ولما رأى يوسف عليه السلام تلك الرؤيا قصها على والده يعقوب عليه السلام كما قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) } [يوسف:4] .
ففهم أبوه تأويل هذه الرؤيا، وأولها بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى حال يخضعون له، ويسجدون له إكرامًا وإعظامًا، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذين سجدوا له وصاروا تبعًا له فيها 33.
ولهذا قال: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} [يوسف:6] . أي: كما أراك ربك، هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدةً لك، فكذلك يختارك ويصطفيك لنبوته.
{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} أي: من تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه أحاديث الأمم والكتب السماوية ونحوها.
{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بالنبوة، وما انضاف إليها من سائر النعم.
{وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي: يجعل فيهم النبوءة، إضافة إلى ماينالهم من النعم بسببك.
{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} حيث أنعم عليهما بإنعامات كبيرة أعظمها النبوة والرسالة، «وعبر عنهما بالأبوين مع كون أحدهما جدًا وهو إبراهيم؛ لأن الجد أبٌ» 34.
{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} أي: بخلقه {حَكِيمٌ} أي: في تدبيره فيضع كل شيء في موضعه فيكرم من هو أهل للإكرام، ويحرم من هو أهل للحرمان 35.
ولما بان تعبيرها ليوسف، نهاه أبوه أن يخبر بها إخوته؛ لئلا يحسدوه، وقال له: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5] . أي: حسدًا من عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف:5] . أي: بين العداوة، لا يفتر عنه ليلًا ولا نهارًا، ولا سرًا ولا جهارًا، فالبعد عن الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى 36.
قال الشوكاني: «كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يقع منهم؟! فنبهه بأن الشيطان يحملهم على ذلك،؛لأنه عدوٌ للإنسان مظهرٌ للعداوة مجاهرٌ بها» 37.
وظاهر الآية أن يوسف عليه السلام لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمر أبيه 38، قال السعدي: «فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم» 39.
قال القرطبي: «هذه الآية أصلٌ في ألا نقص الرؤيا على غير شفيقٍ ولا ناصحٍ، ولا على من لا يحسن التأويل فيها» 40.
وقد وقع تفسير هذه الرؤيا كما رآها يوسف عليه السلام بعد فترة من الزمن-وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف:100] .
وقد قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: رؤيا الأنبياء وحيٌ 41.
ثالثًا: تعبيره لرؤيا صاحبي السجن:
من نماذج تعبير يوسف عليه السلام للرؤى وعلمها بها: ما كان من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن أثناء فترة وجوده في السجن؛ حيث إنهما رأيا منامًا فسألاه عن تعبيره لما رأيا عليه من سيما الصلاح، فكان من الأمر ما حكاه الله تعالى بقوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [يوسف:36] أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على يوسف ليعبرها.
فـ {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} أي: أعصر عنبًا ليكون خمرًا.
{وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} أي: بتفسيره وما يؤول إليه أمرهما.
{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤيانا كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه 42.
قال ابن كثير: «والمشهور عند الأكثرين والذي يدل عليه ظاهر السياق: أنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره، خلافا لمن قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليجربا عليه» 43.
فأخبرهما بأنه عارف بتعبير الرؤى وأن ذلك بتعليم الله إياه {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف:37] .
وفي هذه الآية ثلاثة أقوال لأهل التفسير كلها تحتملها الآية:
القول الأول: أن يوسف عليه السلام قال للفتيين: {لَا يَأْتِيكُمَا} أيها الفتيان في منامكما {طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} في يقظتكما {قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} ويعنى بقوله: {بِتَأْوِيلِهِ} : ما يؤول إليه؛ فهو يخبرهما أنهما مهما رأيا في نومهما من حلمٍ، فإنه عارفٌ بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه 44.
والقول الثاني: أنه وعدهما بأنه يعبر لهما رؤياهما غير بعيدٍ، وجعل لذلك وقتًا معلومًا لهما، وهو وقت إحضار طعام المساجين، يقول: لا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله -أي: بتأويل ما رأيتما في منامكما- قبل أن يأتيكما طعامكما، ووصف الطعام بجملة {تُرْزَقَانِهِ} تصريحٌ بالضبط بأنه طعامٌ معلوم الوقت 45.
القول الثالث في الآية معناه: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ} في السجن إلا أخبرتكما بماهيته قبل مجيئه حلوًا وحامضًا وغيره كما قال عيسى عليه السلام: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران:49] 46.
وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه السلام مقدمةً قبل تعبيره لرؤياهما بيانًا لعلو مرتبته في العلم، وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظنٍ وتخمينٍ؛ وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر 47.
ولذلك قال: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف:37] . أي: هذا إنما هو من تعليم الله إياي 48.
والأقرب القول الثالث: وهو أنه يخبرهما بماهية طعامهما وحقيقته قبل مجيئه إليهما وذلك بتعليم الله إياه، كحال عيسى عليه السلام.
وقوله في الآية: {طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} يدل على أنه طعام حقيقة لا منامًا، والضمير في قوله: {إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} يرجع إلى أقرب مذكور وهو الطعام. والله أعلم.
ثم عبر لهما ما رأيا فقال: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف:41] .
وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، فإنه يخرج من السجن ويسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ولكنه لم يعينه لئلا يَحْزَنَ ذَاكَ؛ ولهذا أبهمه في قوله: {وَأَمَّا الْآخَرُ} وهو الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} [يوسف:41] 49.
فإنه عبر عن الخبز الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل تتمكن الطيور من أكله 50.
ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقعٌ لا محالة {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف:41] لأن الرؤيا على رِجْلِ طائرٍ ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت) 5152.
رابعًا: تعبيره لرؤيا الملك:
أيضًا من نماذج تعبير يوسف عليه السلام للرؤى وعلمه بها تعبيره لرؤيا الملك-ملك مصر- والتي كانت بتدبير الله تعالى؛ لتكون سببًا لرفعة شأنه وخروجه من السجن.
وكان من تفاصيلها ما حكاه الله بقوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} [يوسف:43] . جمع عجف، وهي المهازيل 53.
{وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وقد أهمه أمر هذه الرؤيا فقصها على علماء قومه وكبراء دولته، وسألهم عن تأويلها، قال: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43] .
فتحيروا ولم يعرفوا لها وجهًا {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) } [يوسف:44] .
والأضغاث 54: الأخلاط، أي: أخلاط أحلامٍ من الليل لعلها لا تعبير لها، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك؛ ولهذا قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} 55.
وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، بما ليس بعذر، ثم قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا 56.
ولما سمع الفتى - الساقي الذي نجا- هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر يوسف وعلمه بتأويل الرؤى، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} [يوسف:45] .
أي: من الفتيين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه فنسي {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف:45] .
أي: تذكر يوسف عليه السلام بعد مدة من الزمن وهي بضع سنين، وتذكر ما جرى له في تعبيره لرؤياهما، وما وصاه به، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا، فطلب منهم إرساله إليه ليأتيهم بتأويل هذا المنام، وقال لهم: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} [يوسف:45] .
فأرسل إليه فجاءه وخاطبه قائلًا {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) } [يوسف:46] .
فإنهم متشوقون لتعبيرها، وقد أهمتهم، فأجابه يوسف عليه السلام لما طلب وعبرها له فـ {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} [يوسف:47] .
أي: متواليةً متتابعةً على عادتكم 57.
والمعنى: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متوالياتٍ، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ} أي: اتركوه {فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف:47] .
أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاتركوه في سنبله؛ ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات {سَبْعٌ شِدَادٌ} [يوسف:48] .
أي: مجدبات صعاب وهن سنون المَحْلِ {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف:48] .
أي: إلا يسيرًا مما تحرزونه وتدخرونه 58.
فعبر يوسف عليه السلام السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر بأنهن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات، قال السعدي: «ولعل وجه ذلك - والله أعلم - أن الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك، وكانت البقر هي التي تحرث عليها الأرض، وتسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب، إلى سني الجدب 59.
ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك {عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف:49] .
أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتكثر الغلات، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها 60.
قال ابن جرير: وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةً على نبوته وحجة على صدقة 61.
وقال السعدي: «ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك؛ لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها، ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدًا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح» 62. وكان ذلك سببًا في خروجه من السجن.
أولًا: مكانة يوسف عليه السلام عند والده:
كان يوسف عليه السلام أحب إخوته إلى أبيه أثيرًا عنده مقربا لديه، فكان يعقوب عليه السلام يحبه حبًا شديدًا ولا يقوى على فراقه؛ «لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخُلُقِ والخَلْقِ، صلوات الله وسلامه عليه 63» .
وقد نشأ يوسف عليه السلام في كنف والده، يشاوره في أموره ويسر إليه بما يحدث له، ومن ذلك قصة الرؤيا التي رآها؛ إذ رأى وهو صغيرٌ كأن أحد عشر كوكبًا، وهم إشارةٌ إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارةٌ عن أبويه قد سجدوا له، فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلةً عاليةً ورفعةً عظيمةً في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها، فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته؛ كيلا يحسدوه، ففعل 64.
وقد كانت محبته ليوسف وأخيه «أمرًا لا يملك صرفه عن نفسه؛ لأنه وجدانٌ ولكنه لم يكن يؤثرهما عليهم في المعاملات والأمور الظاهرية» 65.
وهذا الحب من يعقوب عليه السلام لابنه يوسف دفع إخوته إلى حسده والتآمر عليه؛ حتى فرقوا بينه وبين أبيه.
ثانيًا: محنة الفراق:
من أصعب المحن التي مرت على يعقوب عليه السلام: محنة التفريق بينه وبين حبه وفلذة كبده يوسف عليه السلام، حين تآمر عليه إخوته، وتحايلوا على أبيهم، وزعموا أنهم يريدون اصطحابه معهم للعب، وتعهدوا بحفظه، والنصح له، ولكن كان التخطيط غير ذلك، فذهبوا به وألقوه في البئر ورجعوا بدونه، زاعمين أنه أكله الذئب وبدأت رحلة المعاناة للابن والأب:
أما الابن: فقد تعرض لأربع محن عظيمة، وهي محنة الإلقاء في البئر، ومحنة البيع رقيقًا ظلما وعدوانًا، ومحنة فتنة المرأة، ومحنة السجن؛ ولكن الله لطف به في هذه المحن كلها، ونجاه منها جميعها، وكانت عاقبته رفعة المنزلة في الدارين، وقد بين طريق الوصول إلى مثل ذلك حين قال: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90] .
وأما الوالد: فقد كان ألم الفراق بالنسبة له عظيما وكان وقعه عليه شديدًا، فلم يصدق أبناءه حينما جاءوا عشاءً يبكون وزعموا أنه أكله الذئب، ولطخوا قميصه بالدم المكذوب، ولم يرج هذا الصنيع عليه، بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} [يوسف:18] .
ثم لجأ إلى الله في كشف محنته وتحلى بالصبر الجميل وردد قائلًا: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18] .
أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه 66، تمامًا كما قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] .
وقد اشتد حزنه العميق على فقد يوسف عليه السلام، ثم ازداد به الأمر شدة، حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، فجدد الحزن الجديد الحزن القديم، حتى ذهب بصره أو كاد؛ من الحزن وكثرة البكاء كما قال جل و علا: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84] 67.
ولكنه عليه السلام لم يفقد الأمل في اللقاء بيوسف مجددًا، بل كان عنده يقين بذلك؛ ولهذا لما جاءه أولاده بخبر فقد أخيهم الآخر -شقيق يوسف- خاطبهم قائلا: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف:83] .
ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخوه الشقيق، وأخوهم الكبير الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يقدر الله له المجيء وحده، أو مع أخيه؛ ولهذا قال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:83] .
أي: {الْعَلِيمُ} بحالي {الْحَكِيمُ} في أفعاله وقضائه وقدره 68.
هكذا قالها يعقوب عليه السلام بكل يقين وحسن ظن بالله.
ثم أعرض عن بنيه كما قال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} وذلك لما جاؤوا من غير أخيهم وأخبروه الخبر، وقد ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم، وجعل يتفجع ويتأسف {وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} يا حزناه على يوسف، والأسف أشد الحزن {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84] .
أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد 69، فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق {قَالُوا} له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تزال تذكر يوسف {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} مشرفًا على الهلاك لطول مرضك {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف:85] .
أي: الموتى، يقولون: لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك أو تهلك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك 70.
فأجابهم يعقوب عليه السلام بقوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } [يوسف:86] .
يقول لهم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي} أي: ما أبث من الكلام {وَحُزْنِي} الذي في قلبي {إِلَى اللَّهِ} وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من أنه سيردهم علي ويقر عيني بالاجتماع بهم، وأعلم أن رؤيا يوسف لابد أن تقع، ولابد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى 71.
ثم أمر أولاده بالذهاب للبحث والتفتيش عن يوسف عليه السلام وعدم اليأس والقنوط من ذلك؛ فإن اليأس ليس من صفة المؤمن {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} أي: اطلبوا خبرهما، واستقصوا، {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي: رحمته؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] .
فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين، ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله 72. فلم يخيب الله ظنه بل حقق له ما رجاه.
ثالثًا: اجتماع الشمل:
وبعد طول فراق -امتد لعدة سنين قيل: ثمانين سنة. وقيل: أربعين. وقيل غير ذلك، وهي لا تقصر 73 عن خمسة عشر عامًا- يجتمع الشمل، ويحقق الله الرجاء، ويجمع الله بين يعقوب وابنه يوسف عليهما السلام.
لما جاء إخوة يوسف في المرة الأخيرة لشراء الطعام من مصر وتعرف عليهم يوسف عليه السلام، أعطاهم قميصه وأمرهم أن يضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع إليه بصره، بإذن الله، قال: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف:93] .