فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 2431

وقال البقاعي رحمه الله: «فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] .

كما أن أحدهم لا يعاقب فتاه إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه» 38.

وقال الواحدي: «قال أهل المعاني: وهذه الآية بيان عما يوجبه تقلب الأحوال مرة بعد مرة من تذكر العبرة التي تدعو إلى إخلاص الطاعة والتوبة من كل خطيئة لشدة الحاجة إلى من يكشف البلية ويسبغ النعمة» 39.

وهكذا يبين الله تعالى توبيخه وإنكاره على من لم يعتبر بحصول البلاء ونزول الضراء وتغير الأحوال في تجديد التوبة والإنابة إليه.

وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم:41] .

وقال تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) } [السجدة:21] .

أي: لنذيقنهم من عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب سنين والأمراض قبل عذاب الآخرة لعلهم يرجعون إلى الإيمان 40.

وقال تعالى: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) } [الزخرف:48] .

وغير ذلك من الآيات التي توضح استدراج الله تعالى لهم بالعقاب ليتوبوا وينيبوا، قبل أن يدركهم العذاب الأكبر يوم القيامة.

وهذا النوع من الاستدراج هو النوع الأول الذي أشار إليه ابن الحاج رحمه الله في قوله: «الاستدراج اسم لمعنيين فأحد المعنيين: استدراج عقوبة للسيئة تنبيهًا على الإنابة، والمعنى الثاني استدراج لا إنابة فيه، ولا رجوع، فنعوذ بالله من الاستدراج» 41.

ثانيًا: الزيادة في الإثم.

ومن حكم استدراج الله تعالى للكفرة والمجرمين من خلقه أن يزدادوا إثمًا وجرمًا، فيزيد الله عقابهم بذلك، فالله تعالى يمهل الكافرين وينظرهم -استدراجًا منه تعالى- حتى يصلوا إلى درجة عظيمة من الإثم، ثم يعاجلهم بالعقوبة.

قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) } [آل عمران:178] .

وهذه الآية نزلت عقب غزوة أحد، تسلية للمؤمنين على ما وقع لهم فيها من بلاء، وبيانًا لسنة الله تعالى في استدراج الكفرة والمنافقين، أي: ليعلم المؤمنون أن إملاء الله تعالى لأهل الكفر ببقائهم ونجاتهم من سيوف المسلمين يوم أحد إنما هو من استدارج الله تعالى لهم وكيده بهم.

وذلك أنهم يزدادون بهذا الإمهال إثمًا وجرمًا، فيزيد الله بذلك في عقابهم، ويشهد لهذا المعنى قراءة الفعل {يَحْسَبَنَّ} في الآية بتاء الخطاب الفوقية 42، أي: لا تحسبن يا محمد صلى الله عليه وسلم 43.

وفي ذلك تحسير لأهل الكفر وتثبيط لعزائمهم، فلا يظنون أن ما هم فيه من الإمهال والإنظار خير لهم 44، بل هو استدراج يعقبه عذاب ونكال، ويشهد لهذا المعنى قراءة الفعل {يَحْسَبَنَّ} في الآية بياء الغيبة التحتية.

وكل ذلك مما يجنيه الكافر على نفسه بإعراضه عن طاعة ربه والتزام أمره، مع إرسال الله رسله ونذره إليه، فلما أعرض ونأى بجانبه، استدرجه الله إلى العذاب الشديد والنكال العظيم، فأمهله وزاد في عمره، ووسع في رزقه، وألهاه بدنياه، ونعمه فيها، حتى إذا جاءت ساعة أجله، أخذه الله وهو على حاله غافلًا ساهيًا قد كبل بالخطايا والآثام.

ومن أجل هذه الحكمة أخر الله تعالى إبليس وأنظره إلى يوم البعث لما طلب من الله تعالى ذلك.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) } [الحجر:36 - 38] .

قال ابن كثير: «لما تحقق الغضب الذي لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا» 45.

ثالثًا: الزيادة في الضلال.

ومن حكم استدراج الله تعالى للكفرة والمجرمين من خلقه أن يزدادوا ضلالًا وانحرافًا، وذلك عقوبة لهم على زيغهم وانحرافهم، واختيارهم سبيل الضلال وسلوكه.

قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) } [الصف:5] .

أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، ولهذا قال الله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} 46، فالله تعالى لا يهدي من أراد الضلالة وسعى لها، بل إن الله تعالى يمد أهل الضلال في ضلالهم حتى يزدادوا بذلك عذابًا وعقابًا.

قال تعالى في وصف الكفار عند سماعهم آياته تتلى عليهم: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) } [مريم:73 - 75] .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات: «يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان: أنهم يصدون عن ذلك، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم: {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًا وهو مجمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) } [الأحقاف:11] .

وقال تعالى على لسان قوم نوح: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) } [الشعراء:111] .

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام:53] .

ولهذا قال تعالى -رادًا عليهم شبهتهم-: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم، {هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة ومناظر وأشكالًا» 47.

وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا} ، أي: «قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، القائلين إذا تتلى عليهم آياتنا: أي الفريقين منا ومنكم خير مقامًا وأحسن نديًا، من كان منا ومنكم في الضلالة جائرًا عن طريق الحق، ... فليطول له الله في ضلالته، وليمله فيها إملاء» 48.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) } [مريم:75] .

قال أبو زهرة رحمه الله: «يقول تعالى ردًا على المشركين في غرورهم بالمال والبنين ومتعة الجاه والسلطان: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم يأمره سبحانه وتعالى بأن يبين لهم الحق وسنة الله تعالى في أمر الضلالة والهداية، فهو سبحانه يمد الذين أرادوا الضلالة وسلكوا سبيلها وأخذوا في أسبابها، يمدهم فيها مدًا حتى يحسبوا أن الأمر إليهم، كما قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) } [الأعراف:183] .

يمهلهم سبحانه ويتركهم في غيهم يعمهون، ويزيدهم بالمال ويعطيهم، حتى يفرقهم الغرور ويجعلهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

وقال تعالى بلفظ الأمر: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} جاء الخبر على صيغة الأمر؛ لبيان أن ذلك بإرادة الله وكأنه يأمره به أمرًا، وهو استدراج من الله تعالى لهم ... وأكد سبحانه إمهالهم واستدراجهم بالعطاء بوفرة عليهم بالمصدر (مدًا) » 49.

وقد بين الله تعالى في الآيات التي تلي هذه الآية شيئًا من مدهم في ضلالهم، في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) } [مريم:83] .

أي: سلطناهم عليهم بالإغواء، وقيضناهم لهم 50، قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد أنا أرسلنا الشياطين على أهل الكفر بالله (تؤزهم) يقول: تحركهم بالإغواء والإضلال، فتزعجهم إلى معاصي الله، وتغريهم بها حتى يواقعوها (أزا) إزعاجًا وإغواء» 51.

وجعل تعالى ذلك لهم جزاءً على إعراضهم وكفرهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) } [الزخرف:36] .

قال الشنقيطي عند تفسير لآية سورة مريم: «في معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، وكلاهما يشهد له قرآن: الأول: أن الله جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول هذه الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين المشركين، أي: قل يا نبي الله لهؤلاء المشركين الذين ادعوا أنهم خير منكم، من كان منا ومنكم في الضلالة - أي الكفر والضلال عن طريق الحق.

{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} أي: فأمهله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة:14] .

أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر، وعلى ذلك التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام في قوله: {فَلْيَمْدُدْ} على بابها، وعليه فهي لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال من الفريقين، حتى يرى ما يوعده من الشر وهو على أقبح حال من الكفر والضلال، والوجه الثاني: أن صيغة الطلب في قوله: {فَلْيَمْدُدْ} ، يراد بها الإخبار عن سنة الله في الضالين، وعليه فالمعنى: أن الله أجرى العادة بأنه يمهل الضال ويملي له فيستدرجه بذلك حتى يرى ما يوعده، وهو في غفلة وكفر وضلال» 52.

ثم قال رحمه الله: «قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76] .

دليل على رجحان القول الثاني في الآية المتقدمة، وأن المعنى: أن من كان في الضلالة زاده الله ضلالة، ومن اهتدى زاده الله هدى، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله في الضلال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5] .

وقوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء:155] » 53.

1.للاستدراج مجالات عدة منها: الكفر، والنفاق، والظلم، والفسق والمعاصي.

أولًا: الكفر:

الكافرون هم أعظم الخلق استدراجًا إلى عقاب الله تعالى، وعذابه الأليم، وهو الخلود في نار جهنم، وأكثر الخلق اغترارًا بإمهال الله لهم وإنعامه عليهم، وما ذلك إلا لكفرهم وجهلهم بربهم وسننه، فالله تعالى يعجل لهم طيباتهم في الدنيا ويمهلهم ويؤخرهم إلى أن يأتيهم ذلك العذاب الأليم الذي توعدهم به، وأعده لهم، وهم في غفلتهم وطغيانهم، ويحسبون أن ذلك الإمهال خيرٌ لهم، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) } [آل عمران:176] .

فمن شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى له: {وَلَا يَحْزُنْكَ} ذلك {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 54 يؤخرون له ويستدرجون.

وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم أيضًا: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) } [آل عمران:196] .

«أي: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) } [آل عمران:197] » 55.

وقال الطبري: «نهى الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم مع شركهم وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره، وخرج الخطاب بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعني به غيره من أتباعه وأصحابه» 56.

والمقصود من هذه الآية التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلًا ويعذبون عليه طويلًا 57.

وهذه الآية كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12] .

وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) } [لقمان:23 - 24] .

قال الشعراوي: «هذا التمتع بزينة الحياة الدنيا ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم، وقلنا: إنك لا تلقي بعدوك من على الحصيرة مثلًا، إنما تعليه وترفعه ليكون أخذه أليمًا وشديدًا، كذلك الحق سبحانه يمتعهم، لكن لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما أخذهم من هذا النعيم» 58.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) } [الأعراف:182] .

وقال: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) } [الطارق:17] .

أي: «قليلًا حتى أهلكهم» 59، وهي آيات صريحة في استدراجه تعالى لهم.

وقد أخبر تعالى في كتابه عن بعض من استدرجهم من أهل الكفر والتكذيب، وكيف أنه أمهلهم وأمدهم بالمال الكثير والنعيم الكبير، من ذلك قوله تعالى عن الوليد بن المغيرة أحد زعماء كفار قريش وساداتهم: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) } [المدثر:11 - 17] .

قال المفسرون 60: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة يتوعده الله ويهدده.

قال: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) } ، «أي: دعني واتركني وهي كلمة تهديد ووعيد، والمعنى دعني والذي خلقته حال كونه وحيدًا في بطن أمه لا مال ولا ولد، هذا على أن وحيدًا منتصب على الحال من الموصول أو من الضمير العائد المحذوف، ويجوز أن يكون حالًا من الياء في ذرني، أي: دعني وحدي معه» 61.

ثم عدد الله تعالى نعمه عليه، {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) } ، أي: رزقه مالًا واسعًا كثيرًا، {وَبَنِينَ شُهُودًا (13) } ، لا يغيبون، أي: حضورًا عنده لا يسافرون في التجارات، بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتملى بهم 62، {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) } أي: «بسطت له في العيش والجاه والرياسة، {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) } أي: من المال والولد والجاه، أو من النعيم الأخروي. وهذا أظهر لقوله: {كَلَّا} أي: لا يكون ما يأمل ويرجو؛ لأن الجدير بالزيادة من نعيم الآخرة هم المتقون، لا هو، {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) } أي: معاندًا للحجج المنزلة والمرسلة» 63.

قال السعدي في معنى قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) } «أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا» 64.

وهذا من استدراج الله تعالى له أن مده بالنعم والآلاء رغم كفره وعناده، حتى ظن الوليد أن ذلك لمرضاة الله عنه وحبه له، ومن ثم طمع بأمثال ذلك في الآخرة، فأنكر الله تعالى ذلك عليه وبيَن بطلانه، بل وتوعد الوليد بالعذاب الشديد في قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) } [المدثر:26] .

أي: سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم هول تعالى ذلك وفخمه فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) } [المدثر:27] .

ثم فسر ذلك بقوله: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) } [المدثر:28] .

أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون 65، فبيَن تعالى أن ما أوتيه الوليد بن المغيرة من الأموال والأولاد والرياسة لا يغني عنه في الآخرة شيئًا، ولا يدل على رضا ربه عنه، وإنما هو استدراج له حتى يبقى على كفره وغيه.

وقال تعالى في حق أبي لهب - وهو من سادات قريش وزعماء الكفر: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) } [المسد:1 - 2] .

فتوعده تعالى بالخسران، وبين تعالى أن ماله لا يغني عنه من عذاب الله شيئًا، وهكذا يبين الله تعالى استدراجه لأهل الكفر وإمدادهم في الحياة الدنيا.

وقد بين تعالى أن أهل الكفر والشرك يغترون بهذا الاستدراج، ويحسبونه من الخير لهم، ومن رضا الله عنهم وعن طريقتهم، كما قال تعالى: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) } [سبأ:35] .

وقوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) } [المؤمنون:55 - 56] .

قال ابن كثير: «يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} ، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء؛ ولهذا قال: {بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} » 66.

وقال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف:103 - 106] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت