فهرس الكتاب

الصفحة 2422 من 2431

يوسف عليه السلام

أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام:

هو نبي الله: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم جميعًا الصلاة والسلام، قال النووي رحمه الله: وفي يوسف ست لغاتٍ ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه 1.

وهذا نسب معلوم مشهور وقد دل عليه القرآن والسنة وكفى بهما.

أما القرآن ففي قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) } [يوسف:6] .

وقوله على لسان يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف:38] .

وأما في السنة: فحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام) 2.

وهو أحد أولاد يعقوب عليه السلام الاثني عشر ذكرًا.

أما أبوه: فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، ويعقوب عليه السلام: هو إسرائيل 3 أبو بني إسرائيل الذي ينسبون إليه 4.

وكان أبوه من أنبياء الله الصالحين الذين اصطفاهم الله واجتباهم وأثنى عليه مع جملة من إخوانه الأنبياء فقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) } [ص:45 - 47] .

وقال عنه: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا} [الأنعام:84] .

وقال: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) } [مريم:49 - 50] .

وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) } [الأنبياء:72 - 73] .

وقد أعطاه الله علمًا وبصيرة في تعبير الرؤى، وقال عنه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:68] .

وأما أمه: فلم يرد ذكر اسمها في الكتاب أو السنة، والصحيح أنها عاشت وحضرت أحداث قصته خلافا لمن قال بوفاتها قبل ذلك، وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر القرآن حيث قال في رؤياه في بداية قصته: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [يوسف:4] .

وفسرت الشمس بأمه، وقال سبحانه في نهاية قصته: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} [يوسف:99 - 100] .

وإذا أطلق الأبوان فالمراد بهما الأب والأم حقيقة إلا إذا وجدت قرينة صارفة ولا قرينة ههنا.

قال أبو جعفر ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن إسحاق بأن المراد بأبويه: أبوه وأمه؛ لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس والمتعارف بينهم في «أبوين» ، إلا أن يصح ما يقال من أن أم يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك بحجة يجب التسليم لها، فيسلم حينئذ لها 5.

وقال الحافظ ابن كثير قال ابن جريرٍ: ولم يقم دليلٌ على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها. وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق 6.

ثانيًا: زمانه عليه السلام:

يوسف عليه السلام هو النبي الخامس المنحدر من سلالة الخليل إبراهيم عليه السلام، ويعتبر يوسف عليه السلام من أوائل أنبياء بني إسرائيل بل لعله أولهم بعد أبيه، لأن أباه يعقوب هو إسرائيل الذي تنسب إليه بني إسرائيل وأنبياؤهم من نسله، كموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وغيرهم، وقد جاؤوا بعد يوسف كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم حين قال في سياق قصة موسى عليه السلام مع فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) } [غافر:34] .

وقد نشأ في حضن أبيه وعاصر إخواته وحصل منهم تجاهه ما قصه القرآن، وقد عاصر أيضًا أممًا أخرى، ودعاهم إلى الله تعالى، فقد نشأ في الشام، وانتقل إلى مصر حين بيع بها رقيقًا ظلما وعدوانًا، ثم استقر له بها المقام بعد أن من الله عليه بالبراءة والنجاة من تلك المحن، ورفع من قدره، وآلت إليه أمور الملك، وجاء بوالديه وإخوته فأقاموا معه بمصر، ولا زال بها حتى توفاه الله تعالى.

ثالثًا: مكانته عليه السلام:

يوسف عليه السلام نبي من أنبياء الله، اصطفاه الله واجتباه، ورفع مكانته، ومن ملامح ذلك:

1.أنه أنزلت في شأنه سورة كاملة سميت باسمه وهي سورة يوسف، وتكرر ذكر اسمه فيها أربعًا وعشرين مرة، ولم تذكر قصته في غيرها، ولم يذكر اسمه في غيرها إلا في سورة الأنعام وغافرٍ 7.

2.أثنى الله تعالى عليه في هذه السورة ووصفه بالإخلاص وأضافه إليه في زمرة عباده فقال: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] .

3.أثنى عليه في جملة من الأنبياء والمرسلين وقال عنهم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ ? نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? كُلًّا هَدَيْنَا ? وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ? وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى? وَهَارُونَ ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى? وَعِيسَى? وَإِلْيَاسَ ? كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ? وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86 ) ) [الأنعام:83 - 86] ، فقوله: (ڑ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) ، وقوله: (وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) يشمل جميع المذكورين من إسحاق إلى هنا 8.

4.لطف الله به وتولاه بعنايته في قصته والمحن التي مر بها؛ حيث حفظه في البئر وأمنه، وهيأ له أن يكون في مصر في بيت العزيز مكرمًا، وعصمه من فتنة النساء، وصبره في السجن، وبرأه مما اتهم به، وأنجاه من السجن، وأعطاه الملك، وجمع شمله بأبيه بعد حين من الدهر، كما سيأتي تفصيل ذلك.

5.قال النبي صلى الله عليه وسلم منوها بمكانته: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) 9.

6.قوله صلى الله عليه وسلم هذا فيه ثناء على يوسف عليه السلام وبيانٌ لصبره وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قال: ائْتُونِي بِهِ ? فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى? رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ?) [يوسف:50] .

فلم يخرج يوسف صلى الله عليه وسلم مبادرًا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل؛ بل تثبت وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه ولتظهر براءته، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قاله تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف عليه السلام والله أعلم 10.

ورد ذكر يوسف عليه السلام في القرآن الكريم (27) مرة في سورتين 11.

وأما قصته عليه السلام فقد ذكرت في سورة واحدة حملت اسمه عليه الصلاة والسلام.

أولًا: صفاته الخَلْقية:

يوسف عليه السلام ميزه الله وأكرمه بجملة من محاسن الصفات الخلقية، وأكتفي بأبرزها وهو: جمال خلقته.

فقد كان نبي الله يوسف عليه السلام من أجمل خلق الله ومن أحسنهم وجهًا، وصار جماله مضرب المثل 12، وقد دل على جمال صورته القرآن والسنة.

أما القرآن: فقد ذكر في قصته ما حصل من افتتان امرأة العزيز به بسبب جماله حتى راودته عن نفسه واستعانت عليه بالنسوة فلما رأينه ذهلن من جماله وقطعن أيديهن وهن لا يشعرن، وعبرن عن دهشتهن من جماله وشبهنه بالملائكة كما حكى ذلك القرآن حيث قال: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف:31] .

وأما السنة: فما أخرجه مسلم في صحيحه من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء، وفيه: (فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد اعطي شطر الحسن) 13.

وقوله: (قد أعطي شطر الحسن) في معناه أقوال للعلماء، منها: أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام؛ لأن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحسن البشري 14.

ومنها: أن المراد أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم 15.

ومنها: أن المراد بـ (شطر الحسن) : نصف جنس الحسن مطلقًا، أو نصف حسن جميع أهل زمانه 16. وأيا ما كان المعنى المراد بشطر الحسن فالمقصود أن الله أعطاه جمالًا في الصورة.

ثانيًا: صفاته الخُلُقية:

نبي الله يوسف عليه السلام كان متحليًا بمحاسن الأخلاق و جميل الصفات وكريم الخصال كحال إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ومن خلال التأمل في سيرته يمكن استخلاص جملة من هذه الصفات، ومنها:

1.الإخلاص.

وقد شهد له بذلك رب العالمين جل جلاله حين قال: (كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ?24?) [يوسف:24] .

وهو من أسباب عصمته من الفاحشة، «فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له» 17.

2.الكرم.

وقد دل على ذلك القرآن الكريم، ونصت عليه السنة النبوية، فقد تجلى كرمه في السجن في تعامله مع السجناء وإحسانه إليهم حتى وصفوه بالإحسان وقالوا: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:36] .

وتجلى كرمه حين ولي الملك وصار يوزع القوت على الناس ويجود به عليهم وقال عن نفسه: (ے ےأَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) [يوسف:59] .

وحين عفا عن إخوته مع قدرته على الانتقام ولا يفعل ذلك إلا الكرام، وغير ذلك من صور كرمه.

وقد شهد له بهذا الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام) 18.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال:(أتقاهم) فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله) قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وفي لفظ عند البخاري: قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال:(أكرمهم عند الله أتقاهم) قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: (فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) ، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني؟) قالوا: نعم. قال: (فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) 19.

قال النووي: «قال العلماء وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق مع شرف النبوة مع شرف النسب، وكونه نبيًا ابن ثلاثة أنبياء متناسلين أحدهم خليل الله صلى الله عليه وسلم، وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه، ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة، وحياطته للرعية، وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم، وإنقاذه إياهم من تلك السنين، والله أعلم 20» .

وكرم يوسف عليه السلام كرم أصيل في النفس، موروث من أجداده، فجده الخليل عليه السلام هو مكرم الضيفان؛ وإذا كان الأصل طيبًا كان الفرع كذلك.

3.الصدق.

حتى صار من معه في السجن يخاطبه بقوله: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46] .

أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله 21.

«وإنما وصفه به عن خبرةٍ وتجربةٍ اكتسبها من مخالطة يوسف عليه السلام في السجن» 22.

وشهدت له بذلك امرأة العزيز أمام الملإ حين قالت: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [يوسف:51] .

4.الأمانة.

وأعظم ما تجلت في كفه عن الفاحشة، وعدم خيانته لله تعالى ولا لزوج المرأة، وقد قالت امرأة العزيز عند ساعة البراءة: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ?) [يوسف:51] .

ثم قالت: (ذَ?لِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف:52] .

وكذلك أمانته في المال وقوله للملك (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى? خَزَائِنِ الْأَرْضِ ? إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55] .

5.العفة.

في قصة يوسف عليه السلام يتجلى تمام عفته عليه السلام؛ حيث كف عن الشهوة المحرمة وعن جريمة الزنى مع توفر الأسباب والدواعي، بل بمجرد أن (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) ودون تردد (مَعَاذَ اللَّهِ) [يوسف:23] .

ولما أرادت أن تجبره على ذلك هرب منها (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ) [يوسف:25] .

بل إنه لما تمالأ عليه النسوة اختار السجن على فعل الفاحشة (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ? وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ?33?فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?34?) [يوسف:33 - 34] .

قال الحافظ ابن كثير: «وهذا في غاية مقامات الكمالأنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال، والرياسة ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه» 23.

بل من عجيب أمره أنه يدعى إلى الخروج من السجن فيأبى ويرفض الخروج إلا بعد ثبوت براءته وتطهير سمعته (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ? فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى? رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ? إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) [يوسف:50] .

فأي عفة هذه؟!

6.العفو والصفح.

وهذا من أعظم ما تجلى من خلق يوسف عليه السلام في قصته مع إخوته، فبعد كل الأذى الذي لحق به منهم: كالهم بقتله وإلقائه في البئر والتفريق بينه وبين أبيه، والتسبب في تلك المحن المتتالية: محنة البئر ومحنة الرق ومحنة فتنة المرأة ومحنة السجن؛ لكنه مع كل ذلك عفا عنهم وسامحهم وهو في موقع قوة ولو شاء أن ينتقم لانتقم ولكنه لم يفعل، بل قال تلك الكلمة العظيمة: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ? يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ? وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ?92?) [يوسف:92] .

فضرب أروع الأمثلة في العفو والصفح.

7.الصبر.

تجلى ذلك في صبره على أذى إخوته وعفوه عنهم وقوله لهم مبينا فضل الصبر: (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ? قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَ?ذَا أَخِي ? قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ? إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:90] .

وتجلى ذلك أيضًا في صبره عن المعصية وكف نفسه عن الشهوة مع توفر الأسباب والدواعي بل ووجود المغالبة، وفي صبره في السجن حتى عندما عفي عنه وطلب من الخروج من السجن لم يستعجل للخروج بل بقي حتى ثبتت براءته، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبره وقال منوها بشأنه: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) 24.

قال ابن الجوزي: قرأت سورة يوسف عليه السلام فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره، وشرح قصته للناس، ورفع قدره بترك ما ترك، فتأملت خبيئة الأمر، فإذا هي مخالفة للهوى المكروه، فقلت: وا عجبًا! لو وافق هواه من كان يكون؟! ولما خالفه، لقد صار أمرًا عظيمًا، تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق باجتهاده، وكل ذلك قد كان بصبر ساعة، فيا له عزًا وفخرًا، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب 25.

8.الشكر.

كان من صفاته عليه السلام شكر الله على نعمه ورد الفضل إليه، تجلى ذلك في قوله للسجينين: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ? ذَ?لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف:37] .

وفي قوله: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ? ذَ?لِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ?38?) [يوسف:38] .

وفي قوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ?) [يوسف:101] .

9.التواضع.

وهذا واضح من خلال الآيات السابقة ورده الفضل دائمًا إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ومن خلال تواضعه لوالديه، كما قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [يوسف:100] .

وعدم نسيانه للسجن حتى وهو في الملك حيث قال: (ں ں وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) [يوسف:100] .

10.العلم.

علم الوحي وعلم تعبير الرؤى وعلم سياسة الناس وغيره.

قال عنه الله تعالى: (? وَكَذَ?لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ? وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى? أَمْرِهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?21?وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?22?) [يوسف:21 - 22] .

وقال هو عن نفسه مخاطبًا الفتيين في السجن: قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ? ذَ?لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ?) [يوسف:37] .

11.الإحسان.

شهد له بذلك رب العزة جل وعلا حيث قال: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:22] .

وقال: (وَكَذَ?لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ? نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ? وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:56] .

ووصفه بذلك أهل السجن حين قالوا: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:36] .

ووصفه بذلك إخوته حين قالوا: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:78] .

12.العدل.

تجلى ذلك من خلال سياسته في الملك وعدله في توزيع الطعام بين الناس في سني الجدب وإعطائه لكل واحد حمل بعير لا يزيد عليه، ومن خلال قوله لإخوته لما طلبوا منه أن يأخذ واحدًا منهم بدلًا من أخيه الذي وجد المتاع في رحله: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) [يوسف:79] .

13.حفظ الجميل.

حيث حفظ جميل العزيز وإحسانه إليه؛ فلم يخنه من ورائه، وذكر ذلك لامرأته لما راودته (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ? قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ? إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف:23] .

فقوله: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) قصده العزيز، «فذكر عنوان الربوبية هنا دون السيادة؛ لما فيه من الاعتراف بالمعروف والفضل، وهذا دليل على أن من المروءة ورفيع الأخلاق أن يحفظ الإنسان حق من أحسن إليه، فضلًا عن أن يخونه، والسياق دال على أن المراد هو من رباه وقال: أكرمي مثواه، لا خالقه؛ لأنه المتبادر إلى مفهوم المرأة المتلقية للخطابة» 26.

14.الغيرة على دين الله.

حتى إنه مارس الدعوة وهو داخل السجن، وقال منكرًا على من عبد غير الله (. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ?) [يوسف:39] .

15.الأناة.

وهذا واضح من خلال امتناعه عن الخروج من السجن- حين طلب منه ذلك- حتى تثبت براءته، وحين تأني في الإتيان بوالديه وضم الأسرة إليه؛ ليكون ذلك على أحسن حال وأنسب وقت، وغير ذلك.

هذا ما بدا لنا من صفات يوسف وأخلاقه من خلال التأمل في قصته والآيات والأحاديث الواردة في شأنه، وأسأل الله العفو والمغفرة عن أي خطإ أو زلل.

أولًا: تعليم الله إياه تعبير الرؤى:

برع يوسف عليه السلام في تعبير الرؤى وتفسير الأحلام 27، فكان إذا عبر الرؤيا وقعت كما عبرها، وقد كان ذلك بتعليم الله تعالى له، كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:21] .

وقال له والده: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:6] .

وقال هو عن نفسه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:101] .

فقد بين الله جل وعلا أنه علم نبيه يوسف عليه السلام من تأويل الأحاديث، وتأويل الأحاديث هو: تعبير الرؤيا 28.

قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وقيل: أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد» 29.

ثانيًا: رؤيا يوسف عليه السلام:

تبدأ قصة يوسف عليه السلام ورحلته مع الرؤى من الرؤيا التي رآها في المنام وهو صغير؛ فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمرًا من الأمور العظام قدم بين يديه مقدمة، توطئة له، وتسهيلًا لأمره، واستعدادًا لما يرد على العبد من المشاق؛ لطفًا بعبده؛ وإحسانا إليه 30.

قال الطاهر ابن عاشور: وابتداء قصة يوسف عليه السلام بذكر رؤياه إشارةٌ إلى أن الله هيأ نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصادقة كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها (أن أول ما بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) 31.

وفي ذلك تمهيدٌ للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف عليه السلام من طهارةٍ وزكاء نفسٍ وصبرٍ؛ فذكر هذه الرؤيا في صدر القصة كالمقدمة والتمهيد للقصة المقصودة، وجعل الله تلك الرؤيا تنبيهًا ليوسف عليه السلام بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقةٌ فتطمئن بها نفسه أن عاقبته طيبةٌ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت