فهرس الكتاب

الصفحة 1498 من 2431

7.الترغيب في العمل الصالح، واختيار ما هو أزكى وأطهر.

قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] .

8.تقوى الله تعالى، والتوكل عليه، واليقين بما عنده خير ما يواجه به العبد ما يعتريه من هموم، وما يعترضه من مشكلات وأزمات، وللتقوى أثرها في حياة المسلم ومعاملاته وسلوكه؛ والأتقياء أوفى الناس وأحرصهم على أداء الحقوق، من هنا تأتي أهمية التقوى في الامتثال لشرع الله تعالى.

قال سبحانه: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) } [البقرة: 241] .

وتكرر الحثّ على التقوى في سورة الطلاق، في قوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] .

وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .

وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5] .

9.الصلاة هي زاد المؤمن وسلواه وملاذه.

قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .

ورود الحديث عن الصلاة في سياق الحديث عن أحكام الطلاق؛ لبيان أن الإسلام منهاجٌ كامل، وتشريعٌ شاملٌ، فكما يجب الالتزام بما سبق من أحكام؛ كذلك يجب المحافظة على الصلاة.

والذي يؤدي حقّ العباد لابدّ من باب أولى أن يؤدّي حقّ الله تعالى، فإنه أعظم الحقوق، كذلك لما كانت المشكلات الزوجيّة والأزمات الأسرية ممّا قد يشغل الإنسان عن غاية وجوده ذكّره المولى بتلك الغاية الكبرى، ألا وهي عبادته تعالى التي من أجلها خلقنا، فلا ينبغي أن يشغلنا شاغلٌ عن تلك الغاية؛ لذا جاء التذكير بالصلاة في هذا السياق.

كذلك فإن الصلاة ترويحٌ للنفوس، وتطبيبٌ للقلوب، وزادٌ للأرواح إلى ظلالها يفيء أهل الإيمان، وفي رياضها يستروحون، وعلى أبواب المساجد يخلعون همومهم، فعلى المؤمن أن يستعين بالصلاة على مواجهة مشكلاته، ويفيء إلى ظلالها من بيداء همومه ورمضاء أزماته.

قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

والصلاة قرّةٌ للعيون، وتربيةٌ للنفوس، وتهذيبٌ لها، وتزكيةٌ للقلوب، وخليقٌ بمن يحافظ عليها أن يحافظ على حقوق العباد، وأن تظهر ثمرات الصلاة.

حاجة المشكلات الزوجية إلى تعقّلٍ، وقد بيّن الله لنا من الآيات ما يهدينا إلى ذلك، ثم مسك الختام دعوة إلى التدبر في آيات الله، وشكر الله تعالى على هذا البيان، وأنه دعوة إلى التعقّل والنظر، قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ففي الختام دعوةٌ إلى التفكّر والنظر في آيات الله تعالى الشرعية والكونية؛ ليزداد المؤمن تقوى لله تعالى، بالمبادرة إلى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومراقبته تعالى، ويزيد تبصّرًا بما حوله، ووعيًا بحاضره، وحكمةً في مواجهة مشكلاته، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} فالموعظة إنما ينتفع بها، ويمتثل لها أصحاب الإيمان الراسخ والعقول النيّرة.

النظر في أحوال الأمم الهالكة، والوقوف على أسباب هلاكها، والتي في مقدمتها التمرد والعصيان، والحذر من عاقبة تعطيل شرع الله تعالى، ومجاوزة حدوده، فكم عطّلت كثيرٌ من أحكام الإسلام في كثير من البلدان بسبب كيد الأعداء وجهل الأبناء، فضيّعت الحقوق، واختلت الموازين، وسلب الأمن، وتأججت الصراعات، وطالت النزاعات، وتعطّلت المصالح، وتفكّكت الأسر، وانفرط عقد المجتمع، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق: 9 - 10] .

وفي الآيات دعوةٌ إلى الاعتبار بأحوال ومصير الأمم والشعوب الناكبة عن منهج الله، المعطّلة لشرائع الله تعالى.

السعادة الأبدية في الإيمان، والعمل الصالح {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق: 11] .

استحضار عظمة الله تعالى وقدرته، وسعة ملكه وتدبيره لهذا الكون، وإحاطة علمه، فإن هذا يزيد العبد إيمانًا ويقينًا واطمئنانًا وتسليمًا لله تعالى في هذه الأزمات {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .

تتحدث هذه السطور عن حكمة مشروعية الطلاق، والتدابير الواقية من الطلاق، والتدابير الواقية من العجلة في الطلاق:

أولًا: حكمة مشروعية الطلاق:

الطلاق كما أشرنا آنفًا دواءٌ مرٌّ، أو بمثابة جراحةٍ مؤلمة؛ لما يترتّب عليه من حرقةٍ وفرقةٍ، وشتاتٍ وحرمانٍ، وانفراط عقد الأسرة، فيحرم الولد من التربية في المحضن الطبيعيّ، وتحرم البنت من رعاية أبيها، أو من حنان أمّها، أو منهما معًا، لكنّ الإسلام أجازه مع ما فيه من ضرر إذا سدّت الأبواب، وانقطعت الأسباب، وأخفقت المساعي، واستحالت العشرة، وهنا يصبح ضرورة لا مفرّ منها، واختيارًا لا بديل له، وهو بلا شكٍّ اختيارٌ لأخفّ الضررين؛ إذ إجبار متنافرين على التآلف والعشرة، وإرغام المرأة على العيش مع زوجٍ تبغضه، أو إرغام الرجل على البقاء مع امرأةٍ يبغضها أمرٌ يتنافى مع حقّ الإنسان في حياةٍ طيّبة، ويتعارض مع الحرية التي وهبها الله للعباد، فأخرجهم من بطون أمهاتهم أحرارًا، وقد قيل 72:

ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى

عدوًّا له ما من صداقته بدٌّ

فكيف بمن يؤاكله ويضاجعه ويقتسم معه اللقمة والشّربة، ويلتحف معه في ثوب واحد، ويظلّهما سقفٌ واحدٌ! ويغلق عليهما بابٌ واحدٌ، كيف تستقيم حياتهما مع ما بينهما من تنافرٍ وتضادٍّ! إن إمساك المرأة ضرارًا وقهرها وقسرها على حياةٍ لا ترتضيها، وعلى قرينٍ لا تطيق عشرته أشدّ ضررًا من تسريحها.

لقد حرص الإسلام على منع الطلاق بأن دعا إلى حسن الاختيار والتكافؤ، ومعرفة مقاصد الزواج وأحكامه، وحقوق الزوجين وواجباتهما؛ ذلك أن كثيرًا من حالات الطلاق إنما تقع بسبب الجهل بذلك، أو الغفلة عنه، أو التقصير فيه، كما أمر بالمبادرة إلى رأب الصدع، وإزالة أسباب الشقاق، وتجنب الوقوع في النشوز بالإصلاح والوعظ، وربما يصل الأمر لحد التأديب، ولكن برفق ولطف، وليس بعنف.

والحياة الأسرية لا قيمة لها، ولا ثمرة من ورائها إن قامت على الشحناء والبغضاء والتنافر والتمرّد، أو فقدان الثقة بين الطرفين، بل تحتاج لمشاعر صادقة وقلوب مؤتلفة، تحتاج لجوٍّ هادئ، وعشّ دافئ، وبيتٍ هانئ؛ كي تنتج وتخرج جيلًا سويًّا، وهل ينبت الزرع ويستوي على عوده إذا كان في أرضٍ عاصفة!

ويمنح الشرع فرصةً تلو فرصة للزوجين النافرين؛ لعل الأيام تجمع بينهما، ومصلحة الأسرة والأولاد توحّد بينهما وتؤلف القلوب، ومن ثمّ كان الطلاق الرجعيّ لعل الطائرين يؤوبان إلى عشّهما ويثوبان إلى رشدهما، ويحدبان على صغارهما، ويستأنفان حياتهما الزوجية بحبٍّ وصفاء، فترفرف السعادة على البيت من جديد.

لقد وضع الإسلام حدًّا للفوضى التي كانت سائدةً في المجتمعات الجاهلية، وأوقف الظلم الذي كان على المرأة أن تتجرّعه إن نفر منها زوجها أو رغب عنها، فيذرها معلقةً، أو تبقى الحياة الزوجية متأرجحةً بسبب الطلاق الذي لا حدّ له، حيث كان للرجل أن يطلّق متى شاء وكيفما شاء، وأن يراجع حيث شاء، وتبقى المرأة هي الضحية لهذا الظلم الاجتماعي، وقد نزل القرآن ليصحح هذه الأوضاع، وليزيح هذه الحواجز، وليعيد للمرأة كرامتها وحريّتها، ويرفع عنها الظلم، ويضع عنها كلّ ما يثقل كاهلها ويرهقها من أغلال وآصار الجاهلية التي تهيض جناحها، وتكسر قلبها، وتنكّد حياتها، وتذوي عودها، وتذهب نضارتها، وتأكل شبابها.

من هنا كان الطلاق حمايةً لحق المرأة، وهو أيضًا حماية للرجل، وصيانة للأسرة؛ لئلا تقوم على أنقاضٍ متهالكةٍ، بل الهدم قد يكون مقدمةً للبناء الراسخ، والفراق قد يفضي إلى وصالٍ.

والحادثات وإن أصابك بؤسها

فهي التي تنبيك كيف نعيمها 73

ثانيًا: التدابير الواقية من الطلاق:

من أهم التدابير الواقية للحياة الزوجية حسن الاختيار، فإذا بني الزواج على أسس متينة، ولبنات صالحة متناسقة، كان ذلك أرجى لدوامه، وأوثق لعراه، كذلك فهم الزوجين لمقاصد الزواج وأهدافه السامية، وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ تبيّن مباهج الزواج وثمراته، ومقاصده السامية، وأهدافه النبيلة، وضرورة معرفة الرجل بطبيعة المرأة، ومعرفة المرأة بطبيعة الرجل، فإن فهم الآخر من أسباب الانسجام والتآلف بين الزوجين، والتغاضي عن الهفوات، والصبر والتجمّل.

قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .

إذ قد تجتمع في الزوجة كثير من خصال الخير خلا خصلة واحدة، لا تقدح في دينها ولا في عرضها وشرفها، خصلة يتأذى منها زوجها، ولا يجد سبيلًا إلي إصلاحها وتقويمها، ففي هذه الحالة يدعوه الإسلام إلى الصبر على تلك الزوجة والإحسان إليها ونصحها؛ لعلها تستجيب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك 74 مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، أو قال: غيره) 75.

قال أبو السعود: « {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} خطاب للذين يسيئون العشرة معهن، والمعروف ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هاهنا: النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في المقال، ونحو ذلك، {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرًا كثيرًا ليس فيما تحبونه ... ، وجعل الله فيه خيرًا كثيرًا فإن النفس ربما تكره ما هو أصلح في الدين وأحمد عاقبة وأدنى إلى الخير، وتحب ما هو بخلافه، فليكن نظركم إلى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى أنفسكم» 76.

قال ابن عاشور: «أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرار بهن بالأمر بحسن المعاشرة معهن، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدم من النهي؛ لأن حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة» 77.

وجهل طبيعة الآخر من أسباب النفور والشقاق، ومن أسباب دوام العشرة الوفاء بحقوق الزوجين، والمحبة والتفاهم بين الزوجين، والانسجام بينهما، وقيام كلٍّ بدوره المنوط به، فالرجل قيّمٌ على أهله، وللمرأة دورها العظيم كزوجة وأم، ومعالجة النشوز، والسعي إلى الإصلاح بين الزوجين.

قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] .

وقال سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 34 - 35] .

فحماية الحياة الزوجية يقع نصيبٌ منها على عاتق المجتمع، فعلى المجتمع أن يكون عونًا للزوجين، داعمًا لهما.

أعطى الشرع الحنيف الحق للزوج في تأديب زوجته إذا أخلّت أو قصّرت في حقوقه على نحو يعتبر نشوزًا منها، ويجب على الزوج التدرج في استعمال وسائل التأديب حيث يبدأ أولًا بوعظ زوجته، فإن لم ينفع معها الوعظ تحوّل إلى الوسيلة الثانية، وهي هجرها في المضاجع؛ وذلك بأن يوليها ظهره عند نومه، أو يهجر مضجعها فينام بعيدًا عنها 78، فإن لم ينفع معها الهجر لجأ إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب.

قال الإمام الرازي: «الذي يدل عليه نص الآية أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب؛ وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق» 79.

على أن الزوج لا يتعجّل في اللجوء إلى وسيلة الضرب، بل يصبر على زوجته، ويتحمّل تقصيرها، ويكرّر المحاولة في إصلاحها بالوعظ وإلا فبالهجر، فإذا عيل صبره ولم يعد يتحمّل شططها، ورأى أن الضرب قد يأتي بالإصلاح المنشود باشر وسيلة الضرب كعلاج لها، وليس كانتقام منها؛ لأن بعض النساء قد لا ينفع معهن إلا الضرب.

أما عن صفة الضرب فإنه يكون غير مبرح، أي: غير شديد شائن، قال الإمام النووي: «الضرب المبرح هو الشديد الشاق» 80.

وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، فقال: «بالسواك ونحوه» 81.

وعلى الزوج أن يتقي ضرب الوجه، ويجتنب ضرب البطن وغيره من المواضع المخوفة.

وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم!) 82.

وضرب الزوجة الناشز: القصد منه زجرها وتأديبها حين لا يجدي معها النصح «ولا يحل استعمال هذه الرخصة إذا عرف أنها لا تنفع في تهذيبها وزجرها عما هي عليه» 83.

كما شرع الإسلام علاجًا حاسمًا لنشوز الزوجة، فلقد وضع علاجًا حاسمًا لنشوز الزوج، قال تعالى في سورة النساء: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128] .

والخوف لا يكون إلا بظهور بوادر وأمارات تنذر بعاقبة ما يخاف الإنسان من أجله، فخوف المرأة هنا من بعلها مبني على بوادر قد تؤدي إلى نشوز عنها، وترفّع وسوء عشرة وعدم لين في قول، أو رقة في سلوك، وقد يرافقه عبوس وتقطيب وتغيّر في المعاملة، وقد يتطور إلى عدم مؤانستها ومعاشرتها.

أما في حال الإعراض وهو أخف درجة من النشوز فتبدو أعراضه بالسكوت عن الخير والشر والجفوة والتذمر من الصغائر مع تجاهل وعدم مبالاة، فإذا ظهرت هذه العوارض على بنية الحياة الزوجية، وأفلست المرأة في إصلاح ذات البين من قبلها بطريقتها غير المباشرة فبإمكانها أن تضع حدًّا لهذه المعاناة بالمصارحة والمصالحة بينها وبين زوجها، لاسيما إذا لمست بحاستها الأنثوية أن زوجها قد لوى عنان فرسه منصرفًا عنها، أو أنها لم يعد لها في قلبه متسع 84.

فالزوجة العاقلة هي التي تستشعر دائمًا مدى قرب زوجها وحبه لها، فإذا حدث فإنها تبادر بمعالجة الأمور بحكمة ورويّة، والزوج العاقل الكريم يقدر لزوجته حرصها على استرجاع المودة والوصل «فيسمو عنده قدرها، ويرى فيها نفسًا وفيّة، وروحًا نقية» 85.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سبب نزول قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية 86.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلًا سأله عن هذه الآية، فقال: «هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو فقرها أو كبرها، أو سوء خلقها وتكره فراقه؟ فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج» 87.

وقوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خير على الإطلاق، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح من الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك 88، والإسلام يدعو إلى بذل كل الجهود لتثبيت دعائم الحياة الزوجية وتقوية عراها؛ لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها أغلظ المواثيق، وأجدرها بالوفاء 89.

وقوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} فالشح طبيعة وجبلّة في الإنسان، قال ابن جبير: «هو شحّ المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها» ، وقال ابن زيد: «الشح هنا منه ومنها» ، وقال ابن عطية: «وهذا أحسن؛ فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة» 90.

وقوله تعالى: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي: إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن، واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم 91، ثم بيّن الله تعالى أن الميل القلبي أمر لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأنه لا يملكه، وإنما يؤاخذ على الميل الحسي الذي يقع باختياره؛ كميله إلى إحدى نسائه وتفضيلها على غيرها في النفقة، أو في المعاشرة، فهذا لا يجوز.

«فالإحسان والتقوى هما مناط الأمر في النهاية، ولن يضيع منهما شيءٌ على صاحبه، فإن الله خبيرٌ بما تعمله كل نفس؛ خبيرٌ ببواعثه وكوامنه، والهتاف للنفس المؤمنة بالإحسان والتقوى؛ والنداء لها باسم الله الخبير بما تعمل، هتافٌ مؤثر، ونداءٌ مستجابٌ، بل هو وحده الهتاف المؤثّر والنداء المستجاب» 92.

قال الإمام القرطبي: «وهذا خطاب للأزواج ... ، أي: إن تحسنوا وتتّقوا في عشرة النّساء بإقامتكم عليهنّ مع كراهيتكم لصحبتهنّ، واتّقاء ظلمهنّ، فهو أفضل لكم» 93.

وفي حاشية زاده: «وإن تحسنوا بإمساكهنّ بمعروفٍ وحسن المعاشرة، مع عدم موافقتهن لطباعكم، وتتّقوا ظلمهن بالنشوز والإعراض، فالله تعالى يثيبكم عليه» 94.

«ولا يخفى ما في خطاب الأزواج بطريق الالتفات، والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان، ولفظ التقوى المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما يتوقّى منه، وترتيب الوعد الكريم على ذلك، من لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة» 95.

وفي الآية بيانٌ لحرص الإسلام على حماية الأسرة المسلمة، وحلّ مشكلاتها، ولمّ شملها، وتنقية أجواء البيت المسلم؛ ليؤدي رسالته المنوطة به، وحثٌّ على إحسان العشرة والتضحية والإيثار والصبر والإحسان.

وقوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129] .

لأن الأمر ليس بمقدوركم {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} وفي هذا ظلم لها، وهضم لحقها، وجرح لكرامتها، والواجب على ذلك الزوج الظالم أن يراجع نفسه، ويتقي الله في امرأته التي أهملها {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} فلابد أن يحرص الزوجان على الصلح لما فيه من الاستقرار العائلي، لاسيما إذا كان لهما أولاد.

مرحلة الشقاق بين الزوجين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت