كالذي فعل تعالى ذكره بنوح عليه السلام وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكالذي فعل بموسى عليه السلام وفرعون وقومه؛ إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى عليه السلام ومن آمن به من بني إسرائيل وغيرهم، ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد مهلكهم كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء 120 بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة يحيى عليه السلام، من تسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به وبجنده من قتلته له، وكانتصارنا لعيسى عليه السلام من مريدي قتله بالروم حتى أهلكناهم بهم.
والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين، والمعنى به خاص من الرسل والمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ: إنا لننصر رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد 121.
وهذه سنة الله في خلقه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب) 122.
والنصر في الآخرة بالحكم لهم ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم بشدة العقاب 123.
وقال سيد قطب رحمه الله: «وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها، فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها، وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها 124! والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى، وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة، إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟! ما من شك -في منطق العقيدة- أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار، كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار، هذه صورة وتلك صورة، وهما في الظاهر بعيد من بعيد، فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزًا محركًا لخطى التاريخ كله مدى أجيال» 125.
وقد أخبر سبحانه وتعالى أن النصر قد سبقت به كلمة الله، وكلمات الله لا يمكن أن يبدلها مبدل، فنصر الرسل حتم لا بد منه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] .
فالآية الكريمة «تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائما على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضًا بالسيف والسنان» 126.
هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان، وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء، لقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش، وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة، وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام، وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام، ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك، وتدور عليهم الدائرة، ويقسو عليهم الابتلاء؛ لأن الله يعدهم للنصر في معركة أكبر، ولأن الله يهيئ الظروف من حولهم؛ ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع، وفي خط أطول، وفي أثر أدوم 127.
وأخبر سبحانه وتعالى أن نصر المؤمنين حق لهم، ألزم به نفسه الكريمة فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .
فهذه النصوص القرآنية بشارات للمؤمنين، وأدلة قاطعة لا مرية فيها أن نصر الله للمؤمنين واقع لا محالة في الوقت الذي يريد، وما على المؤمنين إلا أن يؤدوا واجبهم بأخذ الأسباب الموجبة للنصر، ولن يترهم الله ثواب أعمالهم.
ثانيًا: البشارة بظهور الدين:
أخبر سبحانه وتعالى أنه مظهر دينه على الأديان كلها.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
و قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] .
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] .
فيظهره ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان والدلالة، وظهورًا بالنصر والظفر والغلبة والتأييد؛ حتى يظهره على مخالفيه ويكون منصورًا 128.
«وظهور الإسلام على الدين كله حصل في العالم باتباع أهل الملل إياه في سائر الأقطار، بالرغم من كراهية أقوامهم وعظماء مللهم ذلك، ومقاومتهم إياه بكل حيلة، ومع ذلك فقد ظهر وعلا وبان فضله على الأديان التي جاورها، وسلامته من الخرافات والأوهام التي تعلقوا بها، وما صلحت بعض أمورهم إلا فيما حاكوه من أحوال المسلمين وأسباب نهوضهم، ولا يلزم من إظهاره على الأديان أن تنقرض تلك الأديان» 129.
وبعد هذا الظهور تخلى كثير من أصحاب دين الحق عنه خطوة فخطوة، بفعل عوامل داخلة في تركيب المجتمعات الإسلامية من ناحية، وبفعل الحرب الطويلة المدى، المنوعة الأساليب، التي أعلنها عليه أعداؤه من الوثنيين وأهل الكتاب سواء.
لكن لم يخلو زمان من قائم لله بالحجة قاموا وحملوا على عاتقهم نصرة هذا الدين، وإن ذهبت أرواحهم وأموالهم فداءً له، وإن وعد الله قائم بنصرة هؤلاء إذا ساروا على نفس المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم والأولون، وهذا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفةٌ من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) 130.
قال النووي رحمه الله: «يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين؛ منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» 131.
وهؤلاء موجودون ومنتشرون بفضل الله، ونراهم في الملمات التي تمر بها الأمة، ويلتف حولهم المسلمون من كل مكان نصرة للحق المبين، ووفاءً بعقد الإخوة في الدين.
ثالثًا: الوعد الإلهي بالاستخلاف:
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .
«هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا وحكمًا فيهم» 132.
«وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها، فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض، ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض، ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة ومن رصيد ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله» 133.
فهذا مقصد الاستخلاف في الأرض: الإصلاح والعدل والعمارة والانتفاع بكل نعم الله؛ ابتغاء مرضاة الله.
ولقد ابتليت الأمة بصنف من الحكام مكنوا في البلاد بغير رغبة من أهلها، فاستخدموا نعم الله على بلادهم في الاعتداء على أهلها وأذاقوهم سوء العذاب؛ حتى جعلت أهل البلد الواحد شيعًا يضرب بعضهم رقاب بعض، وصنف آخر استخدموا ما أنعم الله عليهم في تثبيت دعائم الظلمة والفجرة؛ حتى لا يستقر حكم الإسلام العادل في تلك البلاد.
وسنة الله جارية أن من استخدم نعمه في الظلم سلب منه هذه النعم، ونزع سلطانه، وجعل ما أنفقه على الظلمة والفجرة حسرة وندامة عليه، وأعطى هذا الملك من يقوم بين الناس بالعدل، فدولة العدل تدوم وإن كانت كافرة، ودولة الظلم تزول وإن كانت مسلمة.
أخبر سبحانه وتعالى في كتابه عن ثواب الناصرين لله ولرسوله؛ تحريضًا للمؤمنين بعدهم أن يسلكوا سبيلهم؛ ليحظوا بمثل ثوابهم.
أولًا: ثواب الناصرين في الدنيا:
الله سبحانه وتعالى يعتني بعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه المعينين لرسوله على الأعداء، ولذلك فقد جعل من المقاصد الشرعية للنصر تحقيق ما يحبون وما يكون سببًا في فرحهم:
1.الفرح بالنصر.
جبلت النفس على الفرح بما تحققه من نصر، فحقق الله للمؤمنين ما يفرحون به، وهذا يدل على مزيد عنايته بهم.
قال تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) [الروم: 4] .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: (الم ?1?غُلِبَتِ الرُّومُ ?2?فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) قال: (غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثانٍ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتابٍ، فذكر ذلك لأبي بكرٍ، فذكره أبو بكرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أما إنهم سيغلبون) ! فذكره أبو بكرٍ لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلًا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكرٍ للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا جعلتها إلى دون-أراه قال:- العشر) ! قال سعيد بن جبيرٍ: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله: الم ?1?غُلِبَتِ الرُّومُ ?2?فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ?3?فِي بِضْعِ سِنِينَ ? لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4?بِنَصْرِ اللَّهِ ? يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ?5?) [الروم: 1 - 5] 134.
والنصر الذي يفرح به المؤمنون: «يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم، وهذا أيضًا غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس، فإن هذا ضرب من النصر عظيم» 135.
وأضيف النصر إلى اسم الجلالة؛ للتنويه بذلك النصر، وأنه عناية لأجل المسلمين 136.
فهذا النصر امتنان من الله؛ لإدخال الفرح على المؤمنين.
2.شفاء صدور المؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم وتوبة الله على من يشاء.
من المقاصد الشرعية للنصر في مواضع القتال بين المؤمنين وأعدائهم، شفاء صدور المؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم، وتوبة الله على من يشاء.
قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14 وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ? وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى? مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(15 ) ) [التوبة: 15] .
«فإن في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب المؤمنين من الغم والهم؛ إذ يرون هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله، ساعين في إطفاء نور الله، وزوالا للغيظ الذي في قلوبهم، وهذا يدل على محبة الله لعباده المؤمنين، واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل -من جملة المقاصد الشرعية- شفاء ما في صدورهم وذهاب غيظهم» 137، بانتصار الحق كاملا، وهزيمة الباطل، وتشريد المبطلين، (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى? مَن يَشَاءُ) فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين ينصرون، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم، ويرون آثار الإيمان في مواقفهم -وهذا ما كان فعلا-، وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم، وأجر هداية الضالين بأيديهم، وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين 138.
3.تحقيق ما يحب المؤمنون.
أشار سبحانه وتعالى إلى امتنانه على عباده الناصرين لدينه بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة.
قال تعالى: (وَأُخْرَى? تُحِبُّونَهَا ? نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: 13] .
«والمراد به النصر العظيم، وهو نصر فتح مكة، فإنه كان نصرا على أشد أعدائهم الذين فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، وألبوا عليهم العرب والأحزاب، وراموا تشويه سمعتهم، وقد انضم إليه نصر الدين بإسلام أولئك الذين كانوا من قبل أئمة الكفر ومساعير الفتنة، فأصبحوا مؤمنين إخوانا وصدق الله وعده بقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) [الممتحنة: 7] .
وقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103] » 139. وفي الآية: الإخبار بالغيب عن المستقبل، وهو من معجزات القرآن.
4.الفلاح.
مَنَّ الله سبحانه وتعالى على عباده الذين أعانوا رسوله على أعداء الله وأعدائه بجهادهم بالفوز في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 157] .
قال مجاهد رحمه الله: «عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله، ونصروه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم» 140، أولئك هم الفائزون بالرحمة العظمى والرضوان، دون سواهم من أهل كل زمان ومكان، فمنهم الفائزون بدون ما يفوز به هؤلاء، كأتباع سائر الأنبياء، ومنهم الخائبون المخذولون؛ أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون 141.
وفي الآية: تعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، ويلحق بهم من نصر دينه بعدهم إلى يوم القيامة.
5.الثناء عليهم بالصدق.
أثنى الله على المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم ابتغاء مرضاته، ونصرة لله ورسوله بالصدق.
قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8] .
أي: «هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين» 142. وفي الآية: الثناء على أهل الصدق ونشر محاسنهم؛ ليقتدي بهم المؤمنون.
ثانيًا: ثواب الناصرين في الآخرة:
1.المغفرة والرزق الكريم.
مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين من المهاجرين والأنصار الذين نصروا دينه وبشرهم بالمغفرة لذنوبهم وبالدرجات العلى من الجنة، ولهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] .
«آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، ونصروهم ونصروا دين الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا -لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك وأقام بين أظهر أهل الشرك ولم يغز مع المسلمين عدوهم- لهم ستر من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، ولهم في الجنة طعام ومشرب هنيءٌ كريم، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوًا، ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك» 143.
وفي الآية: استواء المهاجرين والأنصار في النصرة للدين وفي الإيمان الصادق.
موضوعات ذات صلة:
التمكين، الثبات، الجهاد، القتال، المعية، الهزيمة
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 435، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 870.
2 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 305.
3 فتح القدير، الشوكاني 5/ 509.
4 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب النون، ص 1325 - 1328.
5 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 453، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 586 - 587.
6 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 469.
7 انظر: مفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني ص 621.
8 انظر: الكشاف، الزمخشري 4/ 810.
9 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 66، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 535.
10 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 189.
11 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 459.
12 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 647.
13 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 210.
14 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 471.
15 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي 1/ 99.
16 الفروق اللغوية، العسكري ص 343.
17 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 457.
18 تيسير الكريم الرحمن ص 321.
19 التحرير والتنوير 9/ 100.
20 جامع البيان، الطبري 20/ 472.
21 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 442.
22 المصدر السابق 7/ 710.
23 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 67.
24 جامع البيان، الطبري 22/ 523.
25 في ظلال القرآن 6/ 3526.
26 جامع البيان، الطبري 7/ 225.
27 جهاد الطلب: أن تطلب الكفار في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام. انظر جهاد الطلب بين القدامى والمعاصرين، منير هاشم خضير العبيدي، مجلة البحوث والدراسات الاسلامية، السنة: 2012، الاصدار: 28، ص 242.
28 أضواء البيان 4/ 162.
29 التحرير والتنوير 17/ 77.
30 جامع البيان، الطبري 22/ 536.
31 جامع البيان، الطبري 3/ 636.
32 الفوائد، ابن القيم ص 269.
33 جامع البيان، الطبري 4/ 514.
34 التحرير والتنوير 17/ 202.
35 في ظلال القرآن، 1/ 264 - 265.
36 الشباب و التغيير، ص 28.
37 نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني، ص 364.
38 أضواء البيان 9/ 138.
39 التحرير والتنوير 3/ 212.
40 مفاتيح الغيب 8/ 354.
41 التحرير والتنوير 3/ 212.
42 في ظلال القرآن 1/ 470.
43 جامع البيان، الطبري 18/ 519.
44 في ظلال القرآن 5/ 2774.
45 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 108.
46 التحرير والتنوير 28/ 175.
47 جامع البيان، الطبري 16/ 587.
48 التحرير والتنوير 17/ 202.
49 التحرير والتنوير 26/ 71.
50 في ظلال القرآن 6/ 3288.
51 التحرير والتنوير 9/ 151.
52 جامع البيان، الطبري 21/ 189.
53 تفسير المنار 7/ 317.
54 المصدر السابق.
55 التحرير والتنوير 9/ 123.
56 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحدٍ، رقم 4043.
57 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، نحن الآخرون السابقون، رقم 2797.
58 التحرير والتنوير 9/ 123.
59 جامع البيان، الطبري 22/ 623.
60 إغاثة اللهفان، ابن القيم 2/ 182.
61 جامع البيان، الطبري 4/ 496.
62 أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عباس، رقم 2803.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 6806.
63 جامع العلوم والحكم، ابن جب 1/ 490.
64 في ظلال القرآن 1/ 552.
65 تفسير المنار 4/ 142.بتصرف يسير.
66 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة، رقم 1763.
67 في ظلال القرآن 4/ 1893.
68 جامع البيان، الطبري 11/ 213.
69 التحرير والتنوير 1/ 122.
70 في ظلال القرآن 3/ 1528.
71 جامع البيان، الطبري 6/ 121.
72 المصدر السابق 11/ 66.
73 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 46.
74 في ظلال القرآن 3/ 1528.
75 المصدر السابق 6/ 3289.
76 جامع البيان، الطبري 7/ 217.
77 تفسير المنار 5/ 306.
78 في ظلال القرآن 2/ 748.
79 جامع البيان، الطبري 11/ 244.
80 تيسير الكريم الرحمن ص 324.
81 جامع البيان، الطبري 11/ 267.
82 السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، عبد الكريم زيدان، ص 56.
83 جامع البيان، الطبري 5/ 251.
84 في ظلال القرآن 3/ 1527.
85 انظر: المصدر السابق 4/ 2427.
86 جامع البيان، الطبري 11/ 215.
87 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم 4043.