية العامة والخاصة، والإصلاح بين الناس» 80.
ووصف المولى سبحانه وتعالى من يمتنع عن الظلم والبغي بالإيمان والعمل الصالح، وأن إيمانهم هو الذي يمنعهم من هذا السلوك المستشري بين معظم الشركاء، فقال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] .
قال نظام الدين النيسابوري: «إن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين، وإنهم لقليل. و {مَا} في قوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم» 81.
وقال الجصاص: «قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وهو يعني الشركاء يدل على أن العادة في أكثر الشركاء الظلم والبغي، ويدل عليه أيضًا قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} » 82.
وقال الألوسي: «إن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعضٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات إشارة إلى أن النفوس مجبولة على الظلم وسائر الصفات الذميمة، وإلى أن الذين تزكت أنفسهم قليل جدًا بالنسبة إلى الآخرين» 83.
وقال السعدي: «هذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم، فقال: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ؛ لأن الظلم من صفة النفوس {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يمنعهم من الظلم، {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] » 84.
خامسًا: بيان عاقبة أهل العدل:
ما أجمل العاقبة الحميدة لأهل العدل! إذ بين المولى إكرامهم وإعزازهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا لهم التمكين وميراث الكتاب، فقال الله عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] .
هذه الآية نص على توريث واصطفاء من فيه نوع ظلم، فمن باب أولى أهل العدل والإحسان، وكما هو مفهوم من جزأي الآية الآخرين.
قال الكرجي القصاب: «بشارة كبيرة لهذه الأمة؛ إذ قد وعدوا على اختلاف أحوالهم من الظلم والقصد والمسابقة معًا بالجنة» 85.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] . فالوسط: العدل 86.
قال سيد قطب: «إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم» 87.