فهرس الكتاب

الصفحة 1508 من 2431

الطهارة

أولًا: المعنى اللغوي:

الطهارة لغة:

النظافة، والتنزّه عن الأدناس 1، قال ابن فارس: «الطاء والهاء والراء أصل واحد يدل على نقاءٍ وزوال دنس، ومن ذلك الطّهر خلاف الدنس، والتّطهّر: التنزّه عن الذم، وكل قبيح» 2.

والطّهر بالضم: نقيض النجاسة 3، والمرأة طاهرٌ من الحيض، وطاهرةٌ من النجاسة ومن العيوب 4.

ممّا سبق يظهر أنّ الطهارة في اللغة إما أن تكون حسية؛ كالطهارة من النجاسة، وإما أن تكون معنوية؛ كالطهارة من العيوب.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هي «رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة، بالماء أو رفع حكمه بالتراب» 5، وعرّفها الدكتور وهبة الزحيلي بأنها: «النظافة من النجاسة حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكمية وهي الحدث» 6، وبالرجوع إلى كتب الفقه نجد تعريفاتٍ أخرى، وكلها متقاربة في المعنى، وتدور حول محور واحد وهو: رفع الحدث، وإزالة الخبث 7.

العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:

الطهارة اصطلاحًا لها معنى خاص يختلف عن المعنى اللغوي، ويشتركان في إزالة الخبث، إلا أن رفع الحدث مما اختص به الطهارة اصطلاحًا.

وردت مادة (طهر) في القرآن الكريم (31) مرة 8.

والصيغ التي وردت كالآتي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} [آل عمران:42]

الفعل المضارع ... 9 ... {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة:41]

فعل الأمر ... 4 ... {أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج:26]

اسم فاعل ... 3 ... {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران:55]

اسم مفعول ... 6 ... {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة:25]

اسم تفضيل ... 4 ... {قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود:78]

مصدر ... 1 ... {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } [الأحزاب:33]

صيغة المبالغة ... 2 ... {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) } [الفرقان:48]

وذكر أصحاب الوجوه والنظائر عشرة أوجه للطهارة في القرآن 9، وزاد بعضهم ثلاثة أوجه أخرى 10، لكن كل هذه الأوجه في الأغلب لا تخرج عن معنى الطهارة في اللغة الذي هو النقاء وزوال الدنس، والتنزه عن كل قبيح 11، وهي ضربان: حسية، ومعنوية 12.

الرجس:

الرجس لغةً:

الراء والجيم والسين أصلٌ يدلّ على اختلاطٍ، ومنه: الرّجس: القذر؛ لأنّه لطخٌ وخلط 13.

الرجس اصطلاحًا:

«هو النتن والقذر، قال الفارابي: كل شيء يستقذر فهو رجس، وقيل: الرجس: النجس» 14.

الصلة بين الرجس والطهارة:

إذا كان الرجس هو الشيء الذي خالطه القذر، والطهارة هي إزالة هذا القذر، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.

النجس:

النجس لغةً:

النّجس: الشّيء القذر من النّاس ومن كل شيء قذرته، ورجل نجسٌ، وقوم أنجاسٌ 15.

النجس اصطلاحًا:

هو «صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة ونحوها» 16.

الصلة بين النجس والطهارة:

إذا كان النجس وصفًا يمنع أداء العبادة على الوجه المطلوب، والطهارة هي إزالة ذلك النجس وتلك القذارة حتى يمكن أداء العبادة على الوجه المطلوب، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.

الخبث:

الخبث لغةً:

الخبيث ضد الطيب، وخبث خبثًا وخباثةً وخباثيةً، وهو النجس 17.

الخبث اصطلاحًا:

هو «العين المستقذرة شرعًا، أي: النجاسة الحقيقية» 18.

الصلة بين الخبث والطهارة:

الخبث نجاسة حسية، وإزالة هذه النجاسة ورفع هذا الخبث يسمى طهارة، إذن فالعلاقة بينهما علاقة تقابل وتضاد.

الطّيّب:

الطيب لغةً:

الطيب خلاف الخبيث، إلا أنه قد تتسع معانيه حسب ما يضاف إلى الطيب، فمثلًا يقال: أرضٌ طيبة للتي تصلح للنبات، وريحٌ طيبة إذا كانت لينة، وطعمةٌ طيبة إذا كانت حلالًا 19، ويقال: شيء طيب إذا كان طاهرًا نظيفًا 20، وماء طيب إذا كان عذبًا أو طاهرًا 21.

الطيب اصطلاحًا:

«ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّيّب في الشّرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز، ومن المكان الّذي يجوز، فإنّه متى كان كذلك كان طيّبًا عاجلًا وآجلًا لا يستوخم، وإلا فإنه -وإن كان طيّبًا عاجلًا- لم يطب آجلًا» 22.

الصلة بين الطيب والطهارة:

الطيب صورة من صور الطهارة، فالطيب طاهرٌ، سواء كان طيبه حسيًّا أو معنويًّا.

تنوّعت أساليب القرآن الكريم في الحثّ على الطهارة، وبيان منزلتها، بين الأسلوب المباشر كالأمر الصريح، وغير المباشر كالثّناء على أصحاب الطهارة، وذكر محبة الله تعالى للمتطهرين، وضرب أمثلة ممّن اتصف بالطهارة، مثل: أمّهات المؤمنين رضي الله عنهن، وزوجات أهل الجنّة.

أولًا: الأمر الصريح:

قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .

يأمر الله تبارك وتعالى نبيّه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم بأخذ الصدقات وجمعها؛ تطهيرًا للأموال، وتزكية للنفوس، وهذا أمر صريحٌ من الله تعالى في فعل ما هو مطهّرٌ لهذه الأموال التي بين أيدينا، بل ويطهّر النّفس من أن تتعلّق بهذا العرض الزائل.

قال سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة:103] .

وهذه الآية نزلت في الصحابي أبي لبابة، ونفرٍ معه رضي الله عنهم، كانوا قد تخلّفوا عن غزوة تبوك، وهم الذين قال الله فيهم في الآية السابقة للآية التي بين أيدينا: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102] .

المراد بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيّئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها، والآخر السيئ هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا، وتركهم الجهاد مع المسلمين، وكانوا قد ربطوا أنفسهم بسواري المسجد النبوي عند عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة، وقالوا: لا نطلق أنفسنا حتى يأمر الله تعالى فينا، فنزلت الآية، فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: جاؤوا بأموالهم -يعني: أبا لبابة وأصحابه- حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا! قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا! فأنزل الله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} .

وهنا يتبادر إلى الذّهن سؤال: إذا كان هذا هو سبب نزول الآية فهل يكون الأمر بأخذ الصدقة خاصًّا فيمن نزلت فيهم الآية؟

الجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه تحمل الآية على عمومها، فيكون الخطاب موجّها للنبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الصّدقة منهم ومن غيرهم، بل ويشمل كل إمام للمسلمين من بعده عليه الصلاة والسلام 23.

ومعنى: {وَتُزَكِّيهِمْ} أي: تطهّرهم، ولكن ما الحكمة من ذكرها مباشرة بعد قوله: {تُطَهِّرُهُمْ} ؟

يقول الرازي رحمه الله: «واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سببًا للإنماء، وقيل: الصدقة تطهّرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكّيهم ويعظّم شأنهم، ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء» 24.

وقال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] .

هذا أمر مباشر صريح في تطهير الثياب، ولكن ما المراد بالثياب في الآية؟ وما المقصود بتطهيرها؟

الثياب في اللغة تطلق ويراد بها: حقيقة الثياب، وهي الملابس التي نرتديها، وتطلق ويراد منها المعنى المجازي، كما في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] .

فالمراد منها في الآية: الأهل 25، والطهارة -كما مرّ معنا- تطلق على الحقيقة والمجاز، وعليه تنوّعت أقوال المفسرين في المقصود بقوله سبحانه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] 26.

وخلاصة ما ذكروه أنها تحتمل الوجهين المجازي والحقيقي؛ المجازي بتطهير النفس من المعاصي وسيء الأخلاق، والحقيقي بتطهير الثياب من النجاسات 27.

وقال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .

والمقصود من تطهير البيت في الآية: تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله.

وقيل: تطهيره من الكفار، وقيل: تطهيره من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث 28.

قال الألوسي رحمه الله: «المراد بالطهارة ما يشمل الحسية والمعنوية» 29.

ومن حكمة هذا التطهير: تعظيم بيت الله الحرام، وتهيئته {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} وهم ضيوف الرحمن، الزائرون له من حجاجٍ ومعتمرين، والمقيمون فيه من أهله، أو غيرهم ممن يعتكف في المسجد، أو المجاورين له 30، {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} المصلّين: لأن الركوع والسجود هيئات المصلي، وفي سورة الحج: {لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26] 31.

وهل يفهم من هذه الخطاب شمول جميع بيوت الله تعالى في الأمر بتطهيرها وتنزيهها؟

قال القرطبي رحمه الله: «لما قال الله تعالى: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة» 32.

ومن هذه الآية نستنتج:

أمر الله تبارك وتعالى بتطهير البيت الحرام من النجاسات والآفات، حسيةً كانت أو معنويّة، ومن دخول الكفار إليه، ومن كل مظاهر الشرك.

والأمر وإن كان لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فإنه يشمل من يأتي بعدهما.

ولا يقتصر الأمر على البيت الحرام، بل يتعداه ليشمل جميع بيوت الله تبارك وتعالى، فعلى المسلم التأسّي بأبي البشر وابنه عليهما الصلاة والسلام وأن يحرص على تطهير بيوت الله تعالى ورعايتها.

وإنّ أعظم ما يكون به معنى الرعاية الحقيقية لبيوت الله تبارك وتعالى، هو عمارتها بما هي غايته، وهو إقامة الصلاة وذكر الله جل وعلا.

قال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] .

وهذا المعنى يتجسّد فيه مقصد الإسلام من تزكية النفس وتطهيرها، وزيادة الإيمان وصفاء القلب، وبه يبني الإنسان حصنًا متينًا يردعه بإذن الله تعالى من ارتكاب الفواحش واقتراف الآثام، فيعيش طاهرًا عفيفًا، نقيًّا تقيًّا.

ثانيًا: محبة الله تعالى للمتطهرين:

ذكر الله تعالى حبّه لعباده المتطهرين صراحة في موضعين.

قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

السّياق هنا حول طهارة المرأة من الحيض، وإتيانها من حيث أحل الله تعالى، ولاشك أنّ هذا من الطهارة الحسيّة، ولكن حين يكون التعقيب بـ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} نجد أن المسألة امتدت للبعد المعنوي، وهذا من أظهر الدلائل على وجود رابط وثيق بين الطهارتين: الحسية والمعنوية، فلا تكاد تنفك إحداهما عن الأخرى، فما الرابط بينهما في هذا الموضع؟

نهى الله سبحانه وتعالى عن إتيان النساء وقت الحيض، والمقصود أن الجماع في هذا الوقت محرّم، فعن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] .

إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) 33.

وفي الآية أمرٌ بإتيان النّساء من حيث أمر الله تعالى، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: يعني الفرج 34. وليس أحدٌ معصومًا من الخطأ، والوقوع في ذلك وارد، ففتح الله تبارك وتعالى برحمته وفضله باب التوبة، بل رغّب فيه، وجعل التوابين صنفًا ممن يحبهم سبحانه.

وحتى لا يسوّل لأحد أن يقول: أعصي ثم أتوب؛ فالله تعالى يحب التوابين!، جاء التعقيب: {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .

فلاشك أن منزلة الطهارة على أصلها، أرفع من أن يتلطّخ المرء بالذنب، ثم لا يدري: أيدرك التوبة، أم تسبقه المنيّة؟ وإن قدّمها -أي: التوبة- فهو لا يدري أتقبل منه أم ترد؟ ومع هذا، فلا يأس مع الرحمة الواسعة من الإله الكريم؛ لأنه غفور حليم، يحب {التَّوَّابِينَ} وهي من صيغ المبالغة، وفيها معنى تكرر التوبة لتكرر الذنب 35، ويحب سبحانه {الْمُتَطَهِّرِينَ} المتنزّهين عن الأقذار الحسية والمعنوية، فيدخل فيها المتطهّرون من الجنابة والأحداث، ويدخل فيها التطهّر بالتوبة من الذنب، سواءٌ كان هذا الذنب من إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيانهن حال الحيض 36.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: «وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث ... ، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة» 37.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 107 - 108] .

سورة التوبة من السور الفاضحة للمنافقين 38، وهنا يفضح الله تعالى سرًّا من أسرارهم، ويكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة المسجد الذي بنوه؛ ذلك أنّ رجلًا من الخزرج يسمى أبا عامر الرّاهب، قد حمل في نفسه كل الحقد والكراهية للإسلام، وساءه قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا من مكة إلى المدينة، فوصل به الأمر أن كان في صف قريشٍ يوم أحد، وبعدها رحل مستنصرًا بهرقل ملك الروم فوعده بالنّصر، وبدأ يراسل المنافقين في المدينة، وأمرهم ببناء مسجدٍ يكون لهم مقرًا لتجمعهم، ومرصدًا يرصدون به أخبار المسلمين وتحركاتهم، وحتى يثبتوا شرعية مسجدهم -وليس له من اسم (المسجد) أدنى نصيب-، دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه 39.

ففضحهم الله تعالى من فوق سبع سماوات، وكشف خبثهم ومكرهم، ونهى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذهب إليهم، فما مسجدهم إلا رجسٌ ونجس، ومرتع لثلّة من الخبثاء -حاشا للمساجد أن تكون بؤرًا لدنس قومٍ كهؤلاء-، ثمّ يأتي الالتفات إلى منارة المتقين، ومورد المتطهرين، إنّه المسجد الذي أسّس على التقوى من أوّل يوم، قيل: هو مسجد قباء، وقيل: المسجد النبوي 40.

وعلى أية حال فكلاهما بني على تقوى الله تعالى، بل انظر إلى المفهوم الأوسع.

يقول ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

«دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات» 41.

والمتأمّل في سياق الآية، ربّما يظنّ من الوهلة الأولى أن المراد بالطهارة هنا: هو طهارة القلب والنّفس؛ فالسياق يدور حول التحذير من مرتعٍ للمنافقين، والالتفات إلى ما هو خير منه، حيث المؤمنون الطاهرون، ولكنه التداخل الذي لا ينفك، من ارتباط الطهارة الحسية بالمعنوية.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء) {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .

قال: (كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم) 42.

وهذا لا يعني أن الطهارة المعنوية غير مرادة في الآية، بل دلالة السياق، والمعنى من حيث اللغة يحتمل الوجهين، قال أبو العالية: «إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهّرون من الذنوب» 43.

«ومن المعلوم أن من أحب شيئًا لابد أن يسعى له، ويجتهد فيما يحب، فلابد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ، والأحداث؛ ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة الله ورسوله» 44 عليه الصلاة والسلام.

ومعنى محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء؛ فلذلك أحبهم الله وأحسن إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه 45.

ثالثًا: الثناء على أصحاب الطهارة:

أثنى الله تبارك وتعالى على رسله وأنبيائه، فهم دعاة الطهارة، وقدوة الناس فيها، فهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أطهر خلق الله تعالى، أثنى الله سبحانه وتعالى على خلقه، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

وأرسله الله سبحانه طاهرًا ومطهرًا، فقال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] .

وقدّم سبحانه التزكية على التعليم لبيان أهميتها، والمقصود: «يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية، أو من خبائث الاعتقادات» 46.

والصحابة الكرام رضي الله عنهم هم أكثر النّاس اطلاعًا على سنّته صلى الله عليه وسلم، وهم أكثر حرصًا على اتباعها، وقد ذكر الله تعالى كثيرًا من صفاتهم في كتابه، وأقف هنا مع آيتين كريمتين تبيّنان ما في قلوبهم رضي الله عنهم من الطهارة والسّلامة.

يقول جل ثناؤه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 9 - 10] .

يذكر لنا الله تبارك وتعالى حال قلوب الأنصار الذين تبوؤا المدينة وسكنوها من قبل إخوانهم المهاجرين الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم أموال الفيء، الذي امتن الله به عليهم من أموال بني النضير بعد أن أجلوهم من المدينة؛ وذلك إثر غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضهم ميثاقه 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت