1.قتل الأنبياء والرسل.
ذم الله تعالى اليهود بسبب ارتكابهم جرائم عدة منها قتل الأنبياء والرسل، وألبسهم سبحانه وتعالى ثوب الذلة والصغار لهذه الأفعال، وقد جاء هذا الذم في مواضع عدة منها قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران:112] .
قال الرازي: «الله تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل الذلة لازمة لهم، وثانيًا: جعل غضب الله لازمًا لهم، وثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم، ثم بين في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق» 39.
وقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:155] .
وقوله جل شأنه: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران:181] .
ومن اللطائف التي يشير إليها البيضاوي في تقييد القتل بغير حق قوله: «والتقييد بغير حق مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على أنه لم يكن حقا بحسب اعتقادهم أيضا» 40.
وقال الألوسي: «قوله: {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} إيذانًا بأنهما في العظم إخوان؛ وتنبيها على أنه ليس بأول جريمة ارتكبوها ومعصية استباحوها، وأن من أجترأ على قتل الأنبياء بغير حق في اعتقاده أيضا كما هو في نفس الأمر لم يستبعد منه أمثال هذا القول، ونسبة القتل إلى هؤلاء القائلين باعتبار الرضا بفعل القاتلين من أسلافهم» 41.
2.الانتحار.
والانتحار: «قيام الإنسان بقتل نفسه بوعيه أو بدون وعي، أو هو الفعل المقصود لقتل النفس أو زهق الروح عن سابق تصميممٍ» 42.
والانتحار محرم في الشريعة الإسلامية على جهة العموم، حيث لا يحل للمرء أن يقتل نفسه بأي حال من الأحوال، إذ هو قتل للنفس بغير حق، والدليل على ذلك ما يلي:
قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء:33] .
حيث دلت الآية على حرمة قتل النفس على جهة العموم إلا بالحق، فيشمل ذلك قتل المرء نفسه وقتله غيره.
وقوله جل شأنه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .
فهذه نصوص صريحة تحرم قتل النفس أو التسبب في إهلاكها، على تفصيل معروف لدى المفسرين.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تردى من جبلٍ فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدةٍ، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) 43.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار) 44.
أولًا: اختلاف الدين:
من دوافع القتل اختلاف الدين، فالمسلم شرع له قتل غير المسلم دفاعا عن دين الله عز وجل بعد أن يقيم عليه الحجة بالدعوة إلى الإسلام ثم الجزية، وقد نصت آيات القرآن الكريم على ذلك، على هذا النحو:
قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .
وقال جل شأنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] .
وللمفسرين في معنى {الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} أقوال: أحدها: أنهم الروم قاله ابن عمر، الثاني: أنهم الديلم، قاله الحسن. الثالث: أنهم العرب، قاله ابن زيد. الرابع: أنه على العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، قاله قتادة، الخامس: أن المقصود قتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها 45.
وقال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) } [البقرة: 190 - 191] .
وقد ذكر الطبري اختلاف المفسرين فيها على قولين:
القول الأول: أن هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت بـ «براءة» ، وهذا قول الربيع، وابن زيد.
القول الثاني: أن ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ. وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه عن قتل النساء والذراري. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابتٌ حكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية، وهذا قول ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ورجح الطبري أنها ليست منسوخة 46.
ولا ينبغي أن يفهم من هذه الآية أن اختلاف الدين يبيح للمسلم قتل غير المسلم هكذا بإطلاق بل الأمر له أحكامه وضوابطه المعروفة في بابها من كتاب الجنايات والجهاد.
ثانيًا: خوف الفقر:
اعتادت بعض قبائل العرب قتل أولادهم خشية الإملاق أي: الفقر، وجاءت آيات القرآن الكريم تنهى عن قتل الأولاد خشية الفقر، أو قتلهم بسبب الفقر، ومن ذلك ما يلي:
قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151] .
قال ابن كثير: «والمراد النهي عن قتلهم بسبب حصول الفقر، قال ابن عباس، وقتادة، والسدي: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة «سبحان» -أي الإسراء-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: 31] .
أي: خشية حصول فقر، في الآجل؛ ولهذا قال هناك: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله. وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال: {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} لأنه الأهم هاهنا» 47.
وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء:31] .
قال الجصاص: «هو كلام يتضمن ذكر السبب الخارج عليه، وذلك لأن من العرب من كان يقتل بناته خشية الفقر؛ لئلا يحتاج إلى النفقة عليهن وليوفر ما يريد إنفاقه عليهن على نفسه وعلى بيته، وكان ذلك مستفيضا شائعا فيهم» 48.
ثالثًا: خوف العار:
انتشر في العرب قبل الإسلام قتل البنات، أو وأدهن أحياء خشية الوقوع في السبي، مما يلحق العار بالآباء، ولما كان ذلك مرضًا عضالًا منتشرًا لديهم فقد جاء القرآن الكريم بتحريمه في آيات عدة.
قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل:58 - 59] .
فقد ورد في تفسريها: «إن مضر وخزاعة وتميمًا كانوا يدفنون البنات أحياء، والسبب في ذلك إما خوف الفقر وكثرة العيال ولزوم النفقة أو الحمية فيخافون عليهن من الأسر ونحوه، أو طمع غير الأكفاء فيهن فكان الرجل من العرب في الجاهلية، إذا ولدت له بنت أراد أن يستحييها تركها حتى إذا كبرت ألبسها جبة من صوف أو شعر، وجعلها ترعى الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ويكون فد حفر لها حفرة في الصحراء، فإذا بلغ بها تلك الحفرة قال لها: انظري إلى هذه البئر فإذا نظرت إليها دفعها من خلفها في تلك البئر، ثم يهيل التراب على رأسها وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه بإبل إلى والد البنت حتى يحييها بذلك فقال الفرزدق يفتخر بذلك:
وعمي الذي منع الوائدات
فأحيا الوئيد فلم يوأد 49.
وقال جل شأنه: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8 - 9] .
قال الماوردي: «قال عز وجل توبيخًا لقاتلها وزجرًا لمن قتل مثلها {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} واختلف هل هي السائلة أو المسئولة، على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة: {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} فتقول: لا ذنب لي، فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره، الثاني: أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت» 50.
والمعنى على الثاني: سألت الموؤودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها. وهو مروي عن ابن عباس ومسلم بن صبيح 51.
رابعًا: الطغيان والفساد:
الطغيان والفساد دافعان من دوافع القتل على مر العصور، فالذي يقتل امرأ بدون وجه حق، يعتبر متعديًا عليه، ومفسدًا في الأرض، وبالتالي يستحق العقوبة الرادعة وهي القصاص، وهذا الذي ورد في كتاب الله تعالى عقيب قصة قابيل وهابيل في قوله جل شأنه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .
فأبانت الآية أن الفساد في الأرض وقتل النفس البريئة سببان موجبان للقتل، وما سوى ذلك لا يجيز قتل المرء، فقاتل النفس يستحق القصاص، والمفسد في الأرض يستحق العقوبة التي شرعت في الحرابة في الآية التي تلي هذه الآية، وكلاهما -أي: قاتل النفس والمحارب- مفسدان في الأرض، الأول إفساده خاص بمن قتله تعديًا، والثاني إفساده عام يشمل المال والعرض والنفس.
قال القرطبي: «حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس ظلما وتعديا» 52.
وقال ابن كثير في معناها: «من قتل نفسا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس {وَمَنْ أَحْيَاهَا} أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} 53.
خامسًا: مقاومة الاعتداء:
قد يضطر الإنسان إلى قتل غيره مقاومة لعدوانه، ودفاعًا عن نفسه أو عرضه أو ماله، وهذا نوع من القتل المشروع عند الضرورة، فإذا تعرض إنسان لاعتداء وجب دفعه، ولكن مع مراعاة أن لا يلجأ إلى الأشد إلا بعد استنفاذ ما هو دونه من وسائل الدفاع، وهذا مستفاد من نصوص قرآنية وأخرى نبوية.
فمن نصوص القرآن الكريم قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] .
والآية وإن كانت واردة في القتال في سبيل الله، إلا أن عموم لفظها يجيز مقاومة الاعتداء.
ومن النصوص النبوية ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيدٌ) ، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) 54.
ومن نصوص السنة كذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيدٌ) 55.
قال ابن بطال شارحًا له: «إنما أدخل هذا الحديث في هذه الأبواب ليريك أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله، فإذا كان شهيدا إذا قتل في ذلك، كان إذا قتل من أراده في مدافعته له عن نفسه لا دية عليه فيه، ولا قود. قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين فهو كمن قاتل دون نفسه وماله فلا دية عليه ولا تبعة، ومن أخذ في ذلك بالرخصة وأسلم المال أو الأهل أو النفس فأمره إلى الله، والله يعذره ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة بهذا الحديث» 56.
و «لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الدفاع عن كل ما ذكرنا، ولكن هل يجب على الإنسان هذا الدفاع بحيث يكون آثما إذا تركه؛ لأن هذا الدفاع أمر يمليه الشرع ويفرضه، أم أنه يجوز له ولا يجب عليه، فيكون من حقه المدافعة، إن شاء قام بها وإن شاء تركها؛ لأنه حق من حقوق العبد، ومن خصائص حق العبد حريته في الانتفاع به واختياره، أو بعبارة أخرى: هل مدافعة المعتدين هي من قبيل الواجبات أم قبيل الحقوق، أو من قبيل حق الله أو من قبيل حق العبد؟» 57.
وللفقهاء خلاف في حكم الدفاع عن النفس ضد الصائل عليها مداره على ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن دفع الصائل عن النفس واجب، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومشهور المالكية والشافعية 58.
الرأي الثاني: أن دفع الصائل عن النفس جائز وليس واجبًا، وهو الرأي المرجوح في مذهبي مالك والشافعي، والراجح عند الحنابلة.
الرأي الثالث: التفرقة بين حالة الفتنة وغيرها، فيكون الدفاع جائزًا مطلقًا في حالة الفتنة، أما في غير حالة الفتنة فهو واجب مطلقًا، وهو رأي بعض الشافعية والمالكية، وبعض الحنابلة 59.
ولكل رأي من هذه الآراء حجته ودليله، مما لا يتسع المقام لذكره هنا.
وللدفاع عن النفس مراتب، نص عليها بعض الفقهاء في القواعد الفقهية، حيث لا يلجأ للدفع الأقوى إلا بعد العجز عما هو دونه.
قال أبو المظفر الكرابيسي: «إذا خاف على نفسه من الجوع، ومع رفيقه طعام، فأبى أن يعطيه لا يحل له قتاله بالسلاح، ويقاتله بغير سلاح، وإن كان في البئر ماء، وهو محتاج إليه يخاف على نفسه، فمنعه صاحب البئر عن البئر جاز له أن يقاتله بالسلاح، والفرق أن الطعام ملك له، وله أن يدفع عن ملكه ويقاتل، ولو قتل كان شهيدا، بدليل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) 60.
وإذا كان هو شهيدا كان ذاك ظالما له، فكره له أن يقاتله بالسلاح، وقد اضطر في إحياء نفسه إلى ماله، فكان له أن يقاتله بغير السلاح، وأما الماء فليس بمملوك له، فإذا منعه كان متعديا في المنع، فكان له أن يقاتله بالسلاح، لأن هذا حقه، فإذا منع عن حقه كان له أن يقاتله بالسلاح، كما لو قاتله على مال» 61.
وتفريعًا على قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) يجوز للمضطر أن يأكل من مال الغير ما يدفع به الهلاك عن نفسه جوعًا، ويدفع الصائل بما أمكن ولو بالقتل، ويضمن في المحلين، وإن كان مضطرًا، فإن الاضطرار يظهر في حل الإقدام، لا في رفع الضمان وإبطال حق الغير، ولو لم يضمن لكان من قبيل إزالة الضرر بالضرر، وهذا منافٍ وغير جائز، ويتعارض مع قاعدة «الضرر لا يزال بمثله» 62.
سادسًا: الحسد:
قد يلجأ المرء إلى قتل غيره ظلمًا وعدوانًا بسبب الحسد له على نعمة أوتيها، أو منزلة بلغها، أو فضل تحصل عليه، وهذا من قبح الصنيع وسوء الطوية، ولقد كانت أول جريمة قتل باء بها أحد من بني آدم على ظهر الأرض بسبب الحسد، ألا وهي جريمة قتل قابيل لهابيل التي وردت في القرآن الكريم.
قال تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) } [المائدة: 27 - 32] .
وخلاصة القصة ما نصت عليه آيات القرآن الكريم، أن ابني آدم قدم كل واحد منهما قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فحسد المرفوض قربانه أخاه المقبول فقتله 63.
ولذلك فإن فرط الحسد قد يدفع بالحاسد إلى إيقاع الشر بالمحسود فإنه يتبع المساوئ ويطلب العثرات، وقد قيل إن الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض فحسد إبليس آدم حتى أخرجه من الجنة، وأما في الأرض فحسد قابيل بن آدم لأخيه هابيل حتى قتله «64.
وبناء عليه فهذه كانت أول جريمة سفك دم على ظهر الأرض، ولهذا يتحمل القاتل جزءًا من كل جريمة قتل تقع على الأرض بعد ذلك، ويصدق هذا حديث عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تقتل نفسٌ إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ منها) 65.
سابعًا: السفه والطيش:
ذم القرآن الكريم العرب في قتلهم أولادهم تحت دوافع واهية وحجج لا اعتبار لها.
قال الله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) } [الأنعام:140] .
وهذه الآية نزلت في ربيعة ومضر والعرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر سفهًا بغير علمٍ لخفة أحلامهم، وجهلهم بأن الله هو رازق أولادهم، لا هم 66.
أخرج البخاري عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: «إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائةٍ في سورة الأنعام، {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} إلى قوله: {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام:140] » 67.