فهرس الكتاب

الصفحة 519 من 2431

يقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور، وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغيًا عليه وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين ... وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن 41.

فما كان هناك مبرر ليحنق الأخ على أخيه، وليجيش خاطر القتل في نفسه! فخاطر القتل هو أبعد ما يرد على النفس المستقيمة في هذا المجال ... مجال العبادة والتقرب 42.

والأصل أنه لا يجوز الإتيان بشيء يضر بحقوق الأخ القريب أو البعيد.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند 43.

ثالثًا: الأخوة من الرضاعة:

كما أن الأخوة من النسب، فهي كذلك من الرضاع ولها الحكم ذاته، والذي ذكره الله عز وجل بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء:23] .

فقوله: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وهي الأخت لأب وأم، التي أرضعتها أمك بلبان أبيك؛ سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك، والأخت من الأب دون الأم، التي أرضعتها زوجة أبيك، والأخت من الأم دون الأب، التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر ... وهما محرمتان بالقرآن، ولم يذكر من المحرم بالرضاعة في القرآن سواهما، والأم أصل والأخت فرع؛ فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع 44.

والأبناء ثلاثة: ابن نسب، وابن رضاع، وابن تبن.

فأما ابن النسب فمعلوم، ومعلوم حكمه.

وأما ابن الرضاع فيجري مجرى الابن في جملة من الأحكام معظمها التحريم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» ، و ابن التبني كان في صدر الإسلام ثم نسخ 45.

فنص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أمًا والمرضعة أختًا؛ فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعًا:

-اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة وهما الأمهات والبنات.

-خمس منها بطريق الأخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

ثم إنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدةً تنبيهًا بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات ومن قسم قرابة الأخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» 46 فصار صريح الحديث مطابقًا لمفهوم الآية وهذا بيان لطيف 47.

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء:23] .

فكل أقارب الأم المرضع أقارب للرضيع، فالمرضعة تصبح أمًا للرضيع، وبنتها أخته، وزوجها أبوه، وأولادها إخوته 48.

قلت: وكذلك ما تفرع عنهن أو تفرع عنه، فانظر لجلال الله وجمال شريعته.

وأثبت تعالى الأخوة بين بنات المرضعة وبين المرضع والحرمة بينهما مطلقًا من غير فصل بين أخت وأخت، وكذا بنات بناتها وبنات أبنائها وإن سفلن؛ لأنهن بنات أخ المرضع وأخته من الرضاعة، وهن يحرمن من النسب كذا من الرضاعة، ولو أرضعت امرأة صغيرين من أولاد الأجانب صارا أخوين لكونهما من أولاد المرضعة فلا يجوز المناكحة بينهما إذا كان أحدهما أنثى، والأصل في ذلك أن كل اثنين اجتمعا على ثدي واحد صارا أخوين أو أختين أو أخًا وأختًا من الرضاعة 49.

والمرضوع يصبح ولدًا لزوج المرضعة، فلو عنده أولاد من زوجة أخرى أصبح المرضوع أخًا لهم؛ فيجري بينهم ما للرضاع من أحكام.

والأصل في هذا ما ذكره ابن كثير بقوله: ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.

قال الترمذي 50: «باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين» : حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام» ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا 51.

وعددها: خمس رضعات عن أكثر أهل العلم، وفيه أقوال في كتب الفقه.

ورضاع الكبير: منسوخ عند فقهاء الأمصار 52.

فتكون الأخوة من الرضاع: ما كانت في الحولين الأولى من الحياة، وبلغ عددها خمسًا فأكثر، ولا اعتبار برضاع الكبير؛ لأن الحكم فيه منسوخ.

رابعًا: الأخوة في الأوطان والعشيرة:

جاء ذكر الأخوة في القرآن الكريم بمعنى أخوة الأوطان والديار، وهي من حقوق الجوار كذلك التي نبه عليها الإسلام، وجعلها حقًا من حقوق الأخوة.

فهم إخوة قوم أو عشيرة ديارهم واحدة ومساكنهم متقاربة، ومنه قول قريط 53:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

ويمكن تقسيمها كالتالي:

1.أخوة الأوطان:

وفي القرآن الكريم وردت بهذا المعنى آيات قليلة وإن كانت في حق الأنبياء.

فمن ذلك قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) } [الشعراء:161] .

وجعل لوط أخًا لقومه ولم يكن من نسبهم وإنما كان نزيلًا فيهم، إذ كان قوم لوط من أهل فلسطين من الكنعانيين، وكان لوط عبرانيًا وهو ابن أخي إبراهيم ولكنه لما استوطن بلادهم وعاش فيهم وحالفهم وظاهرهم جعل أخًا لهم 54.

ولذا قال الله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) } [ق:12 - 13] .

ومن ذلك ما ذكره الله عن هود عليه السلام: فقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) } [الأعراف:65] .

أخاهم بمعنى: واحدًا منهم كما يقولون: (يا أخا العرب) وإنما أرسل منهم؛ لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله، وأرغب في اقتفائه 55.

وكذلك قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) } [هود:50] .

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) } [الشعراء:124] .

أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا، قال ابن عباس: أي: ابن أبيهم،-وتقدم أنه ليس كذلك- وقيل: أخاهم في القبيلة، وقيل: أي: بشرًا من بني أبيهم آدم، وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودًا صاحبهم 56.

وسماه أخًا تنبيهًا على إشفاقه عليهم شفقة الأخ على أخيه، وعلى هذا قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ} [الأعراف:73] .

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ} [الأعراف:65] .

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ} [الأعراف: 85] 57.

فأخوة الأوطان تحمل الأخ على العيش مع إخوانه في ديارهم، وتقديم الخير لهم، ورفع الضر عنهم، والتعاون معهم، ودفع الصائل عنهم، فله ما لهم وعليه ما عليهم، وهذا ما نبه عليه الإسلام في اهتمامه الأعظم بحقوق الجار خاصة إن كانوا مسلمين أقرباء.

2.أخوة العشيرة:

وأخوة العشيرة 58 هي أخوة نسب لكنها ليست الأخوة المعتادة، فتكون بين الأشقاء أو غير الأشقاء أو بين الرضعاء، أو أبناءهم مجتمعين في عشيرة واحدة.

والعشيرة تنقسم فيها فخوذ الناس على مراتب النسب، وتكون نسبتها لأب مشهور من نسل والد قديم أشهر منه، وتطلق على قوم تعاشروا في ظروف معينة وكانت بينهم أمور تجمعهم.

وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه 59، فلما دعاهم دعا عشيرته الذي ينتمي وإياهم إلى جد واحد، فخص الأقربين؛ لأن الاهتمام بشأنهم أولى، وهدايتهم إلى الحق أقوم 60.

ويمكن الاعتماد في هذا الجزء على البيان المتقدم في أخوة النسب.

أولًا: الميراث:

من أعظم ما جاء به الإسلام قضية الميراث، بل وصل من حب الأخوة المؤمنين في بداية الإسلام أن يرث الأخ في الله أخاه، خاصة الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ثم نسخ ذلك.

ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقًا مع الابن أو ابن الابن أو الأب وفي ميراثهم مع الجد خلاف، ويورثون مع البنات إلا الإخوة لأم ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين 61.

وفي بيان ذلك يقول الله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) } [النساء:12] .

يعني بقوله جل ثناؤه: «وله أخ أو أخت» ، وللرجل الذي يورث كلالة أخ أو أخت، يعني: أخًا أو أختًا من أمه 62.

وقوله تعالى: وله أخ أو أخت أي: من أم كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكذا فسرها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه قتادة عنه فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث 63.

وميراث الأخوة له تفاصيل مرتبة عند الفقهاء وعلماء الفرائض.

فلم يجز أن يقطع على مراد الله تعالى إلا بالإجماع المتيقن الثابت إذا لم نجد نصًا مفسرًا؛ فوجب بهذا أن لا يرث الإخوة كيف كانوا، إلا حيث يعدم كل من ذكرنا، إلا أن يوجب ميراث بعضهم نص صحيح فيوقف عنده، وليس ذلك إلا في موضعين فقط: وهو الأخ الشقيق، أو للأب مع الابنة فصاعدًا، وأخت مثله معه فصاعدًا، ما لم يستوف البنات الثلثين، والموضع الثاني: الأخت كذلك مع البنت، أو البنات حيث لا عاصب للميت فقط وبالله تعالى التوفيق 64.

وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم، وميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب مذكور في قوله عز وجل: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء:176] .

فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين، وإذا استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن، وإن كان الإخوة رجالًا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين 65.

وللأخ ميراث من أخيه معروف عند علماء الفرائض، وذلك لقوة الصلة بين الإخوة ومراعاة الإسلام لحالها بعد وفاة أحدهما.

ثانيًا: حرمة النكاح:

حرم القرآن الكريم نكاحًا وأحل آخر -ولا يحل إلا طيبًا- لترتيب التعايش بين المؤمنين، وأهم ما حرم نكاحه بين الأخوة ما ذكره الله عز وجل بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) } [النساء:23] .

فكانت المحرمات -بالأخوة- على الأخ بلفظ الآية ما يأتي:

1.الأخوات: من أم أو أب أو منهما 66.

2.أخوات الأب والأم وهما العمة والخالة: فإن العمة والخالة بمنزلة الأم 67.

3.بنات الأخ وفروعها: شقيقًا كان أو غير شقيق.

4.بنات الأخت وفروعها: شقيقة أو غير شقيقة.

ولفظ البنات: شامل لبنات البنات وبنات بناتهن وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن 68.

1.الأخت من الرضاعة و ما تفرع عنها: وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الإخوة والأخوات 69، قلت: وكذلك من رضعت من أمها وإن سفلت.

2.الجمع بين أختين: في الوطء بنكاح أو ملك يمين من نسب أو رضاع، لما فيه من قطيعة الرحم إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه 70.

ومن أعظم وأروع دلالات الحب التي وردت في هذا الباب، حب لم يقتصر في رجال المسلمين فحسب، بل فهمته نساؤهم كذلك، حتى بذلت الأخت المسلمة لأختها في النسب أو غيره من الخير أمورًا فاقت علاقات الأمم جميعًا.

فقد ورد أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله؟ هل لك في أختي؟ قال: «فأفعل ماذا؟» قالت: فتنكحها، قال: «أختك؟» قالت: نعم، قال: «أو تحبين ذاك؟» قالت: لست بمخلية بك، وأحب من شركني في خير أختي، قال: «فإنها لا تحل لي» قالت: فوالله لقد أخبرت أنك تخطب درة - أو ذرة - (شك زهير) ، بنت أبي سلمة، قال: «بنت أم سلمة؟» قالت: نعم، قال: «أما والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن» 71.

والمحرمون -بالأخوة- على الأخت بمفهوم الآية ما يلي:

1.الأخ وأبناؤه: شقيقًا أوغير شقيق وكذلك من الرضاعة.

2.إخوة أبيها: من النسب أو الرضاع.

3.إخوة أمها: من النسب أو الرضاع.

4.كل أصل وفرع من طريق الأخ يحرم بالنسب أو الرضاع.

لقد حث القرآن الكريم على الأخوة ولم يتركها هملًا، بل شيد لها أعظم بنيان ثابت الأركان، فلن تجد فيه أمرًا أو نهيًا إلا لتكون هذه الأخوة دائمة الوصال محكمة الحبال، تجمع أحبابها لينعموا في ظل كبير يسمى «الأخوة الإسلامية» .

ثالثًا: الإصلاح بين الإخوان:

وأول الإصلاح ما هيأه الله سبحانه من إصلاح حال عباده المؤمنين بفضله وبرحمته، فإنه قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103] .

يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد 72.

وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63] .

إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضل عليهم في القسم، بما أراه الله فخطبهم فقال: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟) فكلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن 73.

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام -من الركيزة الأولى- أساسها الاعتصام بحبل الله -أي: عهده ونهجه ودينه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة! قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] .

هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا، وهو هنا يذكرهم هذه النعمة 74.

ومتى ما حصل لهذه الأخوة خلل أو خدش يخشى تفاقمه أوجب الله على جميع المؤمنين السعي بالصلح بين المؤمنين جماعات وفرادى.

فقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات:9 - 10] .

يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} يقول: فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدت ما جعل الله عدلًا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلًا بين خلقه 75.

ويقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} في الدين {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله، ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ قراء الأمصار، وذكر عن ابن سيرين أنه قرأ بين إخوانكم بالنون على مذهب الجمع، وذلك من جهة العربية صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قراء الأمصار {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه، ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته 76.

تنبيهات:

الأول: الاقتتال لا يكون إلا للميل إلى الدنيا، والركون إلى الهوى، والانجذاب إلى الجهة السفلية، والتوجه إلى المطالب الجزئية، والإصلاح إنما يكون من لزوم العدالة في النفس التي هي ظل المحبة، التي هي ظل الوحدة، فلذلك أمر المؤمنون الموحدون بالإصلاح بينهما، على تقدير بغيهما، والقتال مع الباغية على تقدير بغي إحداهما، حتى ترجع؛ لكون الباغية مضادة للحق، دافعة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت