هذا هو موقف المنافقين في غزوة أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم، وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء.
هذا وقد أصدر سبحانه حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} .
أي: هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون، لأنهم قبل أن يقولوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} كانوا يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر.
أو المعنى: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين 63.
رابعًا: النهي عن الإنفاق على المؤمنين:
قال تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) } [المنافقون: 7] .
جاء في صحيح البخاري عن زيد بن أرقم قال: (كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه؛ فأصابني همٌ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1] . فبعث إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(إن الله قد صدقك يا زيد) 64.
وهكذا يفضح الله تعالى خطة المنافقين الدنيئة، كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه تحت وطأة الضيق والجوع! وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين، ليموتوا جوعًا أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة! وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.
خامسًا: الإعراض عن التحاكم لله ورسوله:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) } [النساء: 60 - 61] .
وهنا يبين الله تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه فإنه في غاية البعد من الإيمان. وأن هناك فرقا واضحا وبونا شاسعا بين موقف المؤمنين وموقف المنافقين عند تحاكمهم إلى شرع رب العالمين، فموقف أهل الإيمان السمع والطاعة والإذعان، وموقف أهل النفاق الإعراض والنشوز والعصيان، ويتخذون من الأيمان الكاذبة الفاجرة وسيلة لخداع المؤمنين.
«إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دعي إلى هذا الذي آمن به ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية. فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان!» 65.
سادسًا: التحالف مع الأعداء ضد المسلمين:
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) } [الحشر: 11] .
المنافقون دائما يمدون أيديهم بالتحالف مع كل عدو للإسلام والمسلمين، وذلك منذ نشأتهم حتى آخر الزمان، لا يكفون عن ذلك ولا ينتهون.
ووصل تآمرهم - في عصر النبي صلى الله عليه وسلم- إلي حد الاتصال بأعداء المسلمين من المشركين واليهود، والتآمر على المسلمين، وقد فضح القرآن ذلك.
يقول تعالي عن اتصالهم بالمشركين وقت الحرب: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) } [النساء: 141] .
وعن تحالفهم مع اليهود يقول تعالي: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } [المائدة: 52] .
ويقول سبحانه عن تحالفهم مع يهود بني النضير: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) } [الحشر:11] .
قال الطبري في وقعة جلاء بني النضير: « ... فأرسل إليهم عبدالله بن أبي يقول لا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إلي من قومي ألفين فأقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بني قريظة فقال: لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي، فقال سلام بن مشكم لحيي بن أخطب: حيي أقبل هذا الذي قال محمد فإنما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه. قال: وما هو شر منه. قال: أخذ الأموال وسبي الذرية وقتل المقاتلة فأبى حيي فأرسل جدي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون معه وقال حاربت يهود» 66.
وهذا الدور الخبيث الذي لعبه المنافقون في عصر النبوة، هو نفس الدور الذي يلعبه المنافقون اليوم، فحيث وجدت الخيانة ففتش عن المنافقين، وحيث وجدت الهزيمة فتش عن المنافقين، وحيث وجدت الدعوة إلى خذلان المجاهدين، أو المستضعفين فتش عن المنافقين. نسأل الله تعالى أن يحبط كيدهم، ويكشف سترهم، ويحفظنا والمسلمين أجمعين من شرهم.
حدد القرآن الكريم في عدد من آياته الكريمة طرقا واضحة للتعامل مع طائفة المنافقين، وهذه الطرق التي أرشد إليها القرآن الكريم هي - بلا شك - أنجع الطرق وأقواها، وأقربها وصولا إلى الهدف المنشود، وهو حصار طائفة المنافقين، وتحجيم خطرهم، وكسر شوكتهم. والمتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن أهم هذه الطرق ما يأتي:
أولًا: النهي عن طاعتهم وموالاتهم:
قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) } [الأحزاب: 48] .
وقال جل شأنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [آل عمران: 118] .
وهنا ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم، يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الخاصة بأهل الإسلام، وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} مما يسمع منهم، فلهذا: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة، وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم. قال الله للمؤمنين: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ} أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية: لعلكم تعقلون فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه 67.
كما جاء النهي عن موالاة المنافقين في قول الله جل شأنه: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) } [النساء: 88 - 89] .
وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد عليه السلام فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله أو كما قالوا تقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا، ويتركوا ديارهم، تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك، فكانوا كذلك فئتين ... فنزلت الآية تقرر نفاقهم وكفرهم وأن الله تعالى أركسهم أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم 68.
ثانيًا: الحذر منهم:
قال الله تعالى في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) } [المنافقون: 4] .
وقد أفاضت نصوص الوحي ـ كتابًا وسنة ـ في تحذير المؤمنين من النفاق وأهله، بعد إسهاب طويل في كشف خباياهم وفضح نواياهم وهتك أسرارهم وطواياهم، حتى إن آيات الكتاب قد صرحت بذكر النفاق والمنافقين في نحو سبع وثلاثين آية، وفصلت وفرعت في الكلام عنهم في أضعاف ذلك من الآيات موزعة على إحدى عشرة سورة، هذا في الحديث عن المنافقين باسمهم ووصفهم الصريح (النفاق) .
يضاف إلى هذا حديث آخر مطول عمن وصفوا في القرآن بـ {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} وهم الرديف والمدد، والمخزون الطويل الأمد لمعلومي المنافقين؛ فقد ذكر القرآن مرضى القلوب في اثنتي عشرة آية ضمن اثنتي عشرة سورة، وكل آية ذكر فيها ذلك تتعلق بها آيات أخر.
والمتأمل في حديث القرآن عن مرضى القلوب يمكنه أن يستنتج أن هؤلاء لديهم الاستعداد لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من أمراض الشهوة أو الشبهة؛ فهم قوم ضعاف الإيمان إلى أدنى حد، حتى إن أحوالهم تكاد تتقلب أو تنقلب إلى معسكر النفاق الصريح، لفرط قنوطهم وقلة يقينهم، ولشدة تعلقهم بالدنيا وحرصهم على الجاه، أو لمزيد شحهم الخالع وجبنهم الهالع الذي يجعلهم كلما خيروا بين الانتصار للدين والقيم أو الانتصار للناس أو النفس ما ترددوا في الانحياز إلى ما يخدم مصالحهم العجلى فقط؛ ولذلك قرن الله مرض القلوب بالمنافقين في أكثر مواضع القرآن.
يقول الفخر الرازي: أعلم الله تعالى رسوله بعداوتهم فقال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم 69.
وقال ابن عاشور رحمه الله في تفسير تلك الآية: والتعريف في {الْعَدُوُّ} تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم، لأن أعدى الأعادي: العدو المتظاهر بالموالاة وهو مداح، وتحت ضلوعه الداء الدوي، وعلى هذا المعنى رتب عليه الأمر بالحذر منهم 70.
ولم يجاف ابن عاشور الحقيقة عندما أرجع وصف القرآن للمنافقين بـ {الْعَدُوُّ} إلى «كمال حقيقة العدو فيهم» ، وكيف لا تكمل حقيقة العداء في هؤلاء وهم كما قال ابن الجوزي رحمه الله: «عيون الأعداء على المسلمين» 71.
لا بل إن هؤلاء ليسوا فقط عيون الأعداء بل قلوبهم وألسنتهم، كما ذكر الإمام الطبري في تفسير {هُمُ الْعَدُوُّ} حيث قال: «هم العدو يا محمد فاحذرهم؛ فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم أعين لأعدائكم عليكم» 72.
ثالثًا: النهي عن مجالستهم:
قال الله جل شأنه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء: 140] .
والمعنى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} : يا معشر المسلمين بمكة {فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ} : يعني: القرآن {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد وأصحابه والقرآن. وذلك إن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزئون بالقرآن ويكذبون به ويحرفونه عن مواضعه فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في الكتاب قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام:68] 73.
وقد كان بعض المسلمين في المدينة يجلسون في مجالس كبار المنافقين - ذوي النفوذ - وكان ما يزال لهم ذلك النفوذ. وجاء المنهج القرآني ينبه في النفوس تلك الحقيقة .. حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها، هو أولى مراحل الهزيمة. وأراد أن يجنبهم إياها .. ولكن الملابسات في ذلك الحين لم تكن تسمح بأن يأمرهم أمرًا بمقاطعة مجالس القوم إطلاقًا. فبدأ يأمرهم بمقاطعتها حين يسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها .. وإلا فهو النفاق .. وهو المصير المفزع، مصير المنافقين والكافرين: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء: 140] .
والذي تحيل إليه الآية هنا مما سبق تنزيله في الكتاب، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام: 68] 74.
رابعًا: جهادهم والغلظة عليهم:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) } [التوبة: 73] .
وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، والإغلاظ عليهم في ذلك، وهذا شامل لجهادهم بإقامة الحجة عليهم، ودعوتهم بالموعظة الحسنة، وإبطال ما هم عليه من أنواع الضلال، وجهادهم بالسلاح والقتال، لمن أبى أن يجيب دعوة الله، وينقاد لحكمه، فإن هذا، يجاهد ويغلظ عليه 75.
ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية. نجد أنه صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين، ويغض الطرف عن رذائلهم، ويصفح عن مسيئهم .. إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم .. لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من القرآن - لتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آن الأوان لإحلال الشدة والحزم، محل اللين والرفق، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه ..
قال الإمام ابن كثير: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، كما أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين .. وقد ورد عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف. سيف للمشركين {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] .
وسيف للكفار أهل الكتاب {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة:29] .
وسيف للمنافقين {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] .
وسيف للبغاة {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9] .
وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير 76.
وقال ابن مسعود في قوله: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه - أي: فليلق المنافق بوجه عابس لا طلاقة فيه ولا انبساط. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم.
وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا على حسب الأحوال 77.
حذر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في آيات كثيرة، فكان الحديث عن النفاق والمنافقين في القرآن في سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة، واستغرق ذلك قرابة ثلاثمائة وأربعين آية، وبشتى الصيغ والأساليب، وفي كل مواقفهم الصغيرة والكبيرة، وفي كل أحوالهم الظاهرة والباطنة. حتى قال ابن القيم رحمه الله: (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم) 78.
وقد تولى الله تعالى حماية المسلمين من هذا العدو الخفي المخادع؛ فأنزل في كتابه الكريم بيانًا شاملًا لأحوالهم وأوصافهم، وكشف أقوالهم وأفعالهم، وفضح مؤامراتهم، واستخرج مكنونات صدورهم التي تغلي بها نفوسهم.
وخطر المنافقين على الأمة في القديم والحديث كبير، وفتنتهم شديدة؛ فما تمكن الكفار من بلدان المسلمين سواءً من الناحية العسكرية أو الفكرية إلا عن طريقهم.
وخطر المنافقين ينطلق من الداخل بين صفوف المسلمين، بينما يجيء خطر الكفار الظاهرين من الخارج، وخطر الخارج لا يستفحل دائمًا إلا بمساندة من الداخل.
وبلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًا؛ لأنهم منسوبون إليه، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد اقتلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم له قد طمسوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، يزعمون أنهم بذلك مصلحون {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) } [البقرة: 12] 79.