أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في كتب اللغة في مادة (حقق) أنّ الحقّ نقيض الباطل وجمعه «حقوقٌ» و «حقاقٌ» وليس له بناء أدنى عدد، وهو مصدر قولهم: حقّ الشيء، أي: وجب، ويطلق في اللغة على عدة معانٍ، منها: الأمر الواجب، والموجود الثابت، وحقّ الشيء يحق بالكسر، أي: وجب، وأحققت الشيء، أي: أوجبته، وحقّ عليه القول وأحققته أنا، أي: ثبت.
وحقّ الأمر يحقّه حقًّا وأحقّه، كان منه على يقين تقول: حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه، ويقال: ما لي فيك حقٌّ ولا حقاقٌ، أي: خصومة 1.
وعرّف المناوي الحق في اللغة بأنه «الثابت الذي لا يسوغ إنكاره» 2.
وقال الراغب الأصفهاني: «إن أصل الحق: المطابقة والموافقة» 3.
وبهذا يمكن القول: إن المعنى اللغوي للحق يتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
اختلفت عبارات العلماء وتعريفاتهم لمفهوم «الحقوق» في الاصطلاح، وأورد من ذلك عدة تعريفات مبتدأ بأقربها لموضوع البحث:
أولًا: أنّ الحق هو المطلب الذي يجب لأحد على غيره 4.
ثانيًا: أنّ الحق مصلحة ثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار يقررها الشارع الحكيم 5.
ثالثًا: أنّ الحق هو مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل الإلزام علائق الناس من حيث الأشخاص والأموال 6.
رابعًا: أنّ الحق هو الحكم المطابق للواقع، وهو يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك 7.
وذكر بعض الباحثين أنه يمكن من خلال التعريفات السابقة استنباط أبرز ما يتضمنه مفهوم «الحقوق» اصطلاحًا ملخصة على هذا النحو:
1.النصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
2.القواعد والمبادئ التي تضمنتها هذه النصوص.
3.تنظيم علاقات الناس.
4.الوجوب والإلزام في تطبيق تلك القواعد 8.
ويمكن استنادًا إلى كل ما سبق تعريف الحق بأنه: أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه.
فالمعنى الاصطلاحي تفصيل للمعنى اللغوي ولا يخرج عنه.
1.وردت مادة (حق) في القرآن (10) مرات 9.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
فعل الماضي ... 2 ... {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} [المائدة:107]
اسم ... 8 ... {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]
ولم يرد لفظ (الحقوق) في القرآن مجموعًا، وورد مفردًا بمعناه اللغوي، وهو: وجب 10، ولم يخرج في استعماله القرآني عن معناه اللغوي.
1.الواجبات:
الواجبات لغة:
أصل الوجوب في اللغة السقوط يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبةً يعني سقطة، والوجوب أيضًا بمعنى الإلزام، وجب الشيء يجب وجوبًا، أي: لزم وأوجبه هو وأوجبه اللّه واستوجبه، أي: استحقّه، ويقال: وجب الشيء يجب وجوبًا إذا ثبت ولزم 11.
الواجبات اصطلاحًا:
والواجب في عرف الفقهاء ما ثبت وجوبه بدليل شرعي فيه شبهة العدم كخبر الواحد، وهو ما يثاب بفعله ويستحق بتركه عقوبة لولا العذر 12.
الصلة بين الواجبات والحقوق:
الحقوق أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه، والواجبات أعم منها؛ إذ إنها تشمل الحقوق نحو النفس ونحو الغير.
المظالم:
المظالم لغة:
الظّلم هو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلمه يظلمه ظلمًا وظلمًا ومظلمةً، فالظّلم مصدرٌ حقيقيٌّ، والظّلم الاسم يقوم مقام المصدر، وتظلّم منه، أي: شكا من ظلمه، وتظلّم الرجل أحال الظّلم على نفسه، ويقال: تظلّم فلانٌ إلى الحاكم من فلانٍ فظلّمه تظليمًا، أي: أنصفه من ظالمه وأعانه عليه 13.
المظالم اصطلاحًا:
والظّلامة، والظّليمة، والمظلمة بفتح اللام هي ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما يؤخذ من المرء بدون حق، تقول عند فلان ظلامتي 14.
وعرّف المناوي المظلمة بأنها الخصلة التي يقع فيها الظلم وليست مصدرًا، بل هي بمعنى الشيء المظلوم به 15.
الصلة بين المظالم والحقوق:
يمكن الربط بين الحق والمظالم بأن رفع المظالم عن الناس هو صورة من صور الحق، أو معلم من معالمه، وأن المظالم هي سلب لحقوق الناس وإهدار لها.
حقوق الإنسان:
شاع في العصر الحاضر اصطلاح حقوق الإنسان، وأصبح يستخدم على نطاق واسع في المحافل العلمية والقانونية، والمنظمات الدولية والإقليمية، وأنشأت لأجله منظمات وهيئات، وعقدت بشأنه الندوات والمؤتمرات، وسعت الدول الغربية إلى تطبيقه على حسب أهوائها، فإذا كان الأمر يخصهم ويخص ذويهم، فإنهم ينادون بتطبيقه في كل وقت وحين، وإن كان الأمر لا يعنيهم ولا يعني أتباعهم، فإنهم أكثر الناس انتهاكًا لحقوق الإنسان وإهدارًا لها.
الحقوق لغة:
تتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة.
حقوق الإنسان اصطلاحًا:
هذه بعض التعريفات الخاصة بهذا المصطلح:
أولًا: أنّ حقوق الإنسان المراد بها: حماية مصلحة الشخص سواء أكان حقًّا عامًّا كتحقيق الأمن، وقمع الجريمة، ورد العدوان، والتمتع بالمرافق العامة، أم خاصًّا كحق الزوجة في النفقة وحق الأم في الحضانة لطفلها، وحق الأب في الولاية على أولاده ونحوه .. 16.
ثانيًا: أنّ المقصود بها حرمات الله -سبحانه وتعالى- فهو الذي تفضل بها على الإنسان؛ ولأنّ حمايتها والذود عنها قربى لله تعالى؛ فلا يجوز لصاحبها أن يفرط فيها 17.
ثالثًا: أنّ المراد بحقوق الإنسان: تلك المبادئ والقوانين العامة التي اتفقت عليها القوانين الدولية فيما يتعلق باحترام الإنسان في مجال عقيدته، وحريته، وثقافته، وفي مجال حقوق المرأة والطفل، والقضايا السياسية، وحرية التفكير ... وهي حقوق كفلتها الشريعة الإسلامية وجميع الأديان والقوانين الدولية 18.
رابعًا: أنّ حقوق الإنسان تتمثل في المعايير الأساسية التي تفضل بها الله سبحانه وتعالى على العباد، وبما يكفل للناس كافة أن يعيشوا بكرامة كبشر 19.
وبالنظر إلى كل هذه التعريفات نجد أنها لا تخرج عن الإطار الشرعي الذي كفله الإسلام للإنسان أيًّا كان جنسه أو لونه أو عقيدته أو موطنه، فالله تعالى قد أمر بحفظ حقوق الإنسان في جميع مراحل حياته، وبعد مماته.
1.تنقسم الحقوق إلى قسمين: حقوق الله عز وجل، وحقوق العباد، وهناك قسم ثالث يجتمع فيه الحقان، وهذه الحقوق على مراتب ودرجات، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولًا: حقوق الله تعالى:
حق الله عز وجل عرفه التفتازاني: بأنه ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاصٍ بأحدٍ، فينسب إلى الله تعالى، لعظم خطره، وشمول نفعه 20.
وأشار ابن القيم إلى التفرقة بين حق الله تعالى وحق العبد بأن حق الله عز وجل هو ما لا مدخل للصلح فيه؛ كالحدود والزكوات والكفارات وغيرها 21.
ويمكن تعريف حق الله تعالى بأنه ما أوجبه الله عز وجل لنفسه؛ كعبادته، وشكره، وطاعة أمره، وغير ذلك.
وأبرز حقوق الله تعالى على العباد حق العبادة وعدم الشرك به، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] .
وقال جل شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
فهذه الآيات الكريمة تشير إلى حقوق الله تعالى التي من أجلها خلق الخلق ومكنهم في الأرض واستعمرهم فيها، ويسر لهم سبل العيش فيها، مما يقتضي معه من العباد أن يقوموا بتلك الحقوق لله تعالى.
وفي حديث معاذ بن جبلٍ قال: (كنت ردف النّبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلاّ مؤخرة الرّحل فقال:(يا معاذ بن جبلٍ) . قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك، ثمّ سار ساعةً ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ) . قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. ثمّ سار ساعة ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ) . قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ اللّه على العباد) . قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: (فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) . ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ) . قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك) . قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: (أن لا يعذّبهم) 22.
وكل العبادات التي أمرنا الله تعالى بها على اختلاف درجاتها ومراتبها من صلاة وزكاة وصيام وحج وذكر واستغفار وقراءة قرآن وغير ذلك إنما هي حقوق لله تعالى علينا.
ثانيًا: حقوق العباد:
حق العبد: هو ما يتعلق به مصلحة خاصة له، كحرمة ماله. قال ابن القيم: «وأما حقوق العباد، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها» 23.
وحقوق العباد في الشريعة تنقسم باعتبار ما يضاف إليه الحق، أما حق الإنسان فهو أكثر من أن يخص، وهو ينقسم إلى عام وخاص، فالعام ما ترتب عليه مصلحة عامة للمجتمع من غير اختصاص بأحد في مثل: التعليم -المساواة- القضاء. والخاص ما تعلقت به مصلحة خاصة بالفرد؛ كحقه في إدارة عمله، وحق الزوج على زوجته.
وثمت أمور يجتمع فيها حقان حق لله عز وجل، وحق للعبد، وفي بعضها يكون حق الله تعالى هو الغالب، وفي بعضها الآخر يغلب حق العبد.
فمن النوع الأول: الذي فيه الحقان وحق الله تعالى هو الغالب:
حد القذف عند أكثر العلماء، فإنه من حيث إنه يقع نفعه عامًّا بإخلاء العالم عن الفساد حق الله تعالى؛ إذ لم يختص بهذا إنسان دون إنسان، ومن حيث إنّ فيه صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف حق العبد؛ إذ هو الذي ينتفع به على الخصوص ثم في هذا حق الله تعالى أيضًا؛ لأنّ في النفس حقين حق الاستعباد لله وحق الانتفاع للعبد فكان الغالب حق الله تعالى، فليس للمقذوف إسقاط الحد؛ لأن حق الله لا يسقط باسقاط العبد وإن كان غير متمحض له كما يشهد به دلالة الإجماع على عدم سقوط العدة بإسقاط الزوج إياها لما فيها من حق الله عز وجل 24.
قلت: وبناء على كون حق الله تعالى هو الغالب فإنه لم يفوض استيفاء الحد إلى المقذوف ليقيمه؛ لأنّ حقوقه تعالى لا يستوفيها إلا الإمام، لاستنابة الله تعالى إياه في استيفائها دون غيره، كذلك فإن حد القذف لتهمة القاذف المقذوف بالزنا، وحد الزنا حق لله تعالى اتفاقًا، فلم يكن استيفاؤه للمقذوف.
ومن النوع الثاني الذي اجتمع فيه الحقان وحق العبد هو الغالب:
القصاص اتفاقًا، فإن لله تعالى في نفس العبد حق الاستعباد، وللعبد حق الاستمتاع؛ ففي شرعية القصاص إيفاء للحقين وإخلاء للعالم عن الفساد إلا أن وجوبه بطريقة المماثلة المنبئة عن معنى الجبر؛ وفيه معنى المقابلة بالمحل فكان حق العبد راجحًا؛ ولهذا فرض استيفاؤه للوارث وجرى فيه الاعتياض بالمال والعفو 25.
1.أولًا: حقوق الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل هم صفوة خلق الله تعالى، أرسلهم لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هم المبلغون عن رب العباد جل وعلا مراده من العباد، أودع الله تعالى فيهم خصائص وصفات كمال ليست في غيرهم، ليكونوا أقدر على تحمل عبء النبوة والرسالة، تحملوا الإيذاء والجحود من أقوامهم، فازدادوا بذلك رفعة عند الله.
ولذلك كان من حقهم على الناس الطاعة والامتثال، والاقتداء بهم والاهتداء، وهذا طرف مما ورد في القرآن الكريم من حقوق الأنبياء عامة، ومن حقوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأتناول ذلك في فرعين على هذا النحو:
الفرع الأول: من حقوق الأنبياء والرسل على جهة العموم:
1.حق الإيمان بالأنبياء والرسل.
الإيمان بالأنبياء والرسل واجب، نصت عليه آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، ورتب الله تعالى على الإيمان بالرسل خيرًا كبيرًا ونفعًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، وتنوعت هذه النصوص فجاءت في معرض الكلام عن نبي الله عيسى عليه السلام، وفي معرض الكلام عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي غيرها من المواضع العامة والخاصة، ومن هذه النصوص ما يلي:
1 -قوله تعالى (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:179] .
قال أبو جعفر الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: «وإن تؤمنوا» ، وإن تصدّقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم «وتتقوا» ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه= «فلكم أجر عظيم» ، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم» 26.
2 -قوله تعالى (? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے? ? ? ? ?) [البقرة:285] .
ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي مُبيِّنًا مراتب الإيمان بالرسل في أربعة أمور:
المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. المرتبة الثانية: أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي.
المرتبة الثالثة: تفضيلهم على الملائكة، على تفصيل واسع في هذه المسألة وخلاف لا محل لذكره هنا.
المرتبة الرابعة: أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض على تفصيل في المسألة 27.
2.حق التقدير والتعظيم والنصرة للأنبياء والرسل.
جعل الله تعالى تقدير الأنبياء والمرسلين وتعظيمهم ونصرتهم حق لهم واجب على أتباعهم، فقال جل شأنه: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [المائدة:12] .
قال أبو جعفر النحاس: «قال أبو عبيد: عزرتموهم عظمتموهم، وقال يونس: أثنيتم عليها، وأحسن من هذين القولين قول ابن أبي نجيح عن مجاهد أن معنى عزرتموهم: نصرتموهم، والتعظيم داخل في النصرة، والدليل على هذا قوله تعالى: (? ?) [الفتح:9] وأصل التعزير في اللغة: المنع، ومنه عزرت فلانًا، أي: أنزلت به ما يمتنع من أجله من المعاودة» 28.
3.حق الطاعة لجميع الأنبياء والرسل.
وذلك وارد في أكثر حوارات الأنبياء مع أقوامهم، حيث كلف الله تعالى أتباع الأنبياء بطاعتهم، وحث كل نبي أمته على ذلك كما في حوار سيدنا نوح عليه السلام مع قومه في قول الله تعالى: (? ? ?) [الشعراء:108] .
وكذا في قوله تعالى في سورة: (? ? ? ? ?) [نوح:3] .
وما فعله نبي الله نوح عليه السلام من أمره قومه بالطاعة، فعله غيره من الأنبياء مثل: سيدنا هود، وسيدنا صالح، ولوط، وشعيب، وهارون، وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، على نحو ما هو مبسوط في مواضع عدة من سور القرآن الكريم، لاسيما سورة الشعراء.
والناظر في الآيات الكريمة التي أمر فيها الأنبياء أقوامهم بطاعتهم يلحظ فيها أمرين:
أولهما: تأكيد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام على قومهم بضرورة الطاعة، مع إعادة التأكيد مرة أخرى من بعضهم؛ كنبي الله نوح وهود وصالح وعيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة أتم التسليم.
وثانيهما: التذكير بنعم الله تعالى عليهم؛ كنعم الأمن، وسعة الرزق، والبسط في العمر والمال، والربط بين الطاعة وبين الفلاح والخير.
الفرع الثاني: من حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم على جهة الخصوص:
1.حق الطاعة من حقوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا مبسوط في آيات عدة من القرآن، حيث ورد مقرونًا في أكثر المواضع بطاعة الله تعالى ومن ذلك:
قول الله تعالى: (? ? ? ? ?) [آل عمران:128] .
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [النساء:59] .
وفي الأمر بطاعة الرسول ومدلوله هنا يقول الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته» 29.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [النور:54] .
والآية تؤكد على ضرورة طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التنبيه على أن الطاعة سبب الهداية.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [محمد:33] .
وقد ذكر الماوردي فيها وجهين: أحدهما: أطيعوا الله بتوحيده، وأطيعوا الرسول بتصديقه، والثاني: أطيعوا الله في حرمة الرسول، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله 30.
ومواضع أخرى في المائدة:92، والأنفال:1، و 46، والنور:56، والمجادلة:11، والتغابن 12، و 16).
2.حق الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أمر الله تعالى المسلمين بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك فرض عين على كل مسلم، فقال جل شأنه: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ?) [الأحزاب:56] .
قال الجصاص: «قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، وهو فرض عندنا، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم، متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه» 31.
وفي معنى قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ) ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، قاله أبو العالية.
الثاني: أن صلاة الله تعالى عليه المغفرة له، وصلاة الملائكة الاستغفار له، قاله سعيد بن جبير.
الثالث: أن صلاة الله تعالى عليه رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء له، قاله الحسن، ومعنى قول عطاء بن أبي رباح.
الرابع: أن صلاتهم عليه أن يباركوا عليه، قاله ابن عباس 32.
وحكى الماوردي عن ثعلب أن معنى قولنا: «اللهم صل على محمد» ، أي: زد محمدًا بركة ورحمة، ويجري فيه التأويلات المذكورة، وأن قوله تعالى: (? ?) يحتمل وجهين:
أحدهما: سلموا لأمره بالطاعة له تسليمًا.
الثاني: وسلموا عليه بالدعاء له تسليمًا، أي: سلامًا 33.
3.حق الاتباع والاقتداء من حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم 34.
أمر الله تعالى المؤمنين باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في غير موضوع من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله جل شأنه: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف:158] .
قال ابن عادل الدمشقي: «وهذا الأمر يدلّ على وجوب متابعة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في كلّ ما يأتي به قولًا كان أو فعلًا أو تركًا إلا ما خصه الدّليل» 35.
وقوله جل ثناؤه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:21] .
والأسوة هنا بمعنى القدوة، وأكثر المفسرين على أن الآية وإن كانت واردة في سبب خاص، وهو التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر ونحوه مما ابتلي به يوم أحد، فإنها تشير إلى ضرورة الاقتداء به في كل فعل وقول على جهة العموم 36.
4.حق توقير النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وعدم إيذائه أو إيذاء آل بيته.
من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا التي وردت في القرآن الكريم وجوب تقديره وتكريمه واحترامه، وعدم التعرض له صلى الله عليه وسلم بإيذاء؛ بالقول أو بالفعل، سواء كان الإيذاء لشخصه الكريم أو لآل بيته الطيبين الأطهار؛ رجالًا كانوا أو نساء.
وقد جاء هذا الحق في آية كريمة شاملة في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: (گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:53] .
وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه الشيخان أنّ أنس بن مالكٍ قال: (أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب، لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانت معه في البيت، صنع طعامًا، ودعا القوم، فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يخرج، ثمّ يرجع، وهم قعودٌ يتحدّثون، فأنزل اللّه تعالى:(گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) إلى قوله: (? ? ?) فضرب الحجاب، وقام القوم) 37.
5.حب النبي صلى الله عليه وسلم من حقوقه علينا.
حب النبي صلى الله عليه وسلم واجب علينا، وهومن حقوقه المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.