فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 2431

فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها: فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت؛ أتسبين رجلًا شهد بدرًا! فقالت: يا هنتاه؛ ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية؛ هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبت الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم؛ فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله؛ لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة؛ فقال: يا بريرة هل رأيت شيئًا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد ابن عبادة وهو سيد الخزرج -وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية- فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير؛ فقال: كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالقٌ كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد، ثم قال: (يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بشيءٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه) .

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة -والله يعلم إني لبريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني بريئة- لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ? وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18] .

ثم تحولت إلى فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله، فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومٍ شاتٍ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: (يا عائشة، احمدي الله فقد برأك الله) فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) [النور:11] .

الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) إلى قوله (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:22] .

فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: (يا زينب ما علمت ما رأيت؟) فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع) 116

وقد ذكرت حادثة الإفك في القرآن الكريم، في حديث مستفاضٍ عنها وعن براءة السيدة عائشة رضي الله عنها وبراءة الصحابي الجليل صفوان بن المعطل رضي الله عنه، وعن الوعيد والتهديد لمن خاض في الأمر، وعن تحذير المؤمنين من الانجراف إلى مثل هذه الأمور، ثم إلى الحديث عن موقف الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح، وحثه على الإنفاق عليه، ثم تعود الآيات لذكر الأدلة على براءة السيدة عائشة رضي الله عنها، ويمكن إيجاز الحديث القرآني في النقاط التالية:

ثالثًا: قصة التخيير بين متاع الدنيا والآخرة:

وهي من القصص ذات الأثر الكبير على البيت النبوي الشريف.

ذكرها الله تعالى في سورة الأحزاب في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ?28?وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ?29?) [الأحزاب:28 - 29] .

«لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزًا عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا. ولكن ذلك كان اختيارًا للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف ويستعلي ويختار .. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلفًا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات محرمةً في عقيدته وشريعته؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوًا بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقًا، لا جريًا وراءها ولا تشهيًا لها، ولا انغماسًا فيها ولا انشغالًا بها .. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ والمتاع؛ وانطلاقًا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها، ولكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن نساءً من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن» 135.

ولما فتحت البلدان، ووجدن سعة سبل سألنه في عرض الدنيا ومتاعها أشياء، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن بعضًا، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى -أي حلف- لا يقربهن شهرًا 136 فعن جابر بن عبدالله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) حتى بلغ (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة؛ إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك؛ قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نساءك بالذي قلت. قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها؛ إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا) 137.

وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: (إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك) قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله جل ثناؤه قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) إلى (لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت) 138.

والأمر في قوله: (قل) للوجوب ووجوب التخيير خاص به صلى الله عليه وسلم، ولا يجب ذلك على غيره 139.

«وكان تحته يومئذٍ تسع نسوةٍ: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وسودة، وزينب بنت جحشٍ، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حييٍ» 140.

ومعنى (إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) «التوسعة في الدنيا وكثرة الأموال والحلل، (فَتَعَالَيْنَ) أقبلن بإرادتكن واختياركن. (أُمَتِّعْكُنَّ) أعطكن متعة الطلاق» 141. «والتمتيع: أن يعطي الزوج امرأته حين يطلقها عطية جبرًا لخاطرها لما يعرض لها من الانكسار» 142 (وَأُسَرِّحْكُنَّ) أطلقكن (سَرَاحًا جَمِيلًا) لا ضرر فيه» 143.

ولما خيرهن صلى الله عليه وسلم «فآثرن الله ورسوله والدار الآخرة. وعشن مع النبي صلى الله عليه وسلم معينات على الحق، راغبات في الثواب. وبهذا التفاني في خدمة الرسالة، والإهمال لمطالب النفس، رفع الله درجاتهن، فلم يصبحن زوجات رجل يطلبن في ظله المتاع. بل صرن شريكات في حياة فاضلة غالية، واستحققن قول الله عز وجل: (النَّبِيُّ أَوْلَى? بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ? وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ?) [الأحزاب:6] » 144.

وهذا التخيير كان سنة تسع 145، وبدأ بعائشة رضي الله عنها على غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم لفضلها 146.

وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه على قولين:

الأول: أنه خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت