فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 2431

قال ابن عاشور: «والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه؛ لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان، مليء بإضمار الشر لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم وسخريته بهم، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قبله، وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية» 127.

وقال تعالى في شأن الأولياء والصالحين وغيرهم: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) } [الفرقان:17 - 19] .

قال السعدي في هذه الآية: «يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي: المكذبين المشركين {وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ} الله مخاطبًا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ {قَالُوا سُبْحَانَكَ} نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا} أي: لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدًا بعبادتنا؟! هذا لا يكون، أو سبحانك عن {أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله، ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين، فقالوا: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} في لذات الدنيا وشهواتها {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} اشتغالًا في لذات الدنيا، وإكبابًا على شهواتها.

{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} أي: بائرين لا خير فيهم، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخًا وتقريعًا للعابدين {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم، فحق عليكم العذاب {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا} للعذاب عنكم بفعلكم، أو بفداء أو غير ذلك {وَلَا نَصْرًا} لعجزكم وعدم ناصركم، هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين، وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه، فقال في حقه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ} بترك الحق ظلما وعنادًا {نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره» 128.

وقال تعالى في شأن الأصنام: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) } [الأحقاف:5 - 6] .

أي: لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالين والاستفهام للتوبيخ والتقريع {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها.

والمعنى: أن الأصنام التي يدعونها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات، فالغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء؛ لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ} العابدون للأصنام {كَانُوا} أي: كان الأصنام {لَهُمْ} أي: لعابديهم {أَعْدَاءً} يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم، وقيل: المراد إنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} أي: كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] ، والأول أولى 129.

لقد فرض الله تعالى عن الناس عبادات لها مقاصدها وآثارها في إصلاح الفرد والمجتمع، وفي تزكية الأنفس وإصلاح القلوب، ولها آثار ونتائج مفيدة.

وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:

أولًا: مقاصد العبادة:

إن المقصد الأعظم والباعث الأساسي للعبادة هو استحقاق الله تعالى لذلك، فنحن نعبد الله جل وعلا؛ لأنه مستحق للعبادة؛ وتحقيقًا للغاية التي من أجلها خلق الإنس والجن.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .

فالمقصد الأصلي للعبادات هو تحقيق العبودية لله والانقياد له سبحانه وتعالى.

قال الشاطبي: «إن مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته» 130.

ونجد أن هذا المعنى قد تقرر في القرآن بأساليب مختلفة، منها ما جاء بصيغة الأمر.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة:21] .

وقال تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} [الزمر:66] .

إلى غير ذلك من الآيات 131.

وهناك بعض المقاصد للعبادات قد نص الله تعالى عليها في كتابه، وبين ثمرتها وفائدتها، ومن ذلك:132

أنه قال في الصلاة: {فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14] .

قال السعدي: «وقوله: {لِذِكْرِي} اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي؛ لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصًا الصلاة.

قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] .

أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة؛ لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح» 133.

وقال في الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103] .

والصدقة تطلق على الفرض والنفل وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه 134.

وقد بين الله تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة، فقوله: {تُطَهِّرُهُمْ} أي: من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة، وتطهر المال من الأوساخ والآفات، وأما قوله: {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} فالزكاة هي النماء والزيادة، فهي تنمي المؤتي للزكاة، تنمي أخلاقه، وتحل البركة في أعماله، وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره، وتحل فيه البركة من الله 135.

ونسبت التزكية إلى رسول الله؛ لأنه هو المربي للمؤمنين على ما تزكو به نفوسهم 136.

وفي الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه؛ لأنه تعالى جعل للعاملين سهمًا منها 137.

وفيها دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وأن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها 138.

وقال في الصيام: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة:183] .

قال أبو زهرة: «وقد بين الله تعالى حكمة شرعيته بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي رجاء منكم لأن تصلوا إلى درجة المتقين، فتتقوا المعاصي، وسيطرة الأهواء والشهوات على نفوسكم، وذلك لأن الصوم يربي النفس على الضبط، والاستيلاء على أهوائها وشهواتها، وحيث قويت الإرادة قوي سلطانها على الالتواء وعلى الشهوات» 139.

وفي الآية تأكيد للحكم، وترغيب في الفعل، وتطييب لأنفس المخاطبين فإنه عبادة شاقة، والأمور الشاقة إذا عمت كثيرًا من الناس سهل تحملها ورغب كل أحد في عملها 140.

وقال في الحج: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج:27 - 28] .

قال الرازي: «لما أمر بالحج في قوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجروا في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا وهو الأولى، ثم نكر المنافع؛ لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات» 141.

ولأن العبادات شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال 142.

وكنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا وذبحوا، وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى، وأن يخالف المشركين في ذلك، فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان 143.

ثانيًا: آثار العبادة:

إن الإسلام قد فرض على الناس عبادات لها أثر حسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس 144، فأثرها يتمثل في تقويم أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، وتوجيههم الوجهة النافعة، وقد أوصى الله عباده بالفضائل، وحذرهم من الرذائل، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل:90] 145.

ومن الآثار المترتبة على العبادات: انشراح الصدر، وراحة البال، وسعة الرزق، وسلامة الإنسان وارتياحه واطمئنانه، وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة تدل على تلك الآثار، وعلى أن تقوى الله عز وجل والأعمال الصالحة يترتب عليها سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

قال الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:96] .

فإن هذه الآية الكريمة تدل على أن من اتقى الله عز وجل وآمن به، فإن الله تعالى يثيبه ويعطيه في الحياة الدنيا من الرزق، ويفتح عليه من بركات السماء والأرض وما ذكره الله في هذه الآية عن أهل القرى، هو من الثواب الدنيوي على الإيمان والتقوى، وأما الثواب الأخروي للمؤمنين المتقين، فقد ذكره الله تعالى في قوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) } [المائدة:65] .

وقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) } [الأحزاب:70] .

وهذه عبادة، ثم ذكر الأثر المترتب على ذلك بقوله: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) } [الأحزاب:71] .

فإن إصلاح الأعمال في الدنيا، ومغفرة الذنوب في الآخرة، من الآثار المترتبة على العبادة، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ذكر آثار تترتب على العبادة في الدنيا وفي الآخرة.

وقال تعالى فيما حكاه عن نوح وقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح:10 - 12] .

فإن هذه الأمور من الآثار المترتبة على العبادة، فالعبادة هنا هي الاستغفار والآثار المترتبة عليها في هذه الآية هي أنه يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهارًا، ومثل هذه الآية 146.

وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل:97] .

قال القاسمي في هذه الآية: «فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين» 147، ثم إن من العبادات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكل واحدة منها لها آثار طيبة في حياة المسلم.

فالصلاة هي عمود الإسلام، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] .

وهي صلةٌ وثيقةٌ بين العبد وبين ربه، فإذا حافظ الإنسان على الصلوات في المساجد جماعة مع المسلمين فإنه تقوى صلته بالله عز وجل؛ لأنه يكون على صلة بالله دائمًا وأبدًا في اليوم والليلة 148؛ لذلك حث الله تعالى على إقامة الصلاة في الجماعة، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة:43] .

ومن آثارها أنها تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا، قال تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153] 149.

ثم إن الزكاة آثارها عظيمة فهي تطهر النفس من الشح والبخل، وتطهر المال، وتكون سببًا في نمائه وكثرته، وبذلك يحصل الخير والفلاح والفوز 150.

قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) } [التوبة:103] .

وقال ابن عاشور في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن:16] .

«والمعنى: أن الإنفاق يقي صاحبه من الشح المنهي عنه، فإذا يسر على المرء الإنفاق فيما أمر الله به فقد وقي شح نفسه، وذلك من الفلاح وإضافة الشح إلى النفس؛ للإشارة إلى أن الشح من طباع النفس، فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها، قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128] » 151.

وأما الصيام فإن آثاره عظيمة، ونتائجه كبيرة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة:183] .

قال المراغي: «فرضه عليكم ليعدكم لتقوى الله بترك الشهوات المباحة الميسورة؛ امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك العزيمة والإرادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، وإعداد الصوم لتقوى الله يظهر من وجوه كثيرة، منها: أنه يُعوِّدُ الإنسان الخشية من ربه في السر والعلن، ويكسر حدة الشهوة، ويجعل النفس مصرفة لشهواتها بحسب الشرع، ويعود الشفقة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا من أولئك البائسين، فيرق قلبه لهم ويشفق عليهم، وفي ذلك تكافل للأمة وشعور بالأخوة الدينية» 152.

وأما الحج فإنه عبادة عظيمة، ولها آثار طيبة، ونتائج حميدة في حياة الإنسان.

قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197) } [البقرة:197] .

فالحج غذاء روحي كبير تمتلئ فيه جوانح المسلم خشية وتقى لله رب العالمين، ففي كل منسك من مناسكه غذاء للروح، فما الإحرام إلا تجرد من شهوات النفس والهوى، وحبس للنفس عما سوى الله عز وجل، وحث على التفكير في عظمة الله جل جلاله، وحث على تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح فالحاج في لباس إحرامه يذكر الميت في أكفانه، وما التلبية إلا استجابة وذكر وطاعة وامتثال، وما الطواف بعد التجرد إلا استحضار لعظمة الله تعالى حول بيته، وامتثال لأمره {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] .

وما السعي بين الصفا والمروة إلا تردد بينهما التماسا لرحمة الله تعالى وطلبا لمغفرته، وما الوقوف بعرفة إلا بذل للمهج في الضراعة إلى الله بقلوب مملوءة بالخشية وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة لاهجة بالدعاء وآمال صادقة في أرحم الراحمين، وما الرمي بعد ذلك إلا رمز لاحتقار عوامل الشر ونزعات الشيطان، وما الذبح إلا إراقة للدم الذي أمر الله به أن يراق ورمز للتضحية والفداء {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } [الأنعام:162] .153.

والحاصل أن هذه العبادات العظيمة التي شرعها الله عز وجل، وبنى عليها دينه الحنيف، تترتب عليها آثار طيبة في حياة المسلم الدنيوية، وآثار عظيمة في حياته الأخروية 154.

موضوعات ذات صلة:

الحج، الزكاة، الصبر، الصلاة، الصيام، الطهارة

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 205 - 207 بتصرف يسير.

2 المخصص، ابن سيده 4/ 62.

3 تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 138.

وانظر: لسان العرب، ابن منظور 3/ 273، تاج العروس، الزبيدي 8/ 331.

4 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 26.

5 العبودية، ابن تيمية ص 44.

6 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 134.

7 شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله الغنيمان 1/ 46.

8 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 180.

9 مفاتيح الغيب، الرازي 32/ 243 بتصرف.

10 المصدر السابق 28/ 193 بتصرف

11 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 180.

12 المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص 92.

13 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 441 - 445.

14 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي 1/ 431 - 432.

15 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 470.

16 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 431.

17 انظر: التعريفات، الجرجاني 1/ 140، اللباب في علوم القرآن، ابن عادل 10/ 397، محاسن التأويل، القاسمي 4/ 523.

18 الكليات، الكفوي ص 583.

19 المفردات، الراغب الاصفهاني ص 802.

20 تاج العروس، الزبيدي 27/ 372.

21 البحر المحيط، أبو حيان 1/ 44.

22 لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، فاضل السامرائي ص 45.

23 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 97 - 98 بتصرف واختصار.

24 تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ص 12.

25 محاسن التأويل، القاسمي 1/ 230.

26 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 125 بتصرف واختصار.

27 مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين 6/ 32.

28 المصدر السابق 1/ 89.

29 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 126 - 127.

30 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 126 بتصرف يسير.

31 مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين 6/ 33.

32 المصدر السابق 1/ 89.

33 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 813.

34 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 425.

35 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 25 بتصرف.

36 المصدر السابق 27/ 28.

37 فتح القدير، الشوكاني 5/ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت