فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 2431

فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلةٍ ولا سرفٍ، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عباده) 33.

وعن المقدام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ملأ آدميٌ وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيماتٍ يقمن صلبه، فإن كان لابد فثلثٌ طعامٌ، وثلثٌ شرابٌ، وثلثٌ نفسٌ) 34.

«فالإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التوسع في تحصيل المرغوبات، فيرتكب لذلك مذماتٍ كثيرةً، وينتقل من ملذةٍ إلى ملذةٍ فلا يقف عند حدٍ، وليس أضر على الإنسان والأمة من الإسراف، فإنه ضرر وخطر بل وحرام وبطر، كما أنه ليس من الحكمة والخير تحريم الزينة والطيبات من الرزق التي خلق الله موادها لعباده، وعلمهم كيفية الانتفاع بها، فهي مستحقة مخلوقة لعباد الله من المؤمنين وغيرهم عدلًا من الله وفضلًا ونعمةً» 35.

رابعًا: الإسراف في السلوك:

1.نموذج ممن أسرفوا بالعلو والتكبر.

فرعون وملؤه:

فهذا النوع الأول من المسرفين وهو أشد المسرفين قبحًا وتجبرًا؛ حيث قد تجاوز كل الحدود فقد تجبر وادعى الإلهية وأمر الناس بعبادته، واستخف بعقولهم فأطاعوه؛ فأسرف في الكفر والعلو والكبر، وطغى وتجبر وتكبر، وهذا قد صور لنا القرآن إسرافه وتكذيبه، فقال عنه سبحانه وتعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] .

فهذه الآية تصف فرعون بالإسراف، وأنه قاهرٌ وغالبٌ لمن تحته بكثرة القتل والتعذيب لمن يخالفه، فكان بهذا من المجاوزين للحد في الكفر، والتكذيب؛ بسبب ما يفعله من القتل والصلب، وبتنويع العقوبات لمن خالفه. {وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} وإنه لمن المسرفين في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء، وفي قوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} إشارة أخرى إلى إسرافه لنفسه، ومجاوزة الحد بها في الظلم والجبروت، فهو من المجاوزين الحد في الكفر؛ لأنه كان عبدًا ادعى الربوبية 36.

ثم ازداد إسرافًا فادعى الربوبية: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .

وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] .

هذا وقد تعدد وصف القرآن لفرعون، فجاء وصف فرعون وملئه به نصًا قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] .

أي: آثمين بكفرهم، قاصدين للذنب، مسرفين فيه، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} .

فهذه الجملة لتعليل ما قبلها، أو للاعتراض لقصد التأكيد؛ فهم عاصون آثمون في كل أفعالهم، وأقوالهم، وهو مأخوذٌ من الخطأ المقابل للصواب، وقرأ أبو جعفر المدني: (خاطين) بياءٍ من دون همزةٍ، فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور، ولكنها خففت بحذف الهمزة، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو، أي: تجاوز الصواب، وأما جمهور المفسرين فقالوا: معناه: كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم 37.

«وازداد فرعون إسرافًا وكفرًا وتكذيبًا وطغيانًا وفسادًا في الأرض، فاستكبر هو وقومه عن الإيمان بالله وتصديق رسله، بل علا في الأرض.

قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4] .

ويذكر لنا الله تبارك وتعالى عن فرعون وهو يصف نفسه، وتباهيه بما له من ملك ومن سلطان، وتساؤله في فخر وخيلاء فيقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] .

ومقصود فرعون بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول. وكانت هذه الحال التي وصل إليها فرعون وتجهرم بذلك وأظهرها لقومه سببًا في هلاك قومه، واستخفافه بعقولهم، ثم يبين سبحانه وتعالى كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى عليه السلام وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات، واستغاثتهم بموسى ليدعو ربه فيكشف عنهم البلاء: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54] .

وحق لموسى بعد هذا كله أن يسميهم قومًا مجرمين، وأن يدعوا عليهم بالهلاك؛ ليريح الأرض من شرهم: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} [الدخان: 22] .

أي: فكفروا فدعا ربه بأن هؤلاء {قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} أي: مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان، قد أجرموا جرمًا يوجب تعجيل العقوبة؛ فاستجاب الله له فأهلكهم بالغرق: {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27] 38.

2.نموذج ممن أسرفوا بالفساد في الأرض.

بنو إسرائيل وإسرافهم بالفساد في الأرض:

ومع الصنف الذين أسرفوا بعمل جميع المفاسد كلها من أصناف المسرفين الذين ذكرهم الله تعالى وهم «بنو إسرائيل» ، وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف من المسرفين في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .

فنصت الآية في أولها على ذكر بني إسرائيل، وفي آخرها جاء الضمير عائدًا عليهم أيضًا، فالإسراف والفساد فيهم مع ما جاءتهم الرسل بالبينات من الله، ويدل على ذلك وجود {ثُمَّ} في الآية، وهي تدل على التراخي في الرتبة؛ ولأن مجيء الرسل بالبينات شأنٌ عجيبٌ، والإسراف في الأرض بعد تلك البينات أعجب.

وكان مقتضى مجيء رسل الله بالحجج الواضحة أن لا يقع منهم إسرافٌ وهو المجاوزة في الحد، فخالفوا هذا المقتضى، {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} .

فهم حيثما حلوا أسرفوا، وظاهر الإسراف في هذه الآية أنه لا يتقيد.

وقيل: {لَمُسْرِفُونَ} أي: قاتلون بغير حقٍ؛ كقوله: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] .

وقيل: هو طلبهم الكفاءة في الحسب حتى يقتل بواحدٍ عدةٌ من قتلتهم 39، فهم مسرفون بسفك الدماء وكثرة المعاصي.

ولعل الأقرب والراجح وهو اختيار ابن عاشور حيث قال: « .. والمراد مسرفون في المفاسد كلها التي منها قتل الأنفس بقرينة قوله: {فِي الْأَرْضِ} ؛ ويؤيد ذلك أنه كثيرًا ما استعمل القرآن ذكر الأرض مع ذكر الإفساد، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 - 12] .

وقوله: {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] .

وقد ذكر الله تعالى {فِي الْأَرْضِ} من أجل تصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظيعه، كما في قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] .

وتقديم {فِي الْأَرْضِ} للاهتمام، وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهمية شأنها» 40.

3.نموذج ممن أسرفوا وتشاءموا برسلهم.

أصحاب القرية المذكورون في سورة يس:

فقال تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 18 - 19] .

وقرأ الجمهور: {ذُكِّرْتُمْ} بتشديد الكاف، وأبو جعفرٍ، وخالد بن إلياس، وطلحة، والحسن، وقتادة، وأبو حيوة، والأعمش من طريق زائدة، والأصمعي عن نافعٍ: بتخفيفها 41.

فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل إلى أهل هذه القرية أولًا رسولين فكذبوهما.

قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} [يس: 13 - 14] .

وقرأ شعبة بالتخفيف، من: عزه: غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا بثالثٍ، وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه؛ ولأن المقصود ذكر المعزز به.

{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي: قويناهما وشددنا قاله مجاهدٌ، وابن قتيبة، برسول ثالث على قراءة الجمهور؛ وذلك لكي يدعوهم إلى عبادة الله وحده فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم 42.

فكان موقف أصحاب القرية أن قالوا لرسلهم: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] .

فكذبوهم وتطيروا وتشاءموا منهم، «فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية، والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة وأن حظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم. مرتبط بنواياهم وأعمالهم ... هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح. أما التشاؤم بالوجوه، أو التشاؤم بالأمكنة، أو التشاؤم بالكلمات، فهو خرافة لا تستقيم على أصل مفهوم» 43.

فالسبب الحقيقي لتشاؤمكم هو تكذيبكم وكفركم، لا نحن، أمن أجل تذكيركم وأمرنا إياكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، ادعيتم أن فينا الشؤم عليكم، وتوعدتمونا وهددتمونا؟ بل الحق أنكم قوم جاوزتم الحد في مخالفة الحق، وأسرفتم في الضلال، وتماديتم في الغي والعناد.

قالوا: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} .

فمن الملاحظ أن قول أصحاب القرية لرسلهم: {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ} هو: بطريقة الاستفهام الإنكاري الداخل على إن الشرطية، فهو استفهامٌ على محذوفٍ دل عليه الكلام السابق، والتقدير: أتتشاءمون بالتذكير إن ذكرتم، لما يدل عليه قول أهل القرية: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس: 18] .

أي: بكلامكم.

وأبطلوا أن يكون الشؤم من تذكيرهم بقولهم: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} ، أي: لا طيرة فيما زعمتم، ولكنكم قومٌ كافرون، غشيت عقولكم الأوهام فظننتم ما فيه نفعكم ضرًا لكم، ونطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد، ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت.

وقوله: {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ} استفهامٌ تقريريٌ، أي: ألأجل أن ذكرنا أسماءكم حين دعوناكم حل الشؤم بينكم، كناية عن كونهم أهلًا لأن تكون أسماؤهم شؤمًا.

وفي ذكر كلمة {قَوْمٌ} إيذانٌ بأن الإسراف متمكنٌ منهم، وبه قوام قوميتهم، فذكر لفظ {قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} ؛ لأن إجراء الوصف على لفظ قومٍ يومئ إلى أن ذلك الوصف سجيةٌ فيهم، ومن مكملات قوميتهم، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها، كما قال تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة: 56] .

وقد تكرر هذا في مواضع كثيرةٍ من القرآن كما في قوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] 44.

وهذا الموقف مشابه لموقف قوم فرعون: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131] .

ومماثل لموقف قوم صالح: قالوا: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [النمل: 47] .

هكذا الحال إذا فسدت الفطرة، وارتكست الأفهام يصبح التطير عند الفساق والمجرمين من رسل الله الذين اختارهم الله لحمل رسالته وتبليغها، وهم الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

وقوله: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] .

خامسًا: الإسراف في القتل:

حذر الله تعالى من الإسراف في القتل فقال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .

ومعلومةٌ حالة العرب في الجاهلية من التسرع إلى قتل النفوس، فكان حفظ النفوس من أعظم القواعد الكلية للشريعة الإسلامية. ولذلك كان النهي عن قتل النفس من أهم الوصايا التي أوصى بها الإسلام أتباعه في هذه الآيات الجامعة.

قال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ، أي: قد جعل لولي المقتول تصرفًا في القاتل بالقود أو الدية، فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالًا سيئًا يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية، بل عليهم أن يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود، ولذلك قال: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} .

والسرف: الزيادة على ما يقتضيه الحق، وليس خاصًا بالمال، بل هو كما مر مجاوزة كل أمر سواء أكان محمودًا أو مذمومًا.

والسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل، أما مع القاتل وهو واضحٌ كما قال المهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليبٍ 45:

كل قتيلٍ في كليبٍ غرةٌ

حتى يعم القتل آل مرة

وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز عن القاتل بقتل رجلٍ من قبيلة القاتل. وكانوا يتكايلون الدماء، أي: يجعلون كليها متفاوتًا بحسب شرف القتيل، كما قالت كبشة بنت معديكرب 46:

فيقتل جبرًا بامرئ لم يكن له

بواءً ولكن لا تكايل بالد

البواء: الكفء في الدم.

تريد فيقتل القاتل وهو المسمى جبرًا، وإن لم يكن كفؤًا لعبد الله أخيها، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم 47.

هذا وقد اختلف المفسرون في تفسير «الإسراف» في قوله تعالى: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} على ثلاثة أقوالٍ:

الأول: لا يقتل غير قاتله.

قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبيرٍ.

الثاني: لا يقتل بدل وليه اثنين كما كانت العرب تفعله.

الثالث: لا يمثل بالقاتل.

قاله طلق بن حبيبٍ.

ولعل الراجح أن جميع المعاني مرادة كما قال القرطبي: «وكله مرادٌ؛ لأنه إسرافٌ منهيٌ عنه» .

ويؤيد ذلك أن الخطاب في قوله: {فَلَا يُسْرِفْ} هو للولي، والإسراف مجاوزة الحد إما أن يمثل بالقاتل، أو يقتله بغير ما قتل به، أو يقتل غير القاتل؛ فتكون جميع المعاني مرادة 48.

وبناء على ذلك يكون النهي عن الإسراف في القتل هنا شاملًا لثلاث صورٍ:

الأولى: أن يقتل اثنين أو أكثر بواحدٍ، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية.

الثانية: أن يقتل بالقتيل واحدًا فقط ولكنه غير القاتل؛ لأن قتل البريء بذنب غيره إسرافٌ في القتل، منهيٌ عنه في الآية أيضًا.

الثالثة: أن يقتل نفس القاتل ويمثل به، فإن زيادة المثلة إسرافٌ في القتل أيضًا 49.

وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في القتل للولي، فلا يقتص إلا بإذنه، وإن عفا سقط القصاص.

وأن ولي المقتول يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتى يتمكن من قتله.

فائدة: قرأ الجمهور {يُسْرِفْ} بالياء، فيكون المراد بذلك الخطاب هو الولي، وقرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي «تسرف» بالتاء من فوقٍ، وهي قراءة حذيفة. وروى العلاء بن عبد الكريم عن مجاهدٍ قال: «هو للقاتل الأول، والمعنى عندنا: فلا تسرف أيها القاتل» . وقال الطبري: «هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده. أي: لا تقتلوا غير القاتل. وفي حرف أبيٍ: فلا تسرفوا في القتل» 50.

وقتل النفس البريئة يعد من أكبر الكبائر، بل هي بعد الشرك بالله في الجرم والإثم، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من أمر الدماء: (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا) 51.

المعنى أنه في أي ذنب وقع من العبد كان له في الدين والشرع مخرج إلا القتل، فإن أمره صعب، ويوضح هذا ما في تمام الحديث عن ابن عمر أنه قال: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله» 52.

فقتل النفس البريئة حرام، لا تقتل إلا بالحق، وهذا الحق هو الذي حدده الشرع وليس لأحد من البشر، وليس هذا الحق متروكًا للرأي والهوى، فعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) 53.

سادسًا: الإسراف في المعاصي والذنوب:

«فالإسراف يطلق على الإفراط في الذنوب والمعاصي والكبائر، ومنه قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53] .

والإسراف أيضًا الإكثار من الذنوب والخطايا واحتقار الأوزار والآثام» 54، أي: « {قُلْ} يا محمد: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: أفرطوا في الجناية عليها، بالإسراف في المعاصي، والغلو فيها، {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} : لا تيأسوا من مغفرته أولًا، وتفضله بالرحمة ثانيًا، {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} ، بالعفو عنها، لمن تاب ولجأ إلى جنابه وإن كثرت، وكانت كزبد البحر إلا الشرك» 55.

ومن إطلاق الإسراف على الذنوب قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] .

قال ابن عباس: «إسرافنا: خطايانا» ، وعن الضحاك: «الخطايا: الكبائر» ، وعن مجاهد: «خطايانا وظلمنا أنفسنا» 56.

قال الشوكاني: «والظاهر: أن الذنوب تعم كل ما يسمى ذنبًا من صغيرةٍ أو كبيرةٍ. والإسراف: ما فيه مجاوزةٌ للحد، فهو من عطف الخاص على العام.

قالوا ذلك مع كونهم ربانيين: هضمًا لأنفسهم {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} في مواطن القتال، فآتاهم الله بسبب ذلك ثواب الدنيا من النصر والغنيمة والعزة ونحوها، وحسن ثواب الآخرة من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ثواب الآخرة الحسن» 57.

ويؤيد ذلك ما رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يدعو بهذا الدعاء (رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئٍ قديرٌ) 58.

قال ابن حجر: «وقوله: (إسرافي في أمري) الإسراف: مجاوزة الحد في كل شيء» 59.

أثنى الله تعالى في كتابه على المؤمنين بتوسطهم في الإنفاق، وسوف نتناول ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: التوسط في الإنفاق:

ذكر لنا سبحانه وتعالى صفات المؤمنين الذين هم عباد الرحمن، وجعل من صفاتهم الحميدة التي يتصفون بها هي: عدم الإسراف في الإنفاق، وعدم الإقتار فيه.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .

وفي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ: (ولم يُقْتِرُوا) بضم الياء المثناة التحتية وكسر التاء، مضارع أقتر الرباعي، وقرأه ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو: (ولم يَقْتِرُوا) بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كضرب، وقرأه عاصمٌ وحمزة، والكسائي: {وَلَمْ يَقْتُرُوا} بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإقتار على قراءة نافعٍ وابن عامرٍ، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحدٌ، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت