فهرس الكتاب

الصفحة 1379 من 2431

قال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) } [النساء:166] .

قال الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: إن يكفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله على بشر من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه، أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه، وصفيه من عباده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) } 40.

وعن عطاء بن السائب قال: «أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} .

وقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} أي: بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى لك بذلك، وكفى بالله شهيدًا» 41.

ومستند جميع الأنبياء والمرسلين هو الوحي الذي نزل به الروح الأمين من رب العالمين.

وهذه شهادة رب العالمين: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء:163] .

وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

فلا طريق لمعرفة عالم الغيب والتصديق به إلا عن طريق الخبر الصادق الذي يأتينا عن طريق الوحي، كما يكون عن طريق الآثار التي تدل عليه، والفطرة السليمة تتلقى معرفة ذلك بالتسليم والتصديق 42.

رابعًا: الشهادة على وحدانية الله:

شهادة الله تعالى على توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وجاءت شهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك.

قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } [آل عمران:18] .

فالشاهد الحقيقي على توحيده هو الله تبارك وتعالى، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء، وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة، ثم بعد ذلك جعل تلك الدلائل ووفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي جعلها الله تعالى وهدى إليها، لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد.

ولهذا قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام:19] .

وقرأ ابن عباس {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} بكسر (أنه) ثم قرأ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] .

بفتح إن، أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح 43.

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، وعلي بن سعيدٍ الرازي، قالا: ثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالبٌ القطان قال: أتيت الكوفة في تجارةٍ، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كان ليلةٌ أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ، ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي عند الله وديعةٌ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران:19] .

قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمدٍ، إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهرٍ لم تحدثني، قال: والله لأحدثنك بها إلى سنةٍ، فأقمت سنةً فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمدٍ، قد مضت السنة، قال: حدثني أبو وائلٍ، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة) 44.

شرعت الحدود؛ زجرًا للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش.

كما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا؛ لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته) 45.

والحدود: «عقوبة مقدرة شرعت لصيانة الأنساب والأعراض والعقول والأموال وتأمين السبل» 46.

وحدود الله: محارمه التي نهى عن ارتكابها وانتهاكها، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187] .

سميت بذلك؛ لأنها تمنع من الإقدام على الوقوع فيها.

وقد جاء في القرآن والسنة النبوية حدود لجرائم محددة تسمى جرائم الحدود، وهذه الجرائم هي:

الزنا واللواط، والقذف، والسرقة،، والسكر، والحرابة، والردة؛ وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله- على الشهادة على ثلاثة من الحدود:

أولًا: الشهادة على الزنا:

أجمع العلماء على أن جريمة الزنا تثبت بالشهادة أو الإقرار أو الحمل، واتفقوا على أن عدد الشهود في هذه الجريمة المنكرة أربعة شهود عدول، سواء أكان في رجم أم جلد، على حر أو عبد؛ لقول الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء:15] .

ولقوله تعالى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) } [النور:13] .

وهذا العدد شرط في قبول الشهادة على الزناة لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) } [النور:4] .

ولما جاء عن سعد بن عبادة رضي الله عنه. قال: (يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم) 47.

ولأن الشهادات تتغلظ بتغليظ المشهود فيه، فلما كان الزنا من أغلظ الفواحش المحظورة وآخرها، كانت الشهادة فيه أغلظ: ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة، ولا يجوز أن تسمع فيه شهادة النساء.

ولأن الزنا لا يكون إلا من اثنين، فلزم أن يشهد على كل واحد منهما شاهدان؛ لأنه كالشهادة على فعلين 48.

أما الإقرار بالزنا فشرطه شاهدان لا أربعة، كغيره من الإقرارات، يعني: لو أقر شخص بأنه زنا، فإن إقراره هذا لا يثبت عليه عند القاضي إلا بشهادة عدلين عليه 49.

ويجب أن يشهد الأربعة ويقولون: رأينا إيلاج الذكر في الفرج كالميل في المكحلة بالتفصيل؛ لأنه لا يكفي الإجمال في هذه الحالة 50.

وإن شهد اثنان على رجل بأنه زنى بها في الكوفة، وشهد آخران بأنه زنى بها في البصرة مثلًا، فلا تقبل الشهادة، ولا يقام عليهما الحد بالإجماع، ويحد الشهود حد القذف 51.

وإذا رأى الرجل زوجته تزني، ولا يجد أربعة شهداء يشهدون على ذلك، ولا يمكنه إقامة البينة، فقد شرع الله عز وجل اللعان حلًا لمشكلته، وإزالة الحرج عنه؛ لئلا يلحقه العار بزناها، ويفسد فراشه، ويلحقه ولد غيره.

واللعان: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة بلعن من الزوج، وغضب من الزوجة 52.

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) } [النور:6 - 7] .

وصفة اللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان، والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) } [النور:6] .

فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته فلانة بأنه رأى الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء، ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام الشهداء الأربعة 53.

ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة فتشهد أربع شهادات على زوجها فلانًا قد كذب عليها في اتهامها بالزنا مع فلان، وفي الخامسة تقول: أن غضب الله عليها إن كان صادقًا في تهمته.

قال تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) } [النور:8] .

سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة: لأن الغضب يكون على الجرم والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد سابق، فقد غضب الله على اليهود؛ لأنهم ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، ومع علمهم بذلك حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم، فكانوا مغضوبًا عليهم، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة:7] . بذلك يرتفع الحد عنها وعنه، فهي لا ترجم، وهو لا يجلد، ويفرق بينهما، فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: الشهادة على السرقة:

السرقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل معصية أوجب الله تعالى فيها حدًا، فهي كبيرة من الكبائر، لذا حرم الله تعالى أكل أموال الناس بغير حق، قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] .

والذي يسرق آكل للمال بالباطل.

فبين سبحانه أنه لا يجوز الاعتداء على حق المرء المسلم، ولذا شرعت الحدود والعقوبات، حتى تكون زاجرًا عن المعصية، والوقيعة فيها.

لذلك أنزل الله تعالى حد السرقة، وبين حد السارق، فقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) } [المائدة:38] .

ولم يفرق في الحكم بين الشريف والوضيع، كما جاء في قصة المخزومية، خلافًا للعادة الجاهلية في استيفاء الحقوق على الضعفاء والمغلوبين والترك عن الشرفاء والمرموقين.

والسرقة إفساد في الأرض، قال إخوة يوسف عليه السلام لما اتهموا بسرقة صواع الملك {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) } [يوسف:73] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) 54.

وقال صلى الله عليه وسلم: في حجة الوداع وهو يخطب الناس: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) 55.

والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه، أو نائبه 56.

فلو سرق الإنسان دخانًا، فليس هذا سرقة شرعًا؛ لأن هذا الدخان ليس له حرمة، وكذلك لو سرق خمرًا فإنها ليست بسرقة شرعًا؛ لأنه ليس بمال، فالمال هو العين المباحة النفع، وهذه عين محرمة 57.

والشهادة على السرقة تكون بشاهدي عدل، أو الإقرار، والعدل هو من استقام دينه، واستقامت مروءته، فهو ذو دين، وذو مروءة لم يفعل ما يخل بالدين، ولم يفعل ما يخل بالشرف والمروءة، فلا بد في الشهادة إذن أن يكون الشاهدان اثنين عدلين 58.

ولا تقبل شهادة النساء في السرقة؛ لأن الحدود لا يقبل فيها إلا الرجال، فإن شهد رجل وامرأتان فلا تقطع اليد، أو أربعون امرأة لا تقطع اليد، أو رجل واحد لا تقطع اليد، أو رجل فاسق ورجل عدل لا تقطع اليد، أو رجلان فاسقان لا تقطع اليد؛ لأنه لا بد من رجلين عدلين 59.

فلو أقر مرة واحدة، ثبت شهادته على نفسه، وقال: إني سرقت قطعت يده.

والدليل على ذلك أنه جيء بسارق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأقر بأنه سرق فقال: (ما إخالك سرقت؟ قال: بلى يا رسول الله، فأمر بقطعه) 60.

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (ما إخالك سرقت) أراد بذلك التثبت 61.

ثالثًا: الشهادة على رمي المحصنات:

القذف: الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة، أو نفي نسب موجب للحد فيهما.

وقد حرمه الله تعالى في القرآن العظيم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) } [النور:4] .

وجاء مع الأمر بجلد القاذف أمران نصت عليهما الآية، وهي قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ونصت الآية الكريمة على عدد الجلد، وهو ثمانون جلدة إذا قذف الرجل المحصنة العفيفة، وكذلك إذا قذف رجلًا أيضًا فإنه يجلد كذلك، إلا أن يأتي القاذف ببينة على صحة القذف، أي: يأتي بأربعة شهداء يشهدون على صحة قوله.

والقاذف ملعون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) } [النور:23] .

قال ابن جرير الطبري: «نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها» 62. قال الطبري أيضًا: «يقول تعالى ذكره: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهن بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول، يشهدون عليهن أنهم رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها» 63.

قال الحافظ ابن كثيرٍ: «هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاعٌ بين العلماء. فأما إن أقام القاذف بينةً على صحة ما قاله، رد عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) } [النور:4] .

فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينةً على صحة ما قاله ثلاثة أحكامٍ: أحدها: أن يجلد ثمانين جلدةً، الثاني: أنه ترد شهادته دائمًا، الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدلٍ، لا عند الله ولا عند الناس» 64.

وعن سعيد بن زيدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) 65.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس، التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات) 66.

قال الإمام النووي: «المحصنات الغافلات، فبكسر الصاد وفتحها قراءتان في السبع، قرأ الكسائي بالكسر والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به» 67.

والقذف الذي يوجب الحد هو الرمي بالزنا أو اللواط، أو ما يقتضيهما كالتشكيك في الأنساب، والطعن في الأمهات تصريحًا، لا تعريضًا و لا تلميحًا، إلا إن أقر المعرض بأن مراده هو القذف الصريح.

قال الإمام القرطبي «اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفًا ورميًا موجبًا للحد، فإن عرض ولم يصرح فقال مالكٌ: هو قذفٌ. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفًا حتى يقول أردت به القذف» 68.

وقال أيضًا: «للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف؛ وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف ساقط دونهما، وشرطان في الشيء المقذوف به، و هو: أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط، أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة من المقذوف؛ وهي: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفًا من غيرها أم لا» 69.

الحق: مفرد جمعه حقوق، وهو خلاف الباطل، والحقوق مجموعة من القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم حياة الناس من حيث الأشخاص والأموال على سبيل الإلزام هو اختصاص يقرره الشرع أو السلطة الحاكمة 70.

أولًا: الإشهاد على البيع:

أمر الله تبارك وتعالى بالإشهاد على البيع فقال: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) } [البقرة:282] .

والأمر هنا بالإشهاد للندب والإرشاد إلى ما فيه المصلحة والخير، كما قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وليس للوجوب، وحمل الأمر على الندب؛ لأن الأمر في قول الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، منسوخ، بقول الله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة:283] .

وقاله الشعبي والحسن البصري 71.

ومما يدلل على الندب حديث سويد بن قيس قال: (جلبت أنا ومخرفة العبدي بزًا من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان:(زن وأرجح) 72.

وكذلك بالحديث الذي يرويه عم عمارة بن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت وورد بعدة صيغ شهادة خزيمة 73.

من الملاحظ على هذه الأحاديث أن البيع تم، ولم يكن شهود على هذه العقود، فدل أن الأمر في الآية للندب وليس للوجوب.

قال الجصاص: «ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية، ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب» 74.

وقد نقلت الأمة خلفًا عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به 75.

فلما لم ينقل عن الصحابة والتابعين الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة، ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديوان والبياعات غير واجبين 76.

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة:282] «أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها» 77.

ثانيًا: الإشهاد على الدين:

أمر الله تعالى بتوثيق الديون، والإشهاد على ذلك، جاء ذلك في آية الدين التي هي أكبر آية في القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت