وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث الغساني وكتب معه كتابًا، فلما قرأه رمى به وقال: من ينتزع ملكي، وعزم على المسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه قيصر عن ذلك، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبره قال: (باد ملكه!) .
كما بعث أيضًا سليط بن عمروٍ العامري إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي الحنفي، وبعث جرير بن عبدالله البجلي إلى ذي الكلاع اليمني، وغيرهم من عظماء ذلك الوقت من العرب والعجم 65.
وقد كان لهذه السفارات والكتب أثرها في نشر الدعوة الإسلامية حيث استجاب عدد منهم ودخلوا في الإسلام، وكشفت عن مواقف الآخرين من الدعوة. وهذا يحدد طبيعة علاقة الدولة الإسلامية بهم بعد ذلك.
وكانت رسائله صلى الله عليه وسلم مع رسله وسفرائه إلى عظماء العالم موجزة جامعة تحمل معنى واحدًا وهو الدعوة إلى الإسلام، وبيان وحدة الرسالات في أصولها؛ ليكون هذا منطلقًا للدعوة وإقامة للحجة على من يخاطبهم برسالته، ثم يضعهم أمام مسئوليتهم عن الرعية؛ لأن الرعية تبعٌ لهم، وتنطوي كل كتبه ورسائله عليه الصلاة والسلام على القيم والمبادئ العالية في إطار من الصياغة بالحكمة والموعظة الحسنة.
ونجتزئ هنا برسالته صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم؛ فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث طويل يحكي قصة أبي سفيان مع هرقل لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأبي سفيان: إن يكن ما تقول فيه حقًا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. ثم دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى! أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام؛ أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ?64?) [آل عمران: 64] ) 66.
ثالثًا: رفع الظلم وحماية المستضعفين:
من أعظم وظائف الدولة الإسلامية أن تقوم برفع الظلم والدفاع؛ لرد أي اعتداء وقع على المسلمين، أو يتوقع أن يقع عليهم في ديارهم أو نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم. وذلك أن الإسلام وإن كان يدعو إلى السلم ويميل إليه إذا رغب فيه غير المسلمين بموادعة أو غيرها من الصلح، فإنه في الوقت نفسه لا يقف موقفًا سلبيًا أمام التحديات التي تجابه المسلمين، أو أمام الاعتداءات التي تقع على الضروريات الخمس للإنسان، وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال.
ولا يدعو الإسلام إلى السلم الرخيص فيقف مكتوف اليدين أمام عدوان الآخرين، بل إنه ليدعو أتباعه هنا إلى الجهاد ورد العدوان بكل وسيلة مشروعة، ويجعل من قتل دون دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه شهيدًا له أجر الشهداء؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد) 67.
هذا، ولا تقتصر مشروعية الجهاد هنا دفعًا عن المسلمين وردًا للعدوان الواقع عليهم فقط، بل إن الجهاد أيضًا يكون لرد العدوان الذي يقع من الحربيين على أهل ذمة المسلمين والمستأمنين في دار الإسلام واستنقاذهم من الظلم أو الأسر، فالأصل أنه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا، وأن ينصفهم ممن يظلمهم، كما يجب عليه ذلك في حق أهل الذمة؛ لأنهم تحت ولايته ما داموا في دار الإسلام، فكان حكمهم كحكم أهل الذمة 68.
وهذا الدفاع عن أهل الذمة يبيح للمسلمين أن ينقضوا العهد مع الحربيين الذين ظهروا على أهل ذمتنا للدفاع عنهم كالدفاع عن المسلمين 69.
وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة في بيان هذا السبب من أسباب القتال كقوله سبحانه وتعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?8?إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى? إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?9?) [الممتحنة: 8 - 9] .
وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [البقرة: 190] .
وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ? فَمَنِ اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 193 - 194]
وتشير الآيات الكريمة إلى شرطين في الدفاع الشرعي:
أحدهما: شرط اللزوم، أي: لزوم فعل الدفاع لرد العدوان. فقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) يعني: أن قتالنا لهم كان بسبب قتالهم لنا، والآية الثانية: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) تعني: ألا نقوم بقتال أو نستمر في قتال ما دام العدو قد كف أيديه عنا. وهذا يتطابق مع شرط اللزوم الذي يتحدث عنه شراح القانون المحدثون.
والشرط الثاني: هو شرط التناسب. بمعنى أن يكون رد العدوان متناسبًا مع الفعل الذي مورس به العدوان، ولا يجوز التزيد في هذا الصدد 70. وهو ما تشير إليه الآية الكريمة بوضوح: (مِثْلِ مَا اعْتَدَى? عَلَيْكُمْ) [البقرة: 194] .
كما تقوم الدولة الإسلامية بمهمتها في حماية دار الإسلام وبلاد المسلمين، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في أي دولة كانوا، وذلك لأن الإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلها دارًا واحدة وبلدًا واحدًا يجب حمايته والجهاد دونه إن كان دار عدل بيد المسلمين، ويجب الجهاد؛ لاسترداده إن كان مسلوبًا.
ومما يدل على أن حماية دار الإسلام سبب لإعلان الجهاد ما رواه الإمام محمد بن الحسن عن عبدالله بن أنيس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه سريةً وحده إلى خالد بن سفيان بن نبيحٍ الهذلي لما بلغه أنه يجمع الجيش لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وغزو المسلمين. قال رضي الله عنه: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس؛ ليغزوني وهو بعرنة 71، فأته فاقتله) . فقلت: يا رسول الله إني لا أعرفه! فقال: (إنك إذا رأيته هبته) ، وكنت لا أهاب الرجال، فخرجت متوشحًا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت نحوه، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا. قال: أجل، أنا في ذلك).
قال: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى جئت المدينة، وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: (أفلح الوجه) - وهذا لفظ يتكلم به العرب خطابًا لمن نال المراد وفاز بالنصرة - فقلت: وجهك الكريم يا رسول الله. فأخبرته خبري، فدفع إلي عصًا وقال: (تخصر بهذه يا ابن أنيس فإن المتخصرين في الجنة قليل) 72.
وكذلك يعتبر الإسلام المسلمين جميعًا أمة واحدة يجب حمايتهم والدفاع عنهم؛ لاستنقاذ المستضعفين منهم في أي بلدٍ كانوا، فقد يقع عليهم ظلم ويحيق بهم حيف في دولة جائرة، وعندئذ يجب على المسلمين أن يهبوا لنجدتهم والدفاع عنهم، ولايجوز أن يتركوهم ليقاسوا أنواعًا من الضيم أو الذل والهوان والضياع ينزله بهم أعداءالإسلام.
ويدل على هذا قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ?75?) [النساء: 75] .
ويدل عليه أيضًا: مناصرة النبي صلى الله عليه وسلم لحلفائه من خزاعة، لما استنصروا بالرسول صلى الله عليه وسلم على قريش وبني بكر. ولا يمنع من القيام بهذه النصرة والحماية والدفاع إلا وجود ميثاق بين المسلمين وبين الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء المسلمون المستضعفون، فقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى? يُهَاجِرُوا ? وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?72?) [الأنفال: 72] 73. ولذلك تقدم فيما سبق أنه يجب على المسلمين نبذ الميثاق أو المعاهدة من أجل استنقاذ المسلمين.
رابعًا: عمارة الأرض وفق المنهج الرباني:
خلق الله البشر وجعلهم خلفاء في الأرض؛ ليقوموا بعبادته وتوحيده، وليقيموا فيها الحضارة والعمران، وليستثمروا خيراتها التي سخرها لهم؛ ولذلك هيأ الله تعالى للإنسان كل ما يساعده على الانتفاع بهذا الكون -بما وهبه من العقل والحواس والملكات التي يستخدمها للتعرف على هذا الكون بكل موجوداته-، وليستطيع تسخيره بكل ما يحقق الغاية من وجوده.
وفي هذا يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30] .
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرةٌ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون) 74.
والاستخلاف في الأرض نوعان: عام، وخاص. فالاستخلاف العام: هو استخلاف جميع البشر في الأرض باعتبارهم مسلطين عليها، يقومون بعمارتها منذ عهد آدم عليه السلام؛ ولذلك لا يختص هذا الاستخلاف بصنف من البشر دون الآخر، فإن الناس عباد الله، ينتفعون بما سخره الله لهم وفق سنة الله تعالى في الرزق والعطاء، وفي الأسباب والمسببات في المجالين الروحي والمادي.
قال الله تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا(18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى? لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَ?ئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلًّا نُّمِدُّ هَ?ؤُلَاءِ وَهَ?ؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ? وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء: 18 - 20] .
وأما الاستخلاف الخاص: فهو استخلاف الدول والأفراد في الحكم؛ لتكون الأمة مستقلة بحكم نفسها، ولها من السلطات ما يحمي مصالحها ويعلي كلمتها، ويجعلها في اتساع وقوة، وفق سنة الله تعالى في التمكين و الاستخلاف والنصر.
قال الله تعالى: (. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 41] .
وقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55] .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة في هذا المعنى تبين أن الجماعة المسلمة أو الدولة الإسلامية ينبغي أن تقوم بعمارة الأرض وإنشاء الحضارة المهتدية فيها، فتكون القدوة والمثال للبشرية، وتوازن بين متطلبات الإنسان الروحية والخلقية والمادية.
ففي قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30 ) ) [البقرة: 30] .
قال الإمام الطبري رحمه الله: «أي: مستخلف في الأرض خليفةً، ومصير فيها خلفًا والخليفة على وزن الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال جل ثناؤه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس: 14] .
يعني بذلك: أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا. يقال منه: خلف الخليفة، يخلف خلافة وخليفى» 75.
وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول سيد قطب رحمه الله: «وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل وكشف ما في هذه الأرض من قوًى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله -بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه. وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية.
وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض -وتحكم الكون كله- والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك، وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة! وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة. وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم.
هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض!» 76.
وهذه العمارة للأرض هي منهج رباني تعاقب عليه الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى: (وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ? إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ?61?) [هود: 61] .
لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله. ولقد وضع الله للبشر منهجًا كاملًا متكاملًا للعمل على وفقه في هذه الأرض، منهجًا يقوم على الإيمان والعمل الصالح، وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه وتكفل التناسق والتوازن بين خطواته.
في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود، ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمير الإنسان؛ ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة، فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة المادية الزاهرة ولا يهبط إلى الدرك بإنسانيته وهو يرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة.
وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالًا ماديًا ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح، فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم.
وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ، ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح، وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض، والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان.
وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم، وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة؛ ليتحقق وعد الله، وتجري سنته: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ?105?إِنَّ فِي هَ?ذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ?106?) [الأنبياء: 105 - 106] .
فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون 77.
وبعد جولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما -وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل، وفي محتوياته المنوعة، الشاملة للأحياء والأشياء، والأفلاك والأجرام، والنجوم والكواكب، والجليل والصغير، والخافي والظاهر، والمعلوم والمجهول- من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان وأبعاد التاريخ، يرون فيها طرفا من سنة الله الجارية، التي لا تتخلف مرة ولا تحيد:
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ? فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?9?ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى? أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ?10?) [الروم: 9 - 10] .
وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين، وهم ناس من الناس، وخلق من خلق الله، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية، فسنة الله هي سنة الله في الجميع، وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود، بلا محاباة لجيل من الناس، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب -حاشا لله رب العالمين! -، وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون؛ كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعا، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعا ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعا.
فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) فحرثوها وشقوا عن باطنها، وكشفوا عن ذخائرها (وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) فقد كانوا أكثر حضارة من العرب، وأقدر منهم على عمارة الأرض ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) . فلم تتفتح بصائرهم لهذه البينات ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق، فمضت فيهم سنة الله في المكذبين ولم تنفعهم قوتهم ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?9?ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى?) كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقا على (أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) .
والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات الله أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة، وأن يتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها، وأن يدركوا أن سنة الله واحدة وأنها لا تحابي أحدًا، وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية، ووحدة الدعوة، ووحدة العاقبة في أجيال البشرية 78.
هذا الذي تقدم ليس حصرًا لكل وظائف الدولة، وإنما هو بيان إجماليٌ لها؛ لأن الدولة تقوم بكثير من الوظائف والواجبات والوظائف الإيجابية والسلبية؛ فإن الدولة التي يريدها الإسلام ليس لها غاية سلبية فقط، بل لها غاية إيجابية أيضًا، أي: ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض، وحفظ حرية الناس، والدفاع عن أرض الدولة فحسب.
بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله، وفي سبيل تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارةً، ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارةً أخرى، ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورًا، ويستعمل لذلك الرأي العام والنفوذ الاجتماعي طورًا آخر، كما تقتضيه الظروف والأحوال، فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تحدد دائرة عملها؛ لأنها شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثنى أمرًا من أموره قائلًا: إن هذا أمر شخصي خاص لكي لا تتعرض له الدولة، وبالجملة: إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية، وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي 79.
وليس هناك ما يحد من اختصاصات الدولة ووظائفها؛ إذ إنها تقوم بعمل يؤدي إلى جلب المصالح ودفع المضار، وإلى إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله، من خلال تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس وإتاحة الحرية الكاملة لهم في قبولها أو رفضها؛ لأنه لا إكراه في الدين. ومن أجل ذلك تمارس الدولة أو ولاة الأمور عددًا من الأعمال يمكن توزيعها في عدة ولايات، كولاية الحرب والقضاء والمال وغيرها، وهذا التوزيع والاختصاصات في الوظائف والولايات راجعٌ إلى عرف الناس ومقتضيات المصلحة، وليس له حدٌ في الشرع 80.
بعث الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم برسالة خاتمة تهدف إلى رد البشرية كلها إلى الله تعالى والخضوع لدينه؛ ليكون ذلك سبيلًا إلى تحريرها حرية حقيقية كاملة، عندما تتحرر من كل عبودية لغير الله تعالى. فانقسم الناس عندئذ قسمين:
منهم من فتح قلبه وعقله للهداية والنور، فآمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدق بما جاء به من عند الله تعالى، ومنهم من أغلق قلبه وعقله، وجعل على بصره غشاوة، فكفر وكذب؛ فكانوا بذلك فريقين اثنين: (فَرِيقًا هَدَى? وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ [الأعراف: 30] .
(ذَ?لِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ?) [محمد: 3] .
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [التغابن: 2] .
وعندما كتب الله تعالى النصر لنبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر دينه على الدين كله، وضرب الإسلام بجرانه 81، أصبح للمسلمين دولة تضم جميع المؤمنين بالله تعالى الموحدين له، ترفرف عليها راية التوحيد، وتقيم الحق والعدل بين الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقسط. لم يكن من أهدافها العلو في الأرض ولا مجرد بسط السيطرة والنفوذ، ولا إكراه الناس على الدين، فتركتهم وما يختارون، عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة أحكامه، بعد أن أزاحت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية، وخلت بينها وبين الناس؛ ليختاروا - عندما يكون لهم الاختيار- عن طواعية وإرادة.
وأقام الإسلام قواعد العلاقات الدولية بين الناس على افتراض أنهم إما مؤمنون، وإما معاهدون، وإما لا عهد لهم 82.