فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 2431

أولًا: تحري القصد الحسن:

مما ينبغي على المحاور والداعية حتى يكون منصفًا أن يتحرى القصد الحسن من حواره ودعوته، بأن يكون هدفه إظهار الحق، والرغبة في الوصول إليه، وانظر إلى نبي الله شعيب عليه السلام بعد المحاورة الطويلة لقومه، كيف بين مقصوده من حواره، ودعوته لهم، حيث أخبر الله عنه أنه قال: {يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود:88] .

فقوله: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ} يعني: هذا هدفي ومقصدي من دعوتي لكم، وهو قصد حسن، وهكذا ينبغي أن يكون قصد كل محاور وداعية ومتكلم، أن يكون قصده الإصلاح لا الإفساد، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل.

يقول السمرقندي: في قوله: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ} أي: ما أريد إلا العدل 67. والعدل من معاني الإنصاف.

وقد فضح سوء نواياهم الداعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيته مما دعاهم إليه، بقوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود:88] .

مصادفًا محز جودة الخطابة؛ إذ رماهم بأنهم يعملون بضد ما يعاملهم به 68.

ولما بين لهم حقيقة عمله، وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه، أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله، فقال: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود:88] .

فسمى إرادته الإصلاح توفيقًا، وجعله من الله، لا يحصل في وقت إلا بالله، أي: بإرادته وهديه 69.

والمقصود: أن من متطلبات الإنصاف في الحوار تحري القصد الحسن من المحاورة، أو من الدعوة؛ وهذا من علامة الإخلاص لله، والرغبة في طلب الحق.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] .

فمن الإنصاف أن يكون الداعي مقصده صالحًا، وغرضه حسنًا، بالحرص على ظهور الحق، وهداية الخلق، فهذا له أثر عظيم في قبول الحق، فمتى علم الناس من الداعية حسن القصد، ونبل الهدف، أثر ذلك فيهم تأثيرًا عجيبًا.

ثانيًا: التثبت والتبين:

من لوازم الإنصاف التثبت والتبين، حتى لا يخرج المسلم عن العدل والإنصاف في قوله وحكمه، أو يتسرع في الحكم على قول أو فعل أو شخص دون تبين وتثبت.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) } [الحجرات:6] .

قال الشافعي رحمه الله: فأمر الله من يمضي أمره على أحد من عباده أن يكون مستبينًا قبل أن يمضيه 70. حتى لا يجانب العدل والإنصاف.

وها هنا فائدة لطيفة، وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه، ورد شهادته جملة، وإنما أمر بالتبين، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر، فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته، وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري، وفسقه من جهات أخر، فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته، ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة، ولا سيما من فسقه من جهة الكذب، فإن أكثر منه وتكرر، بحيث يغلب كذبه على صدقه، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته، وإن ندر منه مرة أو مرتين ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمهم الله 71.

وخصص الفاسق بالتبين والتثبت في قوله لأنه مظنة الكذب، وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء، فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها، فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها، وأن تكون أنباؤهم مصدقة مأخوذًا بها، فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره؛ وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطًا بين الأخذ والرفض؛ لما يصل إليها من أنباء، ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق، فتصيب قومًا بظلم عن جهالة وتسرع، فتندم على ارتكابها ما يغضب الله، ويجانب الحق والعدل في اندفاع 72.

ولهذا قال: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} لأن المؤمن إذا وقع في هذا المحظور المنهي عنه، وهو ظلم الناس، أو أذية الناس بسبب تناقل الأخبار يندم على ذلك، وبخاصة وأن قبول خبر الفاسق يؤدي إلى الرغبة في الانتقام من هذا الفاعل أو معاقبته أو أذيته، فإذا بادرت وعاقبته وتعجلت بناءً على هذا الخبر من الفاسق، فربما يتبين لك بعد ذلك أنه كان مظلومًا، فيملؤك الندم على ما فعلت من ترك التثبت، وعدم الحيطة، وقبول خبر الفاسق.

فلا يعجل من بلغه خبر، وبخاصة إن كان عن حميم أو قريب لمجرد قوله ذلك، فكم حدث في التاريخ القديم والحديث نتيجة أنباء الفسقة الكاذبين من قتل بظلم، وسجن بظلم، وأخذ مال بظلم، وحصل الندم، ولكن بعد فوات الأوان، فإن كان الأذى موتًا فلا حيلة في إحيائه مرة أخرى، وإن كان ضربًا وإيذاءً فلا حيلة في زوال ذلك الضرب، وقد أوذي المرء وأهين.

وهذه الآية ستبقى دستورًا للأخبار والمعاملات للرواة وللمحدثين ولأهل العلم وللحكومات وللقضاة وللمتتبعين للأخبار، بحيث يستوثقون من أي خبر جاء، خاصة إذا كان المخبر يأخذ مالًا، ويأخذ راتبًا على هذه الأخبار، فهو عندما لا يجد خبرًا، ولا يسمع نبأ، يذهب ويكذب ويخترع ليحوز المال، فهو كاذب، ولا يفرح لمثل هذا، فانتقام الله منه يكون عظيمًا في الدنيا قبل الآخرة 73.

والمراد من التبين التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر ... ، وقوله: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} أي: كراهة أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا؛ لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة؛ لأنه لم يصدر عن علم، والمعنى: متلبسين بجهالة بحالهم، فتصبحوا على ما فعلتم بهم من إصابتهم بالخطأ نادمين على ذلك، مغتمين له، مهتمين به 74.

والمقصود: إن من الإنصاف التثبت والتبين من خبر الفاسق قبل الحكم على الناس، أو اتهامهم، أو عقابهم، حتى لا يقع المسلم في الظلم والجور، ثم يندم حيث لا ينفع الندم.

ثالثًا: إحسان الظن:

ومن لوازم الإنصاف حسن الظن بالمسلم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] .

فنهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فإن بعض الظن إثم؛ وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا إساءة الظن بالمسلم، وبغضه وعداوته، المأمور بخلاف ذلك منه 75.

قال ابن كثير: يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا 76.

فالآية تأمر المؤمنين باجتناب كثير من الظن، فلا يتركوا نفوسهم نهبًا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك، وتعلل هذا الأمر {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وما دام النهي منصبًا على أكثر الظن، والقاعدة أن بعض الظن إثم، فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيئ أصلًا؛ لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثمًا؟! بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيئ، فيقع في الإثم، ويدعه نقيًا بريئًا من الهواجس والشكوك، أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء، والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع.

وما أروع الحياة في مجتمع بريء من الظنون! ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب، بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل، وسياجًا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظنة، ولا يحاكمون بريبة، ولا يصبح الظن أساسًا لمحاكمتهم، بل لا يصح أن يكون أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ظننت فلا تحقق) 77.

ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم وحرياتهم واعتبارهم، حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه، ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم! فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص؟! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلًا، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير 78.

والمقصود: أن المسلم لكي يكون منصفًا مع الخصم أو مع الناس عمومًا لا بد أن يترك الظن السيئ بهم، بل لا بد من حسن الظن بالطرف الآخر واحترامه، وهذا مما يسهل الوصول إلى قلبه، وتملكه وإقناعه.

وسبب تحريم سوء الظن: أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، فعند ذلك لا يمكنك ألا تعتقد إلا ما علمت وشاهدت بنفسك، وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك، فإنما يلقيه إليك الشيطان.

وللأسف الشديد هذا شائع في مجتمعنا، أعني: سهولة تداول الطعن في الأعراض في المجالس، فما أن تقع خطوبة بين طرفين، أو يفتح الكلام على ذلك -ولو لم يتحقق- حتى تجد من يقبل هذا الكلام، وربما حققه وقطع به، وبنى عليه أحكامه، ثم يشيعها في الناس، هذا شائع وموجود! فهذا من الظلم، وهذا مما يخالف هذا التوجيه القرآني.

ومن الناس من يتلقى الخبر من الجرائد، ومن المشاهدة للإعلام، فيظل يروج بكلام كثير جدًا، فينبغي أن يتحرى المؤمن هذا الذي ينقله، أو يبني عليه أحيانًا، ولا بد من تجنب الظنون السيئة ما لم يشاهد بعينه، ولم يسمع بأذنه.

فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف بعيان لا يقبل التأويل؛ لأننا نحن البشر، بل كل الخلق لا يستطيع أحد منهم أن يطلع على أسرار القلوب، فأسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى، أما البشر فليس لهم إلا الظاهر، فإذا ظهر من شخص شيء، وبان لك عيانًا ببينة، فهنا يحق لك أن تظن ما يليق بهذا الذي ظهر منه، أما إذا لم يظهر منه شيء ولا أمارة صحيحة على ذلك، فليس من حقك أن تظن به، وإلا فقد ظلمته واستحققت عقاب الله تبارك وتعالى.

رابعًا: القول الحسن:

ومن آداب الإنصاف في الحوار والجدال الحرص على القول الحسن.

قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] .

والمعنى: ادع أيها النبي الناس إلى دين الله، وشريعة ربك، وهي الإسلام، بالحكمة، أي: بالقول المحكم، والموعظة الحسنة، أي: بالعبرة والتوجيه والكلمة المؤثرة في القلوب، والتلطف بالإنسان، بإحلاله وتنشيطه؛ ليحذر الناس بأس الله تعالى، ويحققوا لأنفسهم النجاح، وجادلهم بالتي هي أحسن، أي: وحاججهم محاجة تتصف بالحسن، والإقناع والإنصاف، وبالرفق واللين، ولطف الخطاب، والصفح عن المسيء، وقابل الإساءة بالإحسان، واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون رفع الصوت أو السب، أو التعيير، أو التهكم والاستهزاء 79.

ومما يبين ذلك: قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46] .

فقوله: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول، والدعاء إلى الله، والبينة على آيات الله وحججه 80. كمعاملة الخشونة باللين، والغضب بالحلم، والمشاغبة، أي: تحريك الشر وإثارته بالنصح، أي بتحريك الخير وإثارته، والعجلة بالتأني والاحتياط على وجه لا يؤدي إلى الضعف، ولا إلى إعظام الدنيا الدنية 81.

والجدال: هو الخصام، أي: لا تخاصموهم، ولا تناقشوهم، ولا تحاوروهم إلا بالكلمة الطيبة، فلا تعنيف، ولا شتيمة، ولا صراخ، ولا تقبيح، ولا شتم وذم.

فالله جل جلاله أمرنا عند محاورة أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن نجادلهم، وأن نستدل عليهم بالتي هي أحسن، أي: بالكلمة الحسنة والطيبة، من غير أن يكون هناك خصام ولا شتيمة.

وأن ندعوهم إلى القرآن وإلى الإسلام وإلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بالكلمة الطيبة 82.

ومن الآيات التي تدل على ذلك قوله تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء:53] .

أي: وقل لعبادي يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم مع خصومهم من المشركين وغيرهم: الكلام الأحسن للإقناع، مع البعد عن الشتم والسب والأذى 83.

وقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} يقول: إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضًا، وينزغ بينهم، أي: يفسد بينهم، ويهيج بينهم الشر 84.

قال ابن كثير: يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه بها 85.

ونظيره قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] يعني: حقًا 86 والحق فيه دلالة على الإنصاف.

والحاصل: أن كلمة حسنًا واسعة الدلالة، فهي ترمز لمعانٍ شتى، من أعظمها الإنصاف في القول، فالإنصاف في القول من أعظم المحاسن.

وكلمة الناس في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} عامة، أي: للناس كلهم 87.

والمقصود: أن من آداب الإنصاف اتخاذ هذا الأسلوب من الجدال، بالتي هي أحسن، كي يستخفه السمع، ويقبله الطبع، فالجدال والنقاش بالأسلوب الحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة أدعى عند العقلاء إلى توفير القناعة، والوصول إلى الإيمان، وتحقيق الهدف المقصود.

فالآيات السابقة تأمر بالجدال بالتي هي أحسن إذا لزم الجدال، وبالتزام الحكمة، والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله.

فالخير كل الخير هو في تلك الخطة، فإذا كان من الكفار من يشذ ويعنف، ورأى بعض المسلمين ضرورة للمقابلة، فلتكن في حدود المماثلة، والصبر مع ذلك هو الأفضل، وعلى المسلمين أن يملكوا زمام أنفسهم، فلا يخرجوا عن حد الاعتدال والإنصاف، ولا يحزنوا، ولا يضق صدرهم بما يرونه من مكر الكفار، ومواقفهم وتعنتهم، وعليهم بتقوى الله، والعمل الحسن الذي يرضيه، وإنه لمع المتقين المحسنين 88.

فهؤلاء أهل الكتاب من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن، برفق ولين، وحسن خطاب، واصفح عمن أساء في القول، وترفق بهم في الخطاب، وقابل السوء بالحسنى، واقصد من الجدال الوصول إلى الحق، دون رفع الصوت، وسب الخصم أو الأذى، كما قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بلين الجانب، ولطف الخطاب، كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } [طه:44] .

فعلى كل داعية امتثال هذا الأمر الإلهي في دعوته 89.

وهكذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ينصف فيها بعضهم بعضًا، كما حكى القرآن بقوله: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران:64] .

وإذا كان قد دعاهم إلى هذا الإنصاف، وإلى ترك التعصب جانبًا، وعدم الخضوع لأسبابه، فإن حال الذين يخاطبهم إحدى حالين: إما أن يخلصوا في طلب الحق، ويجيبوا داعيه، وتلك خير الخصلتين، وإما أن لا يجيبوا داعيه، وتلك هي السوأى، فإن كانت الأولى فتلك هداية الله، وإن كانت الثانية، فإن الله تعالى قد كتب عليهم الشقوة، ولا سبيل لأن يدخل قلوبهم، فإن من طلب منه الإنصاف، فأعرض عنه فلا سبيل إلى هدايته، والجدل معه لا يجدي؛ ولذا قال سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي: فإن أعرضوا، ونأوا بجانبهم عن إجابة داعي الإنصاف، والدعوة بالتي هي أحسن، فلا تجادلوهم، ولا تحاجوهم، فإن الجدل مع من لم يجب داعي العدالة لا يزيده إلا لجاجة وعنادًا؛ وإن الحقائق تتبعثر على ألسنة المتجادلين، ويتبدد رونقها، ويذهب بهاؤها، وتفقد النفس عند الجدل الإيمان بالحقائق، والإذعان لها.

بل أمرهم الله تعالى بقوله: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي: يقول النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين لأولئك الذين مردوا على الجدال، وبعثرة الحقائق في حومة الجدل: اشهدوا بأنا مسلمون، مذعنون لطلب الحق، فلا تحاولوا أن تغيرونا عما اعتقدنا، وقد أنصفناكم بالدعوة إلى كلمة الحق والإنصاف، فلم تجيبوا، والآن ننصفكم مرة أخرى بأن نشهدكم بأننا مخلصون في طلب الحق، مذعنون له.

ومن جانبنا فإن أذعنتم مثلنا فنعما هي، وإن لم تذعنوا فلنا ديننا، ولكم دينكم، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين، وإن إعلان الإذعان للحق من جانب المؤمنين فيه دعوة للحق بإعلان المثل الواضح البين السامي، وهو يؤثر في الدعوة إلى الحق أكثر من الجدل؛ إذ يكون فيه ذكرى لمن له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، وإن الجدل يثير غبارًا يجعل الوصول إلى الحق عسيرًا وسط عجاجة المتجادلين.

وإن هذه الآية الكريمة صورة سامية من الدعوة إلى الحق؛ ولذا كان يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم منهاجه في دعوته، فقد كانت في الصيغة التي اختارها في دعوة الملوك والحكام الكبراء إلى الإسلام 90.

خامسًا: ترك الجدال المذموم:

ومن آداب الإنصاف ترك الجدال المذموم، والجدل لأجل دفع الحق ورده، بل متى استبان الحق، وظهرت معالمه، فمن الإنصاف قبوله، والتسليم له، وقد أمر الله بالمجادلة بالحسنى، قال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] .

قال القاسمي: دل قوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} على الحث على الإنصاف في المناظرة، واتباع الحق، والرفق والمداراة، على وجه يظهر منه أن القصد إثبات الحق، وإزهاق الباطل، وأن لا غرض سواه 91.

فالمنصف إذا تجلت له الحجة، وبان له الحق لم يتوقف عن قبول الحق، ولم يستمر في العناد والجدال.

وقد ضرب لنا القرآن الكريم أمثلة كثيرة في الإنصاف حال الجدال والمناظرة مع الخصم، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) } [سبأ:24] .

وهذه ملاطفة، وتنزل في المجادلة، إلى غاية الإنصاف، كقولك: الله يعلم أن أحدنا على حق، وأن الآخر على باطل، ولا تعين بالتصريح أحدهما، ولكن تنبه الخصم على النظر، حتى يعلم من هو على الحق، ومن هو على الباطل، والمقصود من الآية: أن المؤمنين على هدى، وأن الكفار على ضلال مبين 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت