أولًا: المعنى اللغوي:
الأمية: مؤنث الأمي ومصدر صناعي معناه: الغفلة أو الجهالة، والأمي: نسبة إلى الأم أو الأمة، وهو من لا يقرأ ولا يكتب، والعيي الجافي. والجمع: أميون 1.
فالأمي: هو الذي على خلقته لم يتعلم الكتابة ولا القراءة، فهو على جبلته التي خلق عليها 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الأمية: الصفة التي هي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة ولا قراءتها، أو هو من لا يحسن الكتابة؛ لأنه لا يقدر عليها 3.
وبالرجوع إلى علماء التفسير نجدهم عرفوا الأمية بمعنيين: معنى عام، ومعنى خاص. أما المعنى العام: فيعني الجهل والضلالة والظلام، ولا ترتفع عن أمة حتى تخرج من الجهل والضلالة والظلام إلى العلم والهدى و، ولا يخرجها من هذا إلا نبي وكتاب، وأما المعنى الخاص فهو عدم معرفة الكتابة، ولا ترتفع الأمية عن أحد حتى يعرف الكتابة 4.
والنبي صلى الله عليه وسلم ما مات إلا وقد رفع الأمية عن أمته بما يكفي لنقل هذا الدين كاملًا غير منقوص، من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، إلى يومنا هذا.
فالمعنى الاصطلاحي موافق للمعنى اللغوي على المعنى الأول للمعنى الاصطلاحي، وعلى المعنى الثاني له يخص ببعض أجزاء المعنى اللغوي.
وردت الأمية في القرآن (6) مرات 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 2 ... {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ} [الأعراف:157]
الجمع ... 4 ... {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة:2]
ولم يخرج الاستعمال القرآني لكلمة الأمي عن مدلولها اللغوي، وهو: من لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وهو الباقي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة 6.
الجهل:
الجهل لغة:
ضد العلم، وتجاهل: أظهر الجهل وهو ليس بجاهل، واستجهله: عده جاهلًا واستخفه، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه، والجاهل: ضد العاقل، والجهل: ضد الخبرة، والجاهلية: زمن الفترة، وهي حال العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدين، وما كانوا عليه من المفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر وغير ذلك من الأخلاق المذمومة 7.
الجهل اصطلاحًا:
«أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه» 8.
الصلة بين الجهل والأمية:
الجهل عدم معرفة فرع من فروع العلوم الإنسانية أو الطبيعية؛ فالمهندس جاهل بعلوم الطب، والعكس صحيح، وهكذا، فالجهل نسبي يختلف من شخص لآخر.
أما الأمية فهي قد تعني: أمية أبجدية، أو أمية ثقافية، أو أمية تقنية، وأكثرها أمية أبجدية، وهكذا.
الفهم:
الفهم لغة:
العلم بالشيء ومعرفته 9.
وفي لسان العرب: الفهم معرفتك الشيء، وهو حسن تصور المعنى 10.
الفهم اصطلاحًا:
هو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والقدرة على التفسير والشرح وإدراك المعلومات التي تعرض، أو إدراك ما يعنيه شخص بالقول أو بالعمل أو بالاستنباط 11.
الصلة بين الفهم والأمية:
«ليس هناك علاقة ما بين الفهم والأمية، فربما تجد بعض الأميين أفهم من بعض المتعلمين، وأن القراءة والكتابة ليست هي الفيصل؛ لذلك تجد فلاحًا يعبر عن فهم ثقافي أكبر من إنسان حصل على شهادة عليا» 12.
العلم:
العلم لغةً:
نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم 13، ويقال: «علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته» 14.
العلم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني: «العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشيء في العقل» 15.
وأنكر ابن العربي تعريف العلم؛ لوضوحه وقال: «العلم أبين من أن يبين» 16، وأنكر على من تصدى لتعريف العلم.
الصلة بين العلم والأمية:
العلم والأمية نقيضان، فالعلم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحدث منه أثر في نفس المتعلم، وعكسه الأمية تمامًا 17.
ولد الإنسان أميًا لا يعلم شيئًا، ووهب الله تعالى الإنسان وسائل إدراك الحقائق ومعرفة الموجودات، وهي السمع والأبصار والأفئدة، وهذا أيضًا يحتاج إلى القراءة والتأمل والتفكير العميق.
قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
ركز الإسلام على العلم؛ ليتمكن المسلم من الوصول إلى سر الكون وما وراء الكون، وبعد ذلك إلى الإيمان بالله، من خلال ما تركه في هذا الكون من آيات دالة على وجوده جل جلاله.
ثم ركز الله تعالى على الوعاء لهذا العلم ألا هو العقل فقد ذكره الله تعالى في مواضع متعددة من القرآن الكريم؛ إذ وصلت إلى أكثر من خمسين آية، ويمر الإنسان بمراحل متعددة حتى ينتقل من الأمية إلى العلم ذكرها الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .
المرحلة الأولى: خروج الإنسان من بطن أمه:
قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل: 78] .
فالله هو من أخرجنا من بطون أمهاتنا، هو خروج الطفل من بطن أمه عن طريق ما جعل الله في جسم الأم من قدرة؛ لدفع مولودها إلى الخارج فيخرج من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه، فما أن يخرج المولود إلا ويستقل بحياة خاصة، فيتنفس باستقلالية عن أمه، ويهضم الطعام، وتعمل أجهزة جسمه باستقلالية عن التبعية التي كانت تعمل به وهو في بطن أمه؛ لأن الحق سبحانه أراد أن يخرجه خلقًا آخر، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] 18.
وجاء لفظ الجلالة مبتدأ وخبره جملة فعلية، من باب الاختصاص، والله أخرجكم وحده من بطون أمهاتكم، وليس هناك من يفعل هذا غيره 19.
المرحلة الثانية: المكان الذي يخرج منه الإنسان:
ذكر الله تعالى مكان الخروج هو {مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} والمقصود بالبطون: الأرحام؛ وذكر البطن؛ لأنه مكان الرحم، ويصدق على المولود أنه خرج من رحم أمه أو خرج من بطنها.
فالأم هي من ولدت، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} ، وقال تعالى: {إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ} [المجادلة: 2] 20.
«وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة: (إمهاتكم) هنا وفي والزمر والنجم، بكسر الهمزة والميم. وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم؛ وإنما كان هذا للإتباع، الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل، وأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء تأكيدًا، كما زادوا هاء في أهرقت الماء، وأصله: أرقت» 21.
المرحلة الثالثة: الإدراك عند الإنسان:
يولد الإنسان لا يدرك شيئًا، وكل ما يدركه إنما هو بعد الولادة بواسطة الحواس التي منحه الله إياها، قال تعالى: {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} حال من الضمير في أخرجكم، فالمولود عند خروجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وما يفعله المولود من الصراخ ومصه اللبن من ثدي أمه، إنما هذا من الفطرة لا من العلم؛ لأن العلم كسبي؛ لأنه لا علم إلا بتعلم، و {شَيْئًا} يدل على النفي العام لأي علم عند هذا المولود 22.
فالمولود يكون في غفلة عن كل شيء حتى عن نفسه التي بين جنبيه، إلا أن مسألة إدراك الحقائق تكمن فينا بصورة القوة لا الفعل، وبالتدريج تحصل لأعيننا قوة النظر ولآذاننا قوة السمع، ولعقولنا القدرة على الإدراك والتجزئة والتحليل، فننعم بهذه العطايا الإلهية الثلاث التي بواسطتها نستطيع أن ندرك كثيرًا من التصورات، ونودعها في العقل لكي ننشئ منها مفاهيم كلية، ومن ثم نصل إلى الحقائق العقلية.
قال القرطبي: «لا تعلمون شيئًا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، أو لا تعلمون شيئًا مما قضي عليكم من السعادة والشقاء، أو لا تعلمون شيئًا من منافعكم» 23.
المرحلة الرابعة: وسائل المعرفة:
إن رسم صورة الشيء الخارجي المراد في الذهن وبواسطة الوسائل المعينة لذلك، وعليه فمعرفتنا بالعالم الخارجي تكون عن طريق أجهزة خاصة هي السمع والبصر والفؤاد.
لذلك بينت الآية مسألة عدم علم الإنسان المطلق حين الولادة، ثم جعل الله تبارك وتعالى: {السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} لكي تحصلوا على حقائق الوجود وتدركوها.
ونشاهد تقديم ذكر السمع على البصر في الآية مع ما للعين من عمل أوسع من السمع، ولعل ذلك؛ لسبق الأذن في العمل على العين بعد الولادة، حيث إن العين كانت في ظلام دامس في رحم الأم، ونتيجة لشدة أشعة بعد الولادة فإنها لا تستطيع العمل مباشرة بسبب حساسيتها، وإنما تتدرج في اعتيادها على مواجهة حتى تصل للحالة الطبيعية المعتادة، ولذا نجد الوليد في بداية أيامه الأولى مغلق العين. أما بخصوص الأذن، فثمة من يعتقد بأن لها القدرة على السماع قليلًا أو كثيرًا وهي في عالم الأجنة، وأنها تسمع دقات قلب الأم وتعتاد عليها 24.
أضف إلى ذلك أن الإنسان إنما يرى بعينه الأشياء الحسية فقط، في حين أن الأذن تعتبر وسيلة للتربية والتعليم في جميع المجالات، فالإنسان يصل بواسطة سماع الكلمات إلى معرفة جميع الحقائق، سواء ما كان منها في دائرة الحس أو ما كان خارجها، وليس للعين هذه السعة، وصحيح أن الإنسان يمكنه تحصيل العلم بواسطة القراءة، إلا أن القراءة ليست عامة لكل الناس، وسماع الكلمات أمر عام 25.
والفؤاد جاءت هنا بمعنى: القلب والعقل الذي يعيش حالة التوقد، وبعبارة أخرى: يعيش حالة التفسير والتحليل والابتكار.
يقول الراغب الأصفهاني: «الفؤاد كالقلب، لكن يقال له فؤاد: إذا اعتبر فيه معنى التفؤد. أي: التوقد» 26.
المرحلة الخامسة: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} :
تعتبر نعمة أجهزة تحصيل العلم من أفضل النعم التي وهبها الله للإنسان، فلا يقتصر دور العين والأذن مثلًا على النظر إلى آثار الله في خلقه، والاستماع إلى كتاب الله تعالى وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتفهم ذلك وتدركه بالتحليل والاستنتاج، بل إن كل خطوة نحو التكامل والتقدم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذه الوسائل الثلاثة.
وغاية إعطاء هذه الوسائل إنما تستوجب شكر الواهب؛ لأنه من خلالها يمكن الحصول على العلم والمعرفة اللذين بهما امتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات 27.
قال القرطبي: «لعلكم تشكرون فيه تأويلان:
أحدهما: تشكرون نعمه.
الثاني: يعني: تبصرون آثار صنعته؛ لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر» 28.
وختمت هذه الآية التي تتحدث عن السمع الأبصار والأفئدة باستحقاق الشكر لله؛ لأنها نعم نستخدمها في كل لحظة، فهي لا تفارقنا في الليل ولا في النهار، فهي أدعى أن تذكرنا بشكر خالقنا على ما أنعم علينا، فالآيات الأخرى التي تتكلم عن هذه النعم، تدعونا إلى شكر الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] .
وقال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] .
تعددت الآيات القرآنية التي تثبت أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترد على الذين يدعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعلم هذا القرآن من قراءته في كتب الأولين.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
وقوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] .
وقال ابن عباس: «كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميًا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب» 29.
أولًا: الأمية وصف كمال للرسول الكريم:
ومن أساليب المدح ذكره صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] .
لذا جاء الأمر بالإيمان به في قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] .
وقد خصه السياق بالأمية مدحًا، «والأمية وصف خص الله به من رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان ... صارت أميته آية على كون ما حصل له إنما هو من عند الله تعالى» 30.
كما قال الله في آية أخرى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .
ويعلق الزمخشري على هذه الآية قائلًا: «وأنت أميٌ ما عرفك أحدٌ قط بتلاوة كتاب ولا خطٍ. {إِذًا} لو كان شيء من ذلك، أي: من التلاوة والخط. {لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} من أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أميٌ لا يكتب ولا يقرأ ... أو لارتاب مشركو مكة، وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده» 31.
وصف الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه أمي، وهذا الوصف جاء في معرض إقامة الحجة على أهل الكتاب ومطالبتهم باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معناه: أن أميته لا تقدح إطلاقًا في رسالته، بل قد ذكرها الله لهم ليقول لهم: إني تقصدت أن يكون رسولي إليكم أميًا، وأنا آمركم أن تتبعوه؛ لأنه رسول ولأنه نبي ولأنه أمي.
وبالتالي فالأمية هي وصف اختاره الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون هذا الوصف من كماله صلى الله عليه وسلم.
قال أحمد شوقي 32:
يا أيها الأمي حسبك رتبةً
في العلم أن دانت بك العلماء
الذكر آية ربك الكبرى التي
فيها لباغي المعجزات غناء
صدر البيان له إذا التقت اللغى
وتقدم البلغاء والفصحاء
ثانيًا: حكمة كون النبي أميًا:
تجلت الحكمة الإلهية في اختيار النبي محمد صلى الله عليه وسلم أميًا لا يحسن القراءة والكتابة، فمن هذه الحكم:
1.إثبات صدق الرسالة، وأنها من عند الله تعالى.
محمد صلى الله عليه وسلم أمي ومعنى ذلك: أن ثقافته غير ثقافات البشر، علمه من رب البشر، فهو منزه عن أي علم أرضي يتفاخر به الناس فيما بينهم، وإنما تلقى علمه وأدبه وثقافته من خالق البشر جل جلاله، كما أخبر الله تعالى عنه في كتابه الكريم حيث قال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .
والمتأمل في أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] .
ليجد أنها تعالج قضية أمية النبي صلى الله عليه وسلم وتقضي على أي أثر سلبي لها.
فعندما سمع المصطفى صلى الله عليه وسلم خطاب الله له بـ {اقْرَأْ} أجاب عليه الصلاة والسلام وبما يتناسب مع قدراته فقال: (ما أنا بقارئ!) ، أي: لا أحسن القراءة، فقراءة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي باسم الذي علم بالقلم، وليست بتعليم أحد من أهل الأرض، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المختار من قبل الله تعالى لحمل منهج الله، كانت أميته صلى الله عليه وسلم صونًا وحفظًا من الله تعالى لهذا المنهج ومن أي تدخل أرضي بشري 33. فكانت أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلًا من أدلة صدقه ونبوته.
2.التحدي والإعجاز.
أرسل الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا، وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه، ومن أبرز هذه المعجزات أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن الثابت تاريخيًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد أميًا، وظل على ذلك إلى أن بعثه الله للعالمين وهو أمي، وهذا كمالٌ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته الشريفة.
يقول عنها ابن تيمية: «بين سبحانه من حاله ما يعلمه العامة والخاصة، وهو معلومٌ لجميع قومه الذين شاهدوه، متواترٌ عند من غاب عنه وبلغته أخباره من جميع الناس -أنه كان أميًا لا يقرأ كتابًا، ولا يحفظ كتابًا من الكتب؛ لا المنزلة ولا غيرها، ولا يكتب بيمينه كتابًا، ولا ينسخ شيئًا من كتب الناس، المنزلة ولا غيرها» 34.
إن الأمية بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم «وصف خص الله به من رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ إتمامًا للإعجاز العلمي العقلي الذى أيده الله به، فجعل الأمية وصفًا ذاتيًا له؛ ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة؛ ليظهر أن كماله النفساني كمال لدني إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه مع أنها في غيره وصف نقصان» 35.
ولما تحقق المنهج وسلم من أي نسبة بشرية أرضية، كان من الطبيعي أن يتحدى الله تعالى البشر جميعًا أن يأتوا بمثله، بل بسورة من مثله، وكان من الطبيعي أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان.
3.القضاء على الشبهات.
كما أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم تقضي على أي شبهة كان سيتمسك بها المشركون فيما لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن القراءة والكتابة، هذه الشبهة قد ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز حيث قال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .
أي: لو كنت تتلو من قبل القرآن من كتاب، أو كنت كاتبًا تخط الكتاب بيمينك، لشكك المبطلون في صدق دعواك أن القرآن من عند الله تعالى، ولقالوا: نقله محمد من الكتب السابقة، أو جلس على تأليفه وجمعه وتنقيحه.
قال النحاس: «وذلك دليل على نبوته؛ لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك» 36.
لكن هذا لم يتم لهم؛ لأن الله تعالى الذي اختار نبيه أن يكون أميًا عن ثقافاتهم الأرضية، وهذا كان حجة دامغة عليهم؛ إذ كيف يكون القرآن وهو بهذا المستوى من العظمة والفصاحة والبلاغة والبيان، مع ما حوى من علوم ومعارف وتشريعات وقصص وعبر ومواعظ، كيف يكون من تأليف رجل أمي لا يحسن القراءة والكتابة؟
يقول ابن عاشور: «أفلا تعقلون أن مثل هذا الحال -من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه- لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته؛ إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحدٍ» 37.
ثالثًا: شبهات وردود حول أميته عليه السلام: