فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 2431

الحياة

أولًا: المعنى اللغوي:

الناظر في معاجم العربية يجد أن مادة (حيّ) تدور حول أصلين، كما أشار ابن فارس: «الحاء والياء والحرف المعتلّ أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الّذي (هو) ضدّ الوقاحة. فأمّا الأوّل فالحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان. ويسمّى المطر حيًّا لأنّ به حياة الأرض. والأصل الآخر: قولهم استحييت منه استحياءً» 1.

والحياء: «تغيير وانكسار يعتري الإنسان من خوف وما يعاب به» 2.

«وأما الاستحياء بمعنى الاستبقاء: فحقيقته طلب الحياة وإرادة أن يكون فرد آخر حيًّا في مقابل من يريد الموت والهلاك، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة:49] .

وقد ذكر في مقابل الذبح والقتل: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [الأعراف:127] ، {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة:49] » 3.

وبين الأصلين علاقة؛ «فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة» 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

«الحياة: في الأصل: الروح وهي الموجبة لتحرك من قامت به، ذكره العكبري.

وقال الحرالي: الحياة تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل في علومه وأخلاقه. وقال في موضع آخر: الحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة بالحقيقة تكامل الناقص» 5.

وقال الشريف الجرجاني: «الحياة هي صفة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر» 6.

وقال الراغب: «الحياة تستعمل على أوجه:

الأوّل: للقوّة النّامية الموجودة في النّبات والحيوان، ومنه قيل: نبات حيٌّ، قال عزّ وجلّ: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد:17] .

وقال تعالى: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [ق:11] ، {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] .

الثاني: للقوّة الحسّاسة، وبه سمّي الحيوان حيوانًا، قال عزّ وجلّ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر:22] .

وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) } [المرسلات:25 - 26] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } [فصلت:39] .

فقوله: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا} إشارة إلى القوّة النّامية، وقوله: {لَمُحْيِ الْمَوْتَى} إشارة إلى القوّة الحسّاسة.

الثالث: للقوّة العاملة العاقلة، كقوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122] .

وقول الشاعر:

وقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياة لمن تنادي

والرابع: الحياة الأخرويّة الأبديّة، وذلك يتوصّل إليه بالحياة التي هي العقل والعلم، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] ، وقوله: {يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:24] ، يعني بها: الحياة الأخرويّة الدّائمة.

والخامس: الحياة التي يوصف بها الباري، فإنه إذا قيل فيه تعالى: هو حيّ، فمعناه: لا يصحّ عليه الموت، وليس ذلك إلّا لله عزّ وجلّ» 7.

فالمعنى الاصطلاحي متوافق مع المعنى اللغوي على الأصل الأول الذي يدل على خلاف الموت.

وردت مادة (حيي) الدالة على الحياة في القرآن الكريم (175) مرة 8.

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 17 ... {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32]

الفعل المضارع ... 46 ... {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258]

فعل الأمر ... 1 ... {قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} [غافر:25]

المصدر ... 79 ... {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [البقرة:86]

اسم الفاعل ... 2 ... {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى} [الروم:50]

الاسم ... 30 ... {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255]

وجاءت (الحياة) في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه 9:

الأول: الخلق الأول ونفخ الروح، قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) } [البقرة:28] ، يعني: كنتم نطفًا فخلقكم وجعل فيكم الأرواح.

الثاني: الإيمان والهدى، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122] ، يعني: فهديناه للإيمان.

الثالث: الإبقاء على قيد الحياة، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] ، يعني: ومن أبقاها فكأنما أبقى الناس جميعًا.

النماء:

النماء لغة:

يقول ابن فارس: « (نمى) النّون والميم والحرف المعتلّ أصلٌ واحدٌ يدلّ على ارتفاعٍ وزيادةٍ 10.

النماء اصطلاحًا:

لا يخرج عن المعنى اللغوي، فهو الزيادة سواء أكانت حقيقية أم تقديرية.

الصلة بين الحياة والنماء:

«أن الحياة هي ما تصير به الجملة كالشيء الواحد في جواز تعلق الصّفات بها، فأما قوله تعالى: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر:9] فمعناه: أنا جعلنا حالها كحال الحيّ في الانتفاع بها، والصّفة لله بأنّه حيّ مأخوذه من الحياة على التّقدير، والنماء يزيد الشّيء حالًا بعد حال من نفسه، لا بإضافة إليه فالنبات ينمي ويزيد وليس بحي، والله تعالى حيّ ولا ينام ولا يقال لمن أصاب ميراثا أو أعطي عطيّة: إنه قد نمى ماله، وإنّما يقال: نمى ماله إذا زاد في نفسه، والنماء في الماشية حقيقة؛ لأنّها تزيد بتوالدها قليلًا قليلًا، وفي الورق 11 والذّهب مجاز، ويقال للأشجار والنبات: نوام؛ لأنّها تزيد في كل يوم إلى أن تنتهي إلى حد التّمام» 12.

العيش:

العيش لغة:

يقول ابن فارس: « (عيش) العين والياء والشّين أصلٌ صحيحٌ يدلّ على حياةٍ وبقاءٍ، قال الخليل: العيش لغة: الحياة. والمعيشة: الّذي يعيش بها الإنسان: من مطعمٍ ومشربٍ وما تكون به الحياة.

العيش اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الحياة والعيش:

قال الراغب: «العيش: أخصّ من الحياة، لأنّ الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى، وفي الملك، ويشتقّ منه المعيشة لما يتعيّش منه» 13.

والحياة صفة ذاتية بها يستمر الوجود، وأما العيش فهو كيفية حادثة عارضة بعد الحياة 14.

وقيل: بينهما عموم وخصوص، فالعيش هو الحياة المختصة بالأجسام، ويشتق منه المعيشة، وهو كل ما يتعيش منه ويقيم الأود، ويلبي رغبات الجسم، من مأكل ومشرب ومسكن ومنكح وغير ذلك 15.

الروح:

الروح لغة:

أصل مادة (روح) تدلّ على سعةٍ وفسحةٍ واطّرادٍ، وأصل ذلك كلّه الرّيح. والرّوح: روح الإنسان، وهي مشتقّةٌ من الرّيح 16.

الروح اصطلاحًا:

قال القرطبي: «والروح: جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم» 17.

وقال عنها المراغي: «إنها جسم نوراني، علويّ، خفيف، حي، متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسرى فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم» 18.

وقال البغوي في تفسيره: «والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان» 19.

الصلة بين الحياة والروح:

أن لكل كائن حي حياة تناسبه، ولا يلزم من ذلك أن يكون فيه الروح الخاصة بالحيوان الحي المتحرك بالإرادة، فالشجر والنباتات عامة ليس فيها روح، مع أن فيها حياة، وهذا أمر معلوم بالاضطرار.

«إن الحياة في مفهومها الإسلامي ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد وعمر الأمة من الناس، كما أنها ليست هي الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا.

إن الحياة في مفهومها الإسلامي تمتد في الزمان، فتشمل هذه الفترة المشهودة-فترة الحياة الدنيا- وفترة الحياة الآخرة، وتمتد في المكان، فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر، دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، ونارًا تسع الكفرة من جميع القرون.

وتمتد الحياة في حقيقتها، فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الآخرة ... في الجنة والنار سواء، وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليس من مذاقاته هذه الحياة الدنيا» 20.

أولًا: حقيقة الحياة الدنيا:

1.دار استخلاف.

تكمن قيمة وأهمية الحياة الدنيا في ميزان القرآن أنها الدار التي استخلف الله عز وجل فيها عباده من أجل حمل أمانة الاستخلاف والقيام بمقتضيات العبودية وحق الربوبية.

قال الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة:30] .

«وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله -بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه. وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية» 21.

هذه المهمة جعلت الإنسان موضع التكليف والمسئولية، والمكلف مأمور، تجب عليه الطاعة وهو مسئول عن عمله، كما قال الله عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) } [الأحزاب:72] .

ويرتبط الاستخلاف في الحياة الدنيا بعمارة الأرض وفق المنهج الرباني من أجل إقامة العدل وتحقيق الإصلاح، والبعد عن الظلم والطغيان، وكل ما من شأنه أن يكون وسيلة للإفساد والتخريب في هذه الأرض.

وهذا الإصلاح يرتبط بالإيمان الصادق والطاعة الدائمة والعبادة الخاشعة، والعلم النافع المثمر.

ولقد امتن الله تعالى على بني آدم بهذه النعمة الكبرى والتي تظهر تكريمه سبحانه لهم، وإحسانه إليهم فقال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165] .

«أي: إن ربكم الذي هو رب كل شئ هو الذي جعلكم خلائف هذه الأرض بعد أمم قد سبقت، وفى سيرها عبر وعظات لمن ادكر وتدبر، وكذلك هو قد رفع بعضكم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والقوة والضعف، والعلم والجهل، ليختبركم فيما أعطاكم، أي: ليعاملكم معاملة المختبر لكم في ذلك، ويبنى الجزاء على العمل، إذ قد جرت سنته في أن سعادة الناس أفرادًا وجماعات في الدنيا والآخرة أو شقاءهم فيهما تابعة لأعمالهم وتصرفاتهم» 22.

وعلى هذا فإن الإنسان خليفة في الأرض «أيًّا كان مكانه في المجتمع، غنيًّا أو فقيرًا، عالمًا أو جاهلًا، قويًّا أو ضعيفًا، ومن واجبه أن يعمل بمقتضى هذه الخلافة، ويجمع إلى يديه أسبابها ومقوّماتها، وإنه لمن ظلم الإنسان لنفسه، ومن استصغاره لوجوده، أن يسفّ وينحدر عن هذا المستوي الكريم الذي رفعه اللّه إليه، فيتحول إلى كائن حيوانيّ ذليل، يقاد فينقاد، ويستذل فيذلّ، حتى لينعزل عن العالم الإنساني، ويصبح على غير الخلق السويّ الذي خلقه اللّه عليه» 23.

2.دار ابتلاء.

اقتضت سنة الله في الحياة الدنيا أن تكون دار ابتلاء واختبار، يتقلب فيه العباد بين السراء والضراء، والشدة والرخاء، واليسر والعسر، «ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا، وطبيعة البشر فيها، تجعلان من المستحيل أن يخلو المرء فيها من كوارث تصيبه، وشدائد تحل بساحته، فكم يخفق له عمل أو يخيب له أمل. أو يموت له حبيب أو يمرض له بدن، أو يفقد منه مال، أو .. أو .. إلى آخر ما يفيض به نهر الحياة ... » 24.

قال الله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .

وهكذا «ليست المسألة مصادفة بلا تدبير، وليست كذلك جزافًا بلا غاية، إنما هو الابتلاء لإظهار المكنون في علم الله من سلوك الأناسي على الأرض، واستحقاقهم للجزاء على العمل» 25.

أما مادة الابتلاء فهي زينة هذه الأرض كما قال عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } [الكهف:7 - 8] .

إن «جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، فتنة واختبارا» 26.

وقد عرضت آيات القرآن الكريم أهم شهوات الدنيا المادية وهي في ذاتها تمثل صورة من صور الزينة.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .

«هذه زينة الحياة الدنيا، وهذه متعها، وهي مصدر الخير، ومصدر الشر فيها، وبها تكون الرفعة، وبها يكون السقوط، وبها تكون العزة، وبها تكون الذلة؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقًا إلى الجنة، وإن تحكّم الهوى وغلب الشيطان، وضعف الوجدان الديني، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقًا إلى النار؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار، وطريق النار عند الأشرار، وكل امرئٍ وما تهوى نفسه» 27.

والابتلاء في هذه الزينة والشهوات تارة يكون بالسراء وتارة بالضراء، بالمنع والعطاء، كما قال الله عز وجل {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] .

وفي هذه الآية: إشارة إلى أن الابتلاء بما يمثله من امتحان لتقلب البشر بين السراء والضراء، والخير والشر ضروري لإظهار قوة الإيمان في النفس أو ضعفه فيها، حيث تقاوم النفس -في لحظات الضراء- مشاعر الجزع والهلع لتتذوق حلاوة الصبر والرضا والتسليم، كما تتمرس على الحمد والشكر في لحظات السراء بما يعصمها من البطر والعجب والغرور.

ثانيًا: أهمية الحياة الدنيا:

إن الحياة الدنيا حينما تقاس بمقاييسها الدنيوية، وتوزن بموازينها تبدو في العين والحس أمرًا عظيمًا هائلًا، وشيئًا جميلًا رائعًا، ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود، وتوزن بميزان الآخرة، تبدو شيئًا زهيدًا تافهًا؛ فهي لعب وضياع ولهو وتفاخر، وغرور خادع، وأمل كاذب، وظل زائل.

فما هذه الحياة إلا مرور عابر واستراحة مسافر، ولكنها مع كل ذلك يمكن أن يجعل منها الإنسان مجالًا لسروره، وميدانًا لحبوره، وفرصة لخلوده، ومقرًّا لرفعته، ومحطة لغناه، وسوقًا لمناه، وفوزًا بمبتغاه.

يقول الإمام ابن القيم: «فالدنيا في الحقيقة لا تذم، وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات، والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة، فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الاطلاق، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة، وفيها اكتسبت النفوس الايمان، ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة، إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحًا وفضلًا لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عن سواه، وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذى ألقاه من أمره، فأخبر به من شاء من عباده» 28.

مما سبق يتضح أنه لا انفصال في التصور القرآني للحياة بين الدنيا والآخرة، فالطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا عبر بوابة الإيمان ومدارج التقوى.

فهما طريقان يكمل بعضهما البعض، طريق يجتمع فيه العمل مع العبادة في اتحادٍ وتعاضد، فكلاهما يحقق غاية وجود الإنسان على هذه الأرض وهو تحقيق العبودية الخالصة لله عز وجل. فكل أعمال المؤمن في هذه الحياة تتحول -إن صحت النية-إلى عبادة يجني ثمارها في الدنيا قبل الآخرة، حيث يتنعم في ظلالها بالحياة الطيبة التي وعده ربه عز وجل بها في كتابه مع ما ينتظره في الآخرة من النعيم والتكريم الذي لا يخطر على البال.

تختلف نظرة الناس للحياة وفقًا لاختلاف عقائدهم وأفكارهم وتصوراتهم التي تنبع من المنهج الذي يستقون منه معرفتهم، فالمؤمنون الذين يجعلون القرآن الكريم منهج حياتهم يعلمون أنها دار زائلة فانية يتزودون فيها بما ينفعهم للفوز والنجاة في الآخرة؛ لذا يترفعون عن الشهوات والملذات إلا بالقدر الذي يحقق لهم الحياة ويعينهم على أداء وظيفة العبودية.

أما غير المؤمنين وقد اتبعوا مناهج أرضية مختلفة وأعرضوا عن منهج القرآن فقد أضحت الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم ومنتهى آمالهم، فكل سعيهم وجهدهم وتحركاتهم وعلاقاتهم من أجل نيل متاعها الزائل والافتخار بزخارفها الخادعة.

أولًا: نظرة المؤمنين:

ينظر المؤمنون إلى الحياة الدنيا فيرونها على حقيقتها كما وصفها كتاب ربهم: دار ابتلاء ومحن، دائمة التقلب وسريعة الزوال ولا تدوم على حال، مزينة بالشهوات، تغر الناظرين بزخارفها ومفاتنها، فيتخذونها وسيلة لا غاية، لا يتركونها بالكلية كما يفعل الرهبان أو يهجرون طيباتها أو يفرون من فتنتها بالعزلة والصمت، ولا يتكالبون على شهواتها وملذاتها بدون ضابط أو رادع. فهم يمارسون فيها وظيفة العبودية ويتقربون إلى ربهم بالأعمال الصالحات على أساس من الإيمان والتقوى، واضعين نصب أعينهم أن هذه الحياة مزرعة الآخرة، فما زرعه الإنسان في هذه الحياة سيحصد ثماره في الحياة الآخرة، تلك الحياة الحقيقية التي تهفو لها القلوب وتتطلع لها الأبصار حيث النعيم المقيم والسعادة الدائمة.

وهذه النظرة المتوازنة للحياة الدنيا يستقيها المؤمن من قول ربه عز وجل: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]

«لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد، وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة، فلا ينحرفون عن طريقها، ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم، وتقبل لعطاياه، وانتفاع بها، فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى .. وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان، ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة، التي لا حرمان فيها، ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة» 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت