الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلانٌ جهلًا وجهالة، وجهل عليه. وتجاهل: أظهر الجهل، والتجهيل: أن تنسبه إلى الجهل، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير العلم 67.
والجهل سبب من أسباب اللعب في الحياة الدنيا، فالجاهل لا يفرق بين الحق والباطل، وبين النفع والضر، وبين الجد والهزل.
والجهل هو المصدر الرئيس لفساد العقيدة وفعل المعاصي.
قال تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:24] .
واللعب والهزء من أفعال الجاهلين، ألا ترى إلى جواب موسى عليه السلام لقومه في قصة ذبح البقرة؟
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } [البقرة:67] .
حيث نفى الهزء، بنفي الجهل عن نفسه. فلو كان من الجاهلين - حاشاه - لصدق عليه اتخاذهم هزوا.
ثم إن جهل الناس بحقيقة الحياة الدنيا، ونظرهم السطحي إليها، وإعجابهم بظاهرها، دون البحث عن ما فيه خير لهم، ومن غير التفكر في الآخرة، جعلهم يلعبون ويلهون ويعبثون.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم:6 - 7] .
وقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .
فالعالم يستغل الحياة الدنيا الفانية، للفوز بالنعيم المقيم في الحياة الباقية في الآخرة، فلا يريد أن تذهب لحظات عمره في الدنيا سدى، فالدنيا عنده مزرعة الآخرة. فلا يقبل أن يخسر الحياة الأبدية في الجنة، مقابل الحياة الفانية المنغصة في الدنيا. فهو يؤمن إيمانا جازمًا بما قاله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38] .
فلا يبيع آخرته بدنياه، بعكس الجاهل.
إذًا فالذي يقضي حياته في اللعب واللهو والاستهزاء، فيخسر آخرته، لم يقع في هذا الجرم والإثم إلا عن جهل. وجهله هذا إما أن يكون من جهة المستهزأ به، بحيث لا يعلم ما يجب عليه من حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، من التعظيم والتبجيل. وإما أن يكون الجهل من جهة حكم اللعب والاستهزاء، فلا يدري أن فعله هذا ولعبه يخرجه عن دائرة الإسلام 68.
3.الاغترار بالحياة الدنيا.
الاغترار: من غرر، انخدع بالشيء. وظن الشيء كما يتصوره لأمور فيه فإذا هو على غير ذلك 69.
والتغرير: إيهام النفع والصلاح فيما هو ضرٌ وفساد 70.
قال الخليل الفراهيدي: (غرر بماله أي: حمله على الخطر. والغرور من غر يغر فيغتر به المغرور. والغرور: الشيطان. والغار: الغافل) 71.
الاغترار بالحياة الدنيا سبب من أسباب اللعب، فينخدع الإنسان المغتر، ولا يجد في شيء ينتفع بها في الآخرة. فهمه الشاغل متع الدنيا وحطامها، وجمع المال بأية طريقة ووسيلة كانت. فيطمئن إلى الدنيا، وينسى حق الله عليه، فيلهو ويلعب كيفما شاء. وهذا الشأن يناقض الغاية التي خلق لها الإنسان.
لذلك حذر الله عباده من أن ينخدعوا ويغتروا بالحياة الدنيا، وخوفهم من أن يكونوا من أصحاب النار، يوم لا يجدون من دون الله وليًا ولا شفيعًا.
قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام:70] .
قال الشيخ الشعراوي: (وقوله الحق: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} هو تصوير لا يوجد أبرع منه؛ لأنهم أصحاب العقول التي تغتر بالحياة الدنيا فهي عقول تائهة، فالعقل الناضج يفهم الدنيا على أنها أقل شأنًا من أن تكون غاية، ولكنها وسيلة أو مجال وطريق ومزرعة إلى الآخرة) 72.
كما أن الاغترار بالحياة الدنيا يجعل الإنسان يتعدى حدود الله، وينسى مراقبة الله لعباده، فلا يرتدع عن معصية، ويجحد نعم الله وفضله عليه، فيهلك.
قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف:50 - 51] .
وضرب تعالى المثل في قصر عمرها وزوالها، بل وخيبة آمال أهلها، كي لا تغرهم الحياة الدنيا، بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } [يونس:23 - 24] .
نستنتج من الآيات القرآنية التي تحدثت عن اللعب، أن الموقف من اللاعبين ينبغي أن يكون في الخطوات الآتية:
أولًا: إقامة الحجة وقطع المعذرة:
إن الله تعالى يحيي الناس ويبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء، وإنه يسألهم عن الصغيرة والكبيرة ولا يعزب عنه شيء.
قال تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) } [يونس:4] .
وقال: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) } [يونس:54] .
فميزان يوم القيامة ميزان عدل وقسط. ولا يظلم أحد يوم القيامة.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } [النساء:40] .
وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف:49] .
ومن العدل إرسال الرسل عليهم السلام وإنزال الوحي، وتبليغ الناس شرع الله، وإقامة الحجة عليهم.
قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) } [النساء:165] .
وبالتبليغ وإقامة الحجة يزال ويزاح كل علة، فلا يبقى أي عذر للمخالفة والتقصير والتكذيب والغفلة؛ لذا فمن خالف حكم الله تعالى وقصر فلا يلومن إلا نفسه، فيكون ما يلاقي من العذاب في الآخرة عدلًا، ولا يكون ظلمًا؛ لأنهم بلغوا وأخبروا، فكذبوا واستهزءوا وخاضوا ولعبوا، فاستحقوا جزاءهم.
فالله سبحانه وتعالى حين يصف الحياة الدنيا باللعب واللهو، وأنها زينة وتفاخر بين الناس وتكاثر في الأموال والأولاد {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20] .
وأنها متاع الغرور {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد:20] .
وأن متاعها قليل، وأن الحياة الآخرة أفضل وأحسن من الحياة الدنيا {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء:77] .
وتشبيه الحياة الدنيا بالغيث ينبت به الزرع، وما يجري على الزرع من التحولات {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد:20] .
وفي هذه الآيات إشارة إلى إقامة الحجة، وإذا كانت الدنيا بهذه الصفات فلا تستحق الاغترار بها، ولا يحق التساهل في حق الآخرة والعمل لها.
ثانيًا: تركهم في خوضهم يلعبون:
إن الذي يلعب بالدين ويستهزئ به لابد أن يؤدب، ولا يجوز معاونته ومساعدته على الاستمرار في عمله هذا، ويجب تحقيره حتى يعرف قدره.
والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العزيز كيفية التعامل مع الذين يخوضون في آيات الله ويلعبون بالدين وبشعائر الإسلام، فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام:68] .
فالله سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن المشركين إذا رآهم يخوضون في آيات الله بالباطل والتكذيب واللعب والاستهزاء، ويترك مجلسهم؛ احتقارا لهم واستنكارا لأفعالهم، وهذا الإعراض لأجل أن يتركوا الخوض في آيات الله، ويتحولوا إلى الخوض في مسائل أخرى. ثم يأمره بأنه إذا أنساه الشيطان ما أمر به من الإعراض عن المشركين وترك مجالستهم، فليبادر بالصرف عنهم حين تذكر الأمر.
وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } [الأنعام:70] .
وهذا خطاب آخر للنبي صلى الله عليه وسلم بترك الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذي كلفوا به لهوًا ولعبًا، حيث كانوا يستهزئون بتعاليمه وأحكامه ويكفرون به. وكانوا منشغلين بزخارف الدنيا واغتروا بالحياة القليلة، ثم أمر نبيه أن يذكر هؤلاء وغيرهم بالقرآن الكريم.
والأمر بتركهم ليس المراد به ترك إنذارهم، وترك دعوتهم للإيمان، وإنما المراد به ترك مجالستهم ومعاشرتهم وملاطفتهم 73.
وأعاد سبحانه وتعالى نهيه عن مجالسة المستهزئين في قوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء:140] .
وفي هذه الآية إشارة إلى ما جاء في سورة الأنعام، الآيات (68 - 70) .
قال أبو السعود: ( {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتعليل النهي أي: لا تقعدوا معهم في ذلك الوقت، إنكم إن فعلتموه كنتم مثلهم في الكفر واستتباع العذاب وإفراد المثل) 74.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: (وسبب هذا النهي أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم أقل ما فيه أنه إقرار لهم على خوضهم وإغراء لهم بالتمادي فيه، وأكبره أنه رضاء به ومشاركة فيه، والمشاركة في الكفر والاستهزاء كفر ظاهر لا يقترفه باختياره إلا منافق مراء أو كافر مجاهر) 75.
ثالثًا: عدم اتخاذهم أولياء:
الولي: ضد العدو. يقال منه: تولاه. والمولى: المُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، وابن العم، والناصر، والجار، والموالاة: ضد المعاداة. والولاية بالكسر: السلطان. والولاية: النصرة. يقال: هم على ولاية، أي: مجتمعون في النصرة 76.
فكلمة الولي تأتى بمعنى المتولي للأمور المتصرف فيها، وتأتي بمعنى الناصر والخليل والمحب، فهي لفظ مشترك ولا يمكن تحديد المراد من معنى اللفظ المشترك إلا بقرينة تدل عليه، ويمكن ذلك بالرجوع إلى سياق الجملة، كما في معنى (أولياء) في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) } [المائدة:57 - 58] .
وكذا كل ما ورد في القرآن الكريم من النهي عن موالاة الكافرين وأهل الكتاب، جاءت كلها في الموالاة التي ضد الكره، أي أنها جاءت بمعنى النصرة والمحاباة والمعونة.
فنجد أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء وحلفاء وأنصارًا، يحبونهم ويتولونهم، مع أن هؤلاء يتخذون دين الإسلام هزوًا ولعبًا، ويسخرون من القرآن والرسول والمؤمنين، كما يسخرون من الأذان والصلاة ويتمنون زوال الإسلام. فكيف يصلح للعاقل أن يقابل كل هذه العداوة والكره والسخرية والاستهزاء واللعب بالموالاة لهم وحبهم ونصرتهم؟!
قال ابن عاشور: (فالذي يتخذ دين امريء هزوًا، فقد اتخذ ذلك المتدين هزوًا، ورمقه بعين الاحتقار؛ إذ عد أعظم شيء عنده سخرية، فما دون ذلك أولى. والذي يرمق بهذا الاعتبار ليس جديرًا بالموالاة؛ لأن شرط الموالاة التماثل في التفكير؛ ولأن الاستهزاء والاستخفاف احتقار، والمودة تستدعي تعظيم الودود) 77.
واتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء مسألة في غاية الخطورة، فمن الجانب العقائدي أن موالاتهم يؤدي إلى الكفر، ويحسب الإنسان منهم، وحسابه كحسابهم، كما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51] .
ومن الجانب الدنيوي، فإن الإنسان إذا اتخذ الكفار أولياء وأحباء، حينئذ يكون مطيعًا لأوامرهم، غير معترض لأفعالهم وأقوالهم، بل يكون مؤيدًا لهم ومدافعًا عنهم، وناصرهم ومعينهم على الإسلام وأهله، من حيث يدري أو لا يدري.
وقال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] .
ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون، الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ،يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل 78.
بما أن الانشغال بالدنيا فوق الحد اللازم مذموم، وخاصة إذا كان على حساب الآخرة. وأنه ربما ينسيه حق الله تعالى، فيترك الواجبات الدينية أو يقصر فيها، ويقع في المحرمات طلبا لزيادة المال والجاه والشهوات، فلابد من علاج لهذه الآفة، وهذا الغرور. ويمكن لنا أن نستنتج من الآيات التي فيها ذكر اللعب بعضًا من تلك العلاجات، منها:
أولًا: الإيمان والتقوى:
إن لإيمان المرء وتقواه الأثر الكبير الفعال في تنبيه الناس من غفلة اللعب واللهو في الحياة الدنيا، فالمرء كلما كان إيمانه متينا وتقواه كثيرا ازداد من الله تقربًا، ولا يتقرب العبد من ربه إلا بما يرضى به الله تعالى من الأعمال والأقوال وصالح النيات، فينشغل بها، ويبتعد عن كل ما يلهيه ويشغله عن ذكر الله وعن الطاعات. فهو يجد لذته في العبادات، وتضيق صدره بالمعاصي والذنوب.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) } [محمد:36] .
فبعد أن أمر الله المؤمنين بالاستمرار في الجهاد ومقاتلة الأعداء نصرة للإسلام، وحثهم عليه بأن الله معهم بنصره فينتصرون، وأن المؤمنين هم الأعلون، فليس من الحق أن يطلبوا الصلح والهدنة مع العدو؛ خوفًا على الحياة الدنيا ولذاتها. فبين لهم حقيقة الدنيا بأنها كاللهو واللعب في سرعة زوالها، وانقضاء آجالها، وانتهاء لذاتها، فهي مشغلة عن صالح الأعمال، فلا ينبغي الحرص عليها، وترك الجهاد من أجلها، وترك الصدقات والإنفاق في سبيل الله حرصًا على جمع المال. فإن الجهاد والإنفاق في سبيل الله زاد يبقى للمؤمن المتقي، المؤمن بالله الذي لا يخفى عليه شيء، وهو خير ثوابا {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف:46] .
والمتقي الذي يقف عند حدود الله، ويرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يغير حال الحياة الدنيا من اللعب واللهو إلى الجد. فالمؤمن المتقي لا يرى في جهاده وإنفاقه خسارة وإضاعة نفس ومال، وإنما ذلك عنده التحويل إلى دار مستقره، فيجده عند الله. والله تعالى يؤتيه أجره بأحسن ما كان يعمل.
إن الذي يقضي حياته الدنيا باللهو واللعب لا ينبغي أن يوصف بالتقوى، فالمتقي يعمل بجد وإخلاص، والعمل بهذه الصفة يكون مقبولًا عند الله ويجزي عامله خير الجزاء، فتكون الدار الآخرة خيرًا له من الحياة الدنيا.
قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .
ثانيًا: تذكر نعيم وعذاب الآخرة:
ومن الأسباب المانعة لاتخاذ الحياة الدنيا لعبًا ولهوًا تذكر نعيم وعذاب الآخرة، حيث إن الإنسان إذا تفكر في نعيم وثواب من صبر عن الحرام، ولم يقض أوقاته في اللهو واللعب، فإنه ينال رضا الله ورضوانه والفوز بالجنة، حينئذ يستقيم أمره وحاله، كما لو تفكر في مصيره يوم القيامة لو قضى أوقاته في اللعب واللهو، وأنه سيحاسب على تفريطه وإفراطه، وأنه يسأل عن عمره في الحياة الدنيا كيف قضاه وفيم أفناه، يرتدع ويرجع إلى الصواب ولا يضيع أوقاته في ما لا فائدة فيه، وفيما لا يرضي الله تعالى.
عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) 79.
وفي القرآن الكريم تخويف لمن أضاع حياته الدنيا باللهو واللعب.