فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 2431

التدرج

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الدّال والرّاء والجيم أصلٌ واحدٌ، يدلّ على مضيّ الشّيء، والمضيّ في الشّيء» 1، وعليه فلفظ (درج) دال على المشي والمضي.

وأما (درّج) بالتشديد فتشير هذه المادة في معاجم اللغة إلى الترقي شيئًا فشيئًا، وصولًا إلى غاية محددة، ومنه يقال -كما في لسان العرب-: «درّجت العليل تدريجًا إذا أطعمته شيئًا قليلًا؛ وذلك إذا نقه حتى يتدرج إلى غاية أكله، كما كان قبل العلة درجة درجة» 2.

فعلى هذا يكون لفظ (درّج) دالًّا على التأني في تناول الشيء أو بلوغه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معنى التدرج في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فجماع دلالات التدرج: أنه أخذ الأمر شيئًا فشيئًا، لا دفعة واحدة.

أو: هو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى أعلى منها، وأرفع في الحس، أو في المعنى، أو في كليهما، وفى ضوء هذا المعنى قيل لمنازل الجنة: درجات من جهة أن بعضها يرتفع فوق بعض أخذًا من الدرجة التي تعني الرفعة والمنزلة.

والتدرج في الدين يعني: الدخول فيه شيئًا فشيئًا، رويدًا رويدًا، واستدراج الناس إليه درجة درجة.

وقد عرّف الدكتور الزحيلي التدرج بقوله: «التدرج في التشريع: هو نزول الأحكام الشرعية على المسلمين شيئًا فشيئًا، طوال فترة البعثة النبوية، حتى انتهى بتمام الشريعة، وكمال الإسلام» 3.

والتدرج لا يقتصر على مجال التشريع ونزول الأحكام فقط، بل يشمل تطبيق الأحكام بعد اكتمال التشريع، فعندما نطلق كلمة التدرج التشريعي إنما نقصد بها المعنيين:

-في مجال التشريع ونزول الأحكام (التدرج في النزول) .

-وفي مجال تطبيق الأحكام بعد اكتمال التشريع (التدرج في التنفيذ) .

-لم يرد لفظ (التدرج) في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ قريبٌ منه، وهو لفظ (الاستدراج) .

وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين، وهي:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) } [الأعراف:182] .

وقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) } [القلم:44] .

ومعناه: نأخذهم درجة فدرجة؛ وذلك إدناؤهم من الشيء شيئًا فشيئًا، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها 4.

وهو قريب من معنى التدرج، الذي هو اقترابٌ من الهدف شيئًا فشيئًا 5.

-الترقي:

الترقي لغة:

ترقّى في العلم وغيره، أي: رقّي درجة درجة 6.

الترقي اصطلاحًا:

التنقل في الأحوال والمقامات والمعارف 7.

الصلة بين التدرج والترقي:

أن بينهما تشابهًا كبيرًا؛ إذ إن في كليهما تنقل من حال إلى حال، ومن منزلة إلى أخرى.

الاستعجال:

الاستعجال لغة:

فهو طلب الأمر قبل مجيئه، وتحريه قبل أوانه 8.

واستعجله، أي: حثّه وطلب عجلته، قال الله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] .

الاستعجال اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة الاستعجال والتدرج:

أن الاستعجال نقيض التدرج؛ إذ التدرج الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والاستعجال عكسه، وهو طلب الأمر قبل أوانه.

-التدرج في الأمور من سنن الله تعالى، ومن سنن رسله -عليهم الصلاة والسلام-، واستعماله دليل على عمق فقه الرجل لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم واضح الدلالة على شرعية التدرج، سواء في طريقة نزوله، أو في تشريعه للأحكام، أو في دعوته، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه الأنواع.

وفي المقابل فإن الاستعجال آفة عظيمة، توقع المرء في الزلل، وتورده في الخطل، وقد ورد النهي عنها في غير موضع في القرآن، فقد وردت هذه اللفظة (الاستعجال) ومشتقاتها (عجل، وتعجل، وعجّل، وعجّل، وعجّلنا، وأعجل، وأعجلك، وعجلت، واستعجل، ويستعجل، ويستعجلون، وتستعجلون، ويستعجلونك، واستعجالهم، وتستعجلوه، واستعجلتم) في القرآن الكريم في زهاء أربع وثلاثين مرة (34) وكانت بمعنى الذم في الغالب، أو صفة للكافرين والمنافقين، كما في قوله تعالى: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54] .

وقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [الرعد: 6] .

وقوله تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الشعراء: 204] .

وقوله جل شأنه: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] .

وقوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37] .

وغيرها من الآيات التي جاءت كلها في النهي عن الاستعجال، والأمر بترك العجلة؛ والتي غالبًا ما توقع في العثرة والزلل، والمقصود أن سياق اللوم والتوبيخ، والأمر بترك العجلة كان ينتظم الاستعمال القرآني لهذه اللفظة.

بل قد جاء النهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجال أمر محبوب في الظاهر، وهو الاستعجال في القرآن، في قوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114] .

وقوله: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] .

والمقصود أن العجلة تنافي التدرج الذي هو سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، وقانون من القوانين الكونية التي لا تبديل لها ولا تحويل، وهو سنة من سنن الخلق الإلهي للكون والعالم بسماواته وأراضيه، وهذه السنة الربانية يجب مراعاتها والأخذ بها في التربية والتعليم والدعوة وغيرها من الأمور.

-تحدث القرآن الكريم عن سنة الله في التدرج وعرضها في صور منها: الخلق والتشريع، وسوف نبين ذلك فيما يأتي:

أولًا: التدرج في الخلق:

خلق الله تعالى السماوات والأرض في ستة أيام -وهو قادر على خلقهن بكن فتكون- لحكم عالية أرادها الله تعالى منها: تعليم عباده الأناة والتدرج في إيجاد الأشياء شيئًا فشيئًا.

قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] .

وقال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 9 - 12] .

قال ابن عاشور: «وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون خلق السماوات والأرض مدرجًا، وأن لا يكون دفعة؛ لأنه جعل العوالم متولدًا بعضها من بعض؛ لتكون أتقن صنعًا مما لو خلقت دفعة؛ وليكون هذا الخلق مظهرًا لصفتي علم الله تعالى وقدرته، فالقدرة صالحة لخلقها دفعة، لكن العلم والحكمة اقتضيا هذا التدرج، وكانت تلك المدة أقل زمن يحصل فيه المراد من التولد بعظيم القدرة؛ ولعل تكرر ذكر هذه الأيام في آيات كثيرة لقصد التنبيه إلى هذه النكتة البديعة من كونها مظهر سعة العلم، وسعة القدرة» 9.

وكذلك خلق الله تعالى الإنسان في أطوار مختلفة، وهو قادر سبحانه أن يخلقه دفعة واحدة، فخلقه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، فخلق المضغة عظامًا، فكسا العظام لحمًا.

قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] .

ثم إن هذا الخلق الذي يبتديء بخلق النطفة إلى أن يصير بشرًا سويًّا، يتم في ظلمات ثلاث، كما أشارت إليه الآية في قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] .

والمراد بالظلمات الثلاث هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة 10، ففي تلك الظلمات الثلاث يتم ذلك الخلق العجيب، فعلى الإنسان أن يتصور نفسه وهو في تلك الظلمات الثلاث: لا عين تراه، ولا يد تلمسه، ولا حيلة له في التماس الغذاء.

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .

أي: إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار متفاوتة من الخلق حالًا بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم كوّن عظامه، ثم كسا العظام لحمًا، ونفخ فيه الروح، ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا، واهن القوى، فقوله: {مِنْ ضَعْفٍ} أي: ابتدأه ضعيفًا، ثم يشبّ قليلًا قليلًا، فيكون صغيرًا، ثم شابًّا بالغًا، وهذا دور القوة بعد الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة، إلى الهرم والشيخوخة، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.

هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة الإلهية الخالقة، وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى كما كانت؛ لأن من كانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته 11.

قال ابن القيم: «فأعد الآن النظر فيك وفي نفسك مرة ثانية من الذي دبّرك بألطف تدبير، وأنت جنين في بطن أمك في موضع لا يد تنالك، ولا بصر يدركك، ولا حيلة لك في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليك من دم الأم ما يغذوك، كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لبنًا، ولم يزل يغذّيك به في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب حتى إذا كمل خلقك واستحكم، وقوي أديمك على مباشرة الهواء، وبصرك على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، والتغلب على الغبراء، هاج الطلق من أمك، فأزعجك إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء» 12.

فابن القيم رحمة الله عليه وضّح لنا وجه الدلالة من التدرج في خلق الإنسان على أن هناك مدبرًا حكيمًا قادرًا عليمًا وراء هذا الكون، وما فيه من المخلوقات، دبّره فأحسن تدبيره، فسبحانه من إله حكيم أحكم خلقه، وقدره تقديرًا.

وهذه المراحل إنما سيقت؛ لتبيّن لنا كيف خلق الإنسان؟ وكيف نما؟ وكيف تحوّل بحكم المراحل المتعاقبة إلى كائن حيواني؟ ثم كيف انتقل إلى ذلك الإنسان العاقل المدرك الواعي؟ عنده من المؤهلات والاستعدادات ما يجعله يتبوأ عمارة هذه الأرض، ومسئولية بنائها.

ولتبيّن أن ذاك التعريف بخلق الإنسان إنما جاء دليلًا على قدرة الله وعلمه وحكمته، وعندئذٍ يكون التعريف بتلك المراحل إنما هو تعريف بالله وبصفاته اعتمادًا على التعريف بأحد مخلوقاته المعتبرة اعتبارًا أوليًّا 13.

وكذا قال في الظل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان 45 - 46] .

فقد جعل مدّ الظل وقبضه تمثيلًا لحكمة التدريج في التكوينات الإلهية، والعدول بها عن الطفرة في الإيجاد؛ ليكون هذا التمثيل بمنزلة كبرى القياس للتدليل على أن تنزيل القرآن منجّمًا جارٍ على حكمة التدرج؛ لأنه أمكن في حصول المقصود؛ وذلك ما دل عليه قوله سابقًا: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] .

فكان في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] ، زيادة في التعليل على ما في قوله: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان: 32] 14.

وانظر كذلك للقمر وهو يبدو صغيرًا، ثم يكبر رويدًا حتى يكمل، ثم يعود إلى النقص، وهو يشبه الإنسان؛ حيث إنه يخلق من ضعف، ثم لا يزال يترقى من قوة إلى قوة، حتى يعود إلى الضعف مرة أخرى، فتبارك الله أحسن الخالقين، قال -تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] .

ومع هذه السنة في الخلق -وهي سنة التدرج- إلا أن الإنسان يتجاهل هذا التدرج، فيبذر البذرة اليوم ويريد النتيجة غدًا، ويعمل العمل اليوم ويريد النتيجة غدًا، وسنة الله عز وجل في الخلق والحياة على الترتيب والتدرج.

فالليل لا يفجؤك بسواده، والنهار لا يفجؤك بضوئه؛ وذلك لأن الله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [الحديد: 6] تدريجيًّا.

والإنسان لا يولد من بطن أمه فتنبت لحيته، ويكتمل عقله، ويتكلم على المنبر، بل يولد رضيعًا، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم كهلًا، ثم شيخًا هرمًا، حتى يصل إلى الله، هذه سنة الله.

فهذا التدرج في الخلق لحكمة أرادها الله سبحانه، وإلا فهو قادر على خلق الخلق كلهم في أسرع من لمح البصر؛ لأنه أخبر أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.

ثانيًا: التدرج في التشريع:

من خصائص التشريع الإسلامي ومزاياه أنه لم يوجب على المسلمين الشرائع دفعة واحدة، ولكن تدرّج بهم، وأوجبها عليهم مرة بعد مرة، وتدرّج بهم من الأخف إلى الأثقل؛ تكريمًا لهذه الأمة، ورحمة بها، وقد جاء فرض الصلاة والصيام وتحريم الخمر والربا وغيرها على هذا النحو.

ويمكن القول: أن التدرج في التشريع سار وفق طريقين:

الطريق الأولى: التدرج بين الفرائض فيما بينها:

فتدرّج الشارع في فرض العبادات عمومًا، يشرع للناس عبادة، ثم يوجب عليهم أخرى، ثم يفرض عليهم ثالثة، ثم يختم لهم برابعة، وهكذا، ولم تفرض كلها في وقت واحد.

فالصلاة فرضت في السنة العاشرة من البعثة، أي: قبل الهجرة، والصوم شرع بعد ذلك بخمس سنوات، في العام الثاني من الهجرة، والزكاة في السنة الثانية من الهجرة عقب الصوم، والحج بعدهما، في السنة الخامسة أو السادسة أو الثامنة أو التاسعة، على خلاف في ذلك 15.

فسنة الله في التشريع كسنته في التكوين، يرى المتأمل فيها من الحكم البالغة ما يبهر النظر؛ فإنه سبحانه بدأ في إنزال أوضاع الشريعة بالضروري الذي لا تصلح الأمة بدونه، ولا تخرج من ظلمة الجاهلية بغيره؛ فشرع لها بمكة ما يكفل ذلك، ثم لما صلب عودها، وبلغت أشدّها، واستعدت العقول لما يكمل ذلك من الأوضاع الشرعية شرع لها بالمدينة ما أكمل به الدين، وأتم به النعمة، ولولا ذلك التدرج لنأت الأمة بالتكاليف، وشرد عن قبولها كثير؛ فلله الحمد والمنة.

الطريق الثاني: التدرج في فرض كل عبادة:

وكذلك تدرج الشارع في فرض كل عبادة على حدة؛ حتى تكتمل كل عبادة بأركانها، وشروطها، وهيئاتها، وأعدادها، فيقيم في كل مرحلة ركنًا، أو يحدّد عدد الفريضة، أو يوضّح شرطًا من شروط صحتها، وهكذا.

والحكمة من ذلك أن الشارع الحكيم يراعي مصالح عباده، فلو أنزل الأحكام باتّةً على الوجه الذي تستقر عليه، دون تدرج ومرور بتلك المراحل، لكان ذلك أدعى لعدم الاستجابة، فكان من لطفه وحكمته أن ينزل الأحكام متدرجة على ما ذكرنا، وهذا النوع من التدرج -في التشريع- يتناول:

1.التدرج في تحريم ما كان مألوفًا عندهم على مراحل.

فحينما يكون الحكم متعلقًا بتحريم عادة متأصلة في النفوس فإن الشريعة حينئذٍ لا تفاجيء الناس بتحريم هذا الأمر مرة واحدة، بل تتدرج بهم على مراحل، في رفق وأناة، وفي تدرج، ففي الخمر بيّن الله أن في الخمر والميسر منافع ومضار، وإثمهما أكبر من نفعهما، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] .

ثم حرّم السّكر عند الصلاة في هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

ثم لما صارت حالة الإسلام والمسلمين تتحمل ذلك حرم الخمر تحريمًا قطعيًّا في المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

وفي تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة؛ وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر، وأصبحت جزءًا من حياتهم، فلو حرّمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم، فإنه من الصعب جدًّا أن يتركوا شرابًا طالما عاقروه، وشبوا عليه وشابوا.

يقول صاحب المنار: «والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج: أن الناس كانوا مفتونين بها حتى إنها لو حرّمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفًا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به؛ لأنهم حينئذٍ ينظرون إليه بعين السخط، فيرونه بغير صورته الجميلة، فكان من لطف الله، وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد؛ ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه» 16.

ومما يدل على أن القوم كانوا متعلقين بها، ما روي عن الأعشى أنه لما توجه إلى المدينة؛ ليسلم لقيه بعض المشركين في الطريق، فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصلاة، فقال: إن خدمة الرب واجبة، فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء، فقال: اصطناع المعروف واجب، فقيل له: إنه ينهى عن الزنا، فقال: هو فحش وقبيح في العقل، وقد صرت شيخًا فلا أحتاج إليه، فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر، فقال: أما هذا فإني لا أصبر عليه، فرجع وقال: أشرب الخمر سنة، ثم أرجع إليه، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير، فانكسرت عنقه، فمات 17.

2.التدرج من الخفيف من الأحكام إلى الثقيل، إلى ما هو أثقل منه.

ومن أمثلة ذلك: الصيام، فالشارع لما أراد أن يفرض على المسلمين صيام شهر رمضان لم يفرضه عليهم دفعة واحدة، بل تدرج في إيجابه والإلزام به على مرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي فرض الله فيها الصوم على الأمة مع التخيير بين الصيام أو الإفطار مع الفدية، بدليل قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184] .

فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم، وهو يطيقه على قول الجمهور 18.

وروي عن قتادة وعطاء ومعاذ بن جبل رضي الله عنه أن فرض الصيام كان أول الأمر ثلاثة أيام من كل شهر مع التخيير بين الصوم والفدية 19.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة الإلزام والتحتيم، وإكمال الفرض والإيجاب بصوم شهر رمضان؛ وذلك بنزول قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت