الأجر الحسن: هو الفوز برضا الله، ودخول الجنة، وفي وصفه بالحسن دلالة على أنه لا مكدر فيه، ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تامًا، ومع ذلك فهذا الأجر الحسن لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد.
4.البشارة بالفضل الكبير.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 45 - 47] .
الفضل: العطاء الذي يزيده المعطي زيادة على العطية؛ لأنه لا يكون فضلًا إلا إذا كان زائدًا على العطية، والمراد أن لهم ثواب أعمالهم الموعود بها وزيادة من عند ربهم 38.
قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] .
وذكر في هذه الآية الكريمة: المبشر، وهم المؤمنون، وذكر المبشر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدارة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه.
وهذا مما ينشط العاملين أن يذكر لهم من ثواب الله على أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع 39.
وفي أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبشير تأنيس عظيم، ووعد كريم بالثواب الجزيل 40.
5.البشارة بقدم صدق عند الله.
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] .
أي: «لهم أعمالًا صالحةً عند الله يستوجبون بها منه الثواب» 41.
وكلمة قدم صدق تعني أيضًا: «قدم ثابتة راسخة موقنة لا تتزعزع ولا تضطرب ولا تتزلزل ولا تتردد، في جو الإنذار وفي ظلال الخوف، وفي ساعات الحرج {قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} في الحضرة التي تطمئن فيها النفوس المؤمنة، حينما تتزلزل القلوب والأقدام» 42.
6.البشارة بالجنة ونعيمها.
قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 2] .
وقال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12] .
أي: بشرهم يا محمد أن لهم بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، تجري من تحتها أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار المتشابهة في الحسن واللذة والفكاهة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائمًا متلذذون بأكلها.
ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه فقال: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] .
فلم يقل «مطهرة من العيب الفلاني» ليشمل جميع أنواع التطهير فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضًا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح 43.
وهذه الآية الكريمة من الآيات الجامعة في البشرى حيث ذكر فيها: المبشر والمبشر، والمبشر به، والسبب الموصل لهذه البشارة.
فالمبشر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قام مقامه من أمته.
والمبشر: هم المؤمنون العاملون الصالحات.
والمبشر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات.
والسبب الموصل لذلك: هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب.
ثالثًا: البشارة بالعقاب:
الغالب في استعمال البشارة أن تكون في الإخبار بما يسر، فهي إذًا مأخوذةٌ من انبساط بشرة الوجه، كما أن السرور مأخوذٌ من انبساط أساريره، وعلى هذا يقولون: إن استعمالها فيما يسوء يكون من باب التهكم، وقيل: إن البشارة تستعمل فيما يسر وفيما يسوء استعمالًا حقيقيًا؛ لأن أصلها الإخبار بما يظهر أثره في بشرة الوجه في الانبساط والتمدد، أو الانقباض والتغضن 44.
1.البشارة بالعذاب الأليم.
تستعمل البشرى في الشر بقيد، كما قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138] .
والعذاب الأليم: هو الموجع، وذلك عذاب جهنم.
قال ابن عطية رحمه الله: «جاءت البشارة هنا مصرحًا بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ومتى جاءت مطلقة فإنما عرفها في المحبوب» 45.
2.رؤية المجرمين للملائكة لا تبشرهم بخير.
قال تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22] .
أي: لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ لهم؛ وذلك يصدق في ثلاث مواضع:
1.وقت الاحتضار: حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، فتأبى الخروج، وتتفرق في البدن، فيضربونه 46.
كما قال الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى? إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ? الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ?50?) [الأنفال: 50] .
وقال: (وَلَوْ تَرَى? إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ) [الأنعام: 93] .
أي: بالضرب (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ? الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام: 93] .
2.في القبر: حيث يأتيهم منكر ونكير فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم، فلا يجيبون جوابًا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة.
كما روى أبو داود بسنده عن البراء بن عازبٍ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأنما على رءوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين أو ثلاثًا ... ، ثم قال: (وإن الكافر) فذكر موته قال: (وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار) قال: (فيأتيه من حرها وسمومها) قال: (ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) زاد في حديث جريرٍ، قال: (ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبةٌ من حديدٍ لو ضرب بها جبلٌ لصار ترابًا) قال: (فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا) قال: (ثم تعاد فيه الروح) 47.
3.يوم القيامة: حين تسوقهم الملائكة إلى النار، ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم، ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه، وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم، لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذٍ يتعوذون من الملائكة ويفرون، ولكن لا مفر لهم.
كما قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر: 71] .
1.أولًا: الله عز وجل:
بشر الله سبحانه وتعالى عباده ببشارات تنشرح بها الصدور، وتتلألأ بها الوجوه نورًا وبهجة وحسنًا من عظمة ما بشروا به من خير الدنيا والآخرة، من هؤلاء: الأنبياء والرسل، والمهاجرون المجاهدون في سبيله، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وترجع عظمة البشرى لعظمة المبشر بها، وعظمة ما قام به المبشرون.
1.تبشير الأنبياء والرسل بالأولاد الصالحين.
بشر الله الأنبياء والرسل بخير ما في الدنيا وهم الأولاد الصالحين الذين يحملون ميراث الآباء، وهو ميراث النبوة، وأعظم به ميراثًا، من هؤلاء:
كما قال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101] .
وصف الله إسماعيل عليه السلام بالحلم، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى.
وقال ابن عاشور رحمه الله: «الحليم: الموصوف بالحلم، وهو اسم يجمع أصالة الرأي، ومكارم الأخلاق، والرحمةبالمخلوق» 48.
كما قال تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) [مريم: 7] .
وسماه الله له «يحيى» وكان اسمًا موافقًا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين.
2.تبشير الله سبحانه وتعالى المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله بالرحمة والرضوان.
بشر الله تعالى المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله بالرحمة الواسعة والرضوان الذي لا سخط بعده، ومصيرهم إلى جنات الخلد والنعيم الدائم.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ?20?يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ?21?خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ?22?) [التوبة: 20 - 22] .
«قال ابن عباس رضي الله عنه: هي في المهاجرين خاصة، وأسند التبشير إلى قوله: «ربهم» لما في ذلك من الإحسان إليهم بأن مالك أمرهم والناظر في مصالحهم هو الذي يبشرهم؛ فذلك على تحقيق عبوديتهم لربهم؛ ولما كانت الأوصاف التي تحلوا بها وصاروا بها عبيده حقيقة هي ثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد بالمال والنفس، قوبلوا في التبشير بثلاثة: الرحمة، والرضوان، والجنات، فبدأ بالرحمة لأنها الوصف الأعم الناشئ عنها تيسير الإيمان لهم، وثنى بالرضوان؛ لأنه الغاية من إحسان الرب لعبده، وهو مقابل الجهاد؛ إذ هو بذل النفس والمال، وقدم على الجنات؛ لأن رضا الله عن العبد أفضل من إسكانهم الجنة» 49.
وقد روى مسلم بسنده عن أبي سعيدٍ الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) 50.
وأتى ثالثًا بقوله: (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) [التوبة: 21] .
أي: دائم لا ينقطع، وهذا مقابل لقوله: «وهاجروا» لأنهم تركوا أوطانهم التي نشأوا فيها، وكانوا فيها منعمين، فآثروا الهجرة على دار الكفر إلى مستقر الإيمان والرسالة، فقوبلوا على ذلك بالجنات ذوات النعيم الدائم، فجاء الترتيب في أوصافهم على حسب الواقع: الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، وجاء الترتيب في المقابل على حسب الأعم، ثم الأشرف، ثم التكميل 51.
«وإسناد التبشير إلى الرب بصيغة المضارع، المفيد للتجدد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدد إدخال السرور بذلك لهم؛ لأن تجدد التبشير يؤذن بأن المبشر به شيء لم يكن معلوما للمبشر» 52.
3.تبشير الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات.
أخبر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم النعيم والكرامة في الآخرة، وهو البشرى التي يبشر الله بها عباده.
كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ ? لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذَ?لِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ?) [الشورى: 22 - 23] .
وهذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه:
الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان، وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى.
الثاني: أنه تعالى قال: (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ) ، وقوله: (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ) يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها.
الثالث: أنه تعالى قال: (ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر.
الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم، فقال: (الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ) وذلك يدل أيضًا على غاية العظمة 53. وجمع العباد المضاف إلى اسم الجلالة للتقريب، ورفع الشأن.
ثانيًا: الملائكة:
1.تبشير الملائكة مريم بعيسى عليهما السلام.
أخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، قال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران: 45] .
2.تبشير الملائكة إبراهيم عليه السلام وزوجه بإسحاق ويعقوب عليهما السلام.
أخبر تعالى أن الملائكة بشرت إبراهيم عليه السلام بإسحاق عليه السلام، قال تعالى: (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الحجر: 53] .
والعليم: أي عليم بالشريعة بأن يكون نبيًا، كما قال في آية الصافات: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [الصافات: 112] .
والملائكة بشرت زوج إبراهيم عليه السلام بإسحاق ويعقوب عليهما السلام، قال تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود: 71] .
فالمبشر إبراهيم وزوجه، لكن وقت البشارة قد يكون في وقت واحد، وقد يكون في وقتين متقاربين بشروه بانفراد، ثم جاءت امرأته فبشروها.
3.تبشير المستقيمين على الصراط المستقيم بالجنة.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30 - 32] .
يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: (نَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30] .
أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملًا، فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) الكرام، أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار (أَلَّا تَخَافُوا) على ما يستقبل من أمركم (وَلَا تَحْزَنُوا) على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولًا ويقولون لهم أيضًا، مثبتين لهم، ومبشرين (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ?) يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 24] .
ويقولون لهم أيضًا: (وَلَكُمْ فِيهَا) أي: في الجنة (مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ) قد أعد وهيئ (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نزلٌ وضيافة (غَفُورٍ) غفر لكم السيئات (رَّحِيمٍ) حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم، فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته أنالكم المطلوب 54.
ثالثًا: الرسل:
أخبر الله سبحانه وتعالى أن من سنته في خلقه إرسال الرسل ببشارة أهل طاعته بالجنة والفوز العظيم يوم القيامة، وإنذار أهل معصيته بالنار والعقاب الأليم يوم القيامة، فتقوم عليهم الحجة، فيسعد أهل الجنة عن بينة، ويشقى أهل النار عن بينة.
كما قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ? فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?48?) [الأنعام: 48] .
وذلك مستلزم لبيان المبشر والمبشر به، والأعمال التي إذا عملها العبد، حصلت له البشارة، وقد تكرر هذا المعنى في مواضع أخر من القرآن.
منها قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?165?) [النساء: 165] .
فإرسال الرسل لقطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم، واستحقوا غضب الله وعقابه.
وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها بقوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى?) [طه: 134] .
وأشار لها في قوله: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] .
وإنها لتبعة عظيمة ألقيت على الرسل صلوات الله عليهم ومن بعدهم على المؤمنين برسالاتهم، تجاه البشرية كلها، وهي تبعة ثقيلة بمقدار ما هي عظيمة، إن مصائر البشرية كلها في الدنيا وفي الآخرة سواء، منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم، فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر، تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم، ويترتب ثوابهم أو عقابهم، في الدنيا والآخرة.
فأما رسل الله صلوات الله عليهم فقد أدوا الأمانة، وبلغوا الرسالة، ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل، وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها -مع هذا- قدوة ممثلة في العمل، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق، سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين، كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، بما أنه المبلغ الأخير، وبما أن رسالته هي خاتمة الرسالات، فلم يكتف بإزالة العوائق باللسان، إنما أزالها كذلك بالسنان (حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) [البقرة: 193] .
وبقي الواجب الثقيل على من بعده، على المؤمنين برسالته، فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجيء بعده صلى الله عليه وسلم وتبليغ هذه الأجيال منوط بعده بأتباعه، ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة -تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا- إلا بالتبليغ والأداء على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى.
فالرسالة هي الرسالة والناس هم الناس، وهناك ضلالات وأهواء وشبهات وشهوات، وهناك قوى عاتية طاغية تقوم دون الناس ودون الدعوة وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل وبالقوة، الموقف هو الموقف والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس، ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء، بلاغ بالبيان، وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون، وبلاغ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة، وتفتن الناس بالباطل وبالقوة، وإلا فلا بلاغ ولا أداء، إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله، فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعة؟ وهي تبعة تقصم الظهر، وترعد الفرائص، وتهز المفاصل؟! 55.
1.تبشير موسى عليه السلام قومه بالنصر على فرعون في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 87] .
2.تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بما أمره به ربه عز وجل.
أمر الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بتبشير أصناف من عباده بما يسرهم ويفرحهم في الدنيا والآخرة، وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ? قَالُوا هَ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?25?) [البقرة: 25] .