الصدقة الواجبة أو الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة، ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع على نحو ما تقدم ذكره، وهي أنواع متعددة، تتعلق بما يملكه المسلم من مال بكسب أو إرث أو غير ذلك، وتخرج جميع أنواع الزكاة وفقًا لشروط عامة وشروط خاصة، وقد ورد في القرآن الكريم الأمر بالزكاة على جهة الإجمال، وجاءت السنة النبوية بالتفصيل، وبعض أنواع الزكاة متفق عليها، وبعضها مختلف فيه.
وقد أحسن ابن رشد الحفيد صنعًا بتقسيمه لأنواع الزكاة من حيث المتفق عليه والمختلف فيه، ونورد طرفًا من كلامه على هذا النحو:
قال ابن رشد: «وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال فإنهم اتفقوا منها على أشياء واختلفوا في أشياء، أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين ليستا بحلي، وثلاثة أصناف من الحيوان الإبل والبقر والغنم، وصنفان من الحبوب الحنطة والشعير، وصنفان من الثمر التمر والزبيب، وفي الزيت خلاف شاذ. والذي اختلفوا فيه من الذهب هو الحلي فقط» .
ثم قال: «وأما ما اختلفوا فيه من الحيوان: فمنه ما اختلفوا في نوعه، ومنه ما اختلفوا في صنفه؛ أما ما اختلفوا في نوعه فالخيل ، وأما ما اختلفوا في صنفه فهي السائمة من الإبل والبقر والغنم من غير السائمة منها، فإن قومًا أوجبوا الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة سائمة كانت أو غير سائمة .. وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في غير السائمة من هذه الأنواع الثلاثة» .
ثم قال: «وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الأربعة التي ذكرناها فهو جنس النبات الذي تجب فيه الزكاة، فمنهم من لم ير الزكاة إلا في تلك الأربع فقط .... ومنهم من قال: الزكاة في جميع المدّخر المقتات من النبات .... ، ومنهم من قال: الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش والحطب والقصب» 65.
ونورد هنا ذكر أصناف الزكاة، ودليل كل صنف منها من القرآن الكريم بإيجاز على النحو الآتي:
••زكاة المال (النقدين) .
وهو ما يملكه المسلم من مال، أو نقد ذهب أو فضة، ونصابها من الذهب عشرون مثقالًا، وهو ما يساوي 85 جرامًا من الذهب، ومن الفضة مائتي درهم، وهو ما يساوي ستمائة جرام، ومقدار المخرج منه (ربع العشر) أي 2.5 ?، ويشترط فيها كونها فائضة عن الحاجة، ومرور الحول، وتمام النصاب.
ودليلها من القرآن قول الله تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [التوبة: 103] .
ودليلها كذلك قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ) [التوبة: 34 - 35] .
ودليلها كذلك قول الله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [البقرة: 267] .
وروي عن علي رضي الله عنه في قوله: (گ گ گ ? ? ? ? ?) قال: «من الذهب والفضة؛ (? ? ? ں ں) قال: يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة» 66.
••زكاة الزروع والثمار.
وهي تشمل أصنافًا معينة مما تنتجه الأرض من زروع وثمار على تفصيل معروف عند الفقهاء، ونصابها خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع قدح وثلث بالكيل المصري، والمقدار المخرج منها العشر إن كانت الأرض تسقى بالراحة، ونصف العشر إن كانت تسقى بالآلة ونحوها، ولا يشترط فيها مرور الحول، بل الحصاد، وبلوغ النصاب فقط على تفصيل معروف في بابه.
ودليلها من القرآن قول الله تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 141] .
ويدل عليها كذلك قوله جل شأنه: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [البقرة: 267] .
••زكاة عروض التجارة.
وهي الأشياء التي يعدّها المرء ليتجر فيها مثل: العقارات والأثاث والسيارات والمواشي، وغيرها.
وزكاة التجارة مثل زكاة المال نصابًا ومقدارًا، ودليلها من القرآن قول الله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [البقرة: 267] .
••زكاة الأنعام.
ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الكريمة التي تبيّن نعمة الأنعام وأصنافها وفوائدها للإنسان، وتأمره بشكر الله تعالى على تلك النعم، ومن معالم هذا الشكر ما ورد في السنة من وجوب الزكاة في الأنعام، وتحديد أنصبتها ومقاديرها، وتولية الرسول صلى الله عليه وسلم للسعاة ليجمعوها من أربابها.
واتفق فقهاء الأمة على الأنعام التي تجب فيها الزكاة هي (الإبل والبقر والغنم، وأن البقر يدخل فيها الجاموس، والغنم يدخل فيها الماعز) ، وهناك خلاف في أصناف أخرى من الحيوانات حول وجوب الزكاة فيها من عدمه. ولزكاة الأنعام شروط عامة وشروط خاصة بكل نوع منها، وأنصبة لكل نوع، لا مجال هنا لذكرها هنا.
••زكاة الركاز أو المعدن.
الركاز اختلف في تعريفه، فقيل: إنه اسم للمعدن حقيقة، أو المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض 67.
وقيل: إنه المال المدفون قبل العصر الإسلامي، وسمي ركازًا كأنه ركز في الأرض، أي: أثبت فيها 68.
ويشمل الركاز عند بعض المالكية كل ما وجد من ذهب أو فضة في باطن الأرض مخلصًا، سواء دفن فيها أو كان خاليًا عن الدفن 69.
ومقدار زكاته الخمس لما روي عن أبى هريرة أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (في الرّكاز الخمس) 70.
واستدل لوجوبها من القرآن بعموم قول الله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [البقرة: 267] 71.
••زكاة الفطر.
زكاة الفطر أو صدقة الفطر قيل: إنها مأخوذة من الفطر الذي هو مقابل الصوم، فهي اسم مصدر من قولك: أفطر الصائم إفطارًا، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنه سبب وجوبها، من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: إنها مأخوذة من الفطرة بمعنى الخلقة، وهذه يراد بها الصدقة عن البدن 72.
وهي ما يدفعه المسلم عن نفسه وعمن يعوله، وتجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان حتى انتهاء صلاة عيد الفطر.
ودليل مشروعيتها محل خلاف بين الفقهاء على قولين: أولهما- أنها وجبت بالسنة النبوية، والثاني: أنها وجبت بالقرآن في قول الله تعالى: (? ? ? ?) [الأعلى: 14] .
وكذلك قوله جل شأنه: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ) [البينة: 5] 73.
وتفصيل شروطها ومقدارها وما تخرج منه، ومن تخرج عنها، ومصارفها مبسوط في موضعه من كتب الفقه.
ورد في العديد من آيات القرآن الحث على صدقة التطوع، وبيان فضلها وثوابها عند الله تعالى، وقد سبق ذكر طرف من الآيات التي تتكلم عن الصدقة، وسيأتي بيان فضل الصدقة وثوابها.
وليس لصدقة التطوع حد معين أو نصاب مقدر، فباستطاعة المرء أن يتصدّق بما شاء قل أو كثر، وليس لها مصارف محددة، بل تشمل مصارف الزكاة الثمانية، وما سواها مما هو قريب منها أو شبيه بها، بل تشمل الأصناف الذين لا يحل دفع الزكاة المفروضة لهم، كغير المسلمين والأغنياء.
ومن هنا كان مجال صدقة التطوع أوسع، حيث يمكن لكل مسلم أن يتصدق صدقة تطوع، بخلاف الزكاة المفروضة على الغني بشروط معينة، وتدفع وفق أنصبة ومقادير ومصارف معينة.
أنواع صدقة التطوع:
صدقة التطوع نوعان أساسان:
النوع الأول: الصدقة بالمال على حسب أنواعه، والحاجة إليه، وما يحتسبه الإنسان من النفقات، والهبات يرجو ثوابها عند الله تعالى، وهذا باب كبير حثت عليه آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة؛ لما فيه من الفضل العظيم والخير الكبير والثواب الجزيل، ولما يقدمه من نفع للفرد والأمة.
والنوع الثاني: ما سوى المال، وهذا يشمل صنوفًا كثيرة من أعمال البر والخير لو ذهبنا نستقصيه لما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وأكتفي بالإشارة إلى طرف منه على هذا النحو:
••جميع أنواع المعروف صدقة؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه، قال: قال نبيكم صلى الله عليه وسلم (كل معروف صدقة) 74.
••ذكر الله عز وجل تسبيحًا وتحميدًا وتهليلًا وتكبيرًا ضرب من ضروب الصدقة.
••الإمساك عن الشر، وكف الأذى عن الطريق، ونحو ذلك من صنوف صدقة التطوع.
••الدلالة على فعل الصدقات، أو التوجيه إلى فعل الخيرات ضرب من ضروب صدقة التطوع.
••الكلمة الطيبة صدقة، وتبسم المسلم في وجه أخيه صدقة ... الخ.
وهكذا نرى تنوعًا واضحًا في صدقات التطوع، مما وردت الإشارة إليه في آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وأكتفي هنا ببعض الآيات التي تحث على التصدق، وتبيّن فضله، وحملها المفسرون على صدقة التطوع.
أولًا: قوله تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ?) [الأحزاب: 35] .
والمراد بهم المنفقين أموالهم في طاعة الله تعالى من الرجال والنساء، سواء كانت صدقة واجبة أو تطوع 75.
ثانيًا: قال تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [الحديد: 7] .
حيث ذكر المفسرون أن مقصود النفقة فيها هو التصدق في سبيل الله 76.
ثانيًا: فضل الصدقة:
يترتب على الصدقات بأنواعها فريضة كانت أو تطوعًا الثواب الكبير والفضل العظيم في الدنيا والآخرة، وقد أشارت بعض آيات القرآن الكريم إلى ذلك، وتواترت أحاديث السنة النبوية التي تحث على الصدقة وبذل المال وتبين فضل ذلك، وبيان ذلك على النحو الآتي:
1.تكفير الذنوب والآثام.
لم يختلف العلماء في أن الصدقة تكفّر عن المرء شيئًا من ذنوبه وآثامه وتمحو خطاياه، التي تتعلق بحقوق الله تعالى، بل وذهب بعض منهم إلى أنها تكفّر بعض الذنوب التي بين المخلوقين استدلالًا ببعض الآيات والأحاديث، بل إن الإمام البخاري رحمه الله قد بوّب بابًا في صحيحه بعنوان: (باب الصدقة تكفّر الخطيئة) 77. ونشير هنا إلى طرف من هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية.
أولًا: قال الله تعالى: (? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 271] .
قال القرطبي: «ذهب الجمهور إلى أن الآية في صدقة التطوع؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات» 78. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: «وتكفّر عنكم من سيئاتكم» وقال: «الصدقة هي التي تكفّر» 79.
ثانيًا: حديث (يا معشر النّساء تصدّقن فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار) 80.
قال ابن بطال: «وفيه: دليل أن الصدقة تكفّر الذنوب التي بين المخلوقين» 81.
ومما ورد في تكفير الذنوب ما يلي:
أولًا: ما روي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: أيّكم يحفظ حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الفتنة؟ قال: قلت: أنا أحفظه كما قال. قال: إنّك عليه لجريءٌ! فكيف قال؟ قلت: (فتنة الرّجل في أهله وولده وجاره تكفّرها الصّلاة والصّدقة والمعروف) . قال سليمان: قد كان يقول: (الصّلاة والصّدقة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .... ) 82.
ثانيًا: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: (والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار) 83.
2.تطهير النفس وتزكيتها.
تقوم الصدقة بدور كبير في تطهير النفس البشرية من أدران المعاصي، وتزكيها، وتسمو بها فوق الشهوات واتباع خطوات الشيطان، حيث يخرج المرء ماله في سبيل الله قاصدًا به ابتغاء وجه الله تعالى.
يقول الغزالي في بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة: «اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف، الوظيفة الأولى: فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها، وأنها لم جعلت من مباني الإسلام، مع أنها تصرّفٌ مالي، وليست من عبادة الأبدان» 84.
قال تعالى في شأن الصدقة: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [التوبة: 103] .
والجمهورعلى أن المقصود بها الزكاة المفروضة.
وقد فسرها بعضهم بأنها صدقة التطوع على سبيل الكفارة لذنوب المتصدقين، وجعلوها خاصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها؛ لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وفسّرها الإمام مالك في رواية عنه بأنها زكاة الفطر 85.
3.مضاعفة الثواب.
ورد في مضاعفة الصدقة للثواب ما يلي:
أولًا: قول الله تعالى: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [البقرة: 276] .
ومعنى (?) أي: يضاعف ثوابها، ويبارك في المال الذي أخرجت منه 86.
ثانيًا: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديدٍ من ثديّهما إلى تراقيهما، فأمّا المنفق فلا ينفق إلّا سبغت أو وفرت على جلده حتّى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأمّا البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلّا لزقت كلّ حلقةٍ مكانها فهو يوسّعها ولا تتّسع) 87.
ثالثًا: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يومٍ يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللّهمّ أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللّهمّ أعط ممسكًا تلفًا) 88.
رابعًا: ما روي عن أبى هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثٍ صدقةٌ جاريةٌ، وعلمٌ ينتفع به، وولدٌ صالحٌ يدعو له) 89.
هذا وقد ورد في الصدقة آيات وأحاديث تشير إلى دورها في الفوز بالجنة والنجاة من النار، ومن ذلك:
أولًا: قول الله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [النساء: 114] .
ففي الآية إخبار من الله تعالى أنه لا خير في كثير من أولئك المتناجين ولا في نجواهم لنفاقهم وسوء طواياهم اللهم إلا في نجوى أمر أصحابها بصدقة تعطى لمحتاج إليها من المسلمين، أو معروف استحبه الشارع أو أوجبه من البر والإحسان أو إصلاح بين الناس؛ للإبقاء على الألفة والمودة بين المسلمين. ثم أخبر تعالى أن من يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس طلبًا لمرضاة الله تعالى فسوف يثيبه بأحسن الثواب، ألا وهو الجنة دار السلام؛ إذ لا أجر أعظم من أجر يكون الجنة 90.
ثانيًا: ما روي عن عديّ بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: (اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرةٍ) 91.
ثالثًا: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النّبىّ صلى الله عليه وسلم، يوم عيدٍ فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبل ولا بعد، ثمّ مال على النّساء، وبلالٌ معه، فوعظهنّ، وأمرهنّ أن يتصدّقن، فجعلت المرأة تلقي القلب والخرص 92.
قال ابن بطال: «دلّ هذا الحديث أنّ الصدقة قد تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق، فإن الله يوكى عليه، ويمنعه من البركة في ماله والنماء فيه» 93.
من حكمة الله عز وجل في تشريع الزكاة أن حدد لها مصارف، موجودة كلها أو أكثرها في كل البلاد والعصور، كما قال الإمام الغزالي رحمه الله: «وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد، وهم المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها، ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف: الفقراء والمساكين، والغارمون، والمسافرون - أعني أبناء السبيل-، وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون بعض، وهم الغزاة والمكاتبون» 94.
وهذه المصارف مذكورة في كتاب الله تعالى في قوله جل شأنه: (? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [التوبة: 60] .
وقد فسّرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه: قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته - فذكر حديثًا طويلًا - فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبيٍ، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت منهم أعطيتك حقّك) 95.
هذا وقد لاحظ بعض العلماء فرقًا دقيقًا بين الأصناف الأربعة الأولى والثانية، بأن الأربعة الأولى (الفقير والمسكين، والعامل على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم) يأخذون منها أخذًا مستقرًا، لا يجب عليهم رد ما أخذوه بأي حال حتى لو استغنوا، والأربعة الثانية (في الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل) يأخذوا من الزكاة لينفقوا في تلك الاحتياجات، فإن لم ينفقوا المال فيها، وجب عليهم رده 96.
وقد اتفق الفقهاء على أنّ هذه الآية تفيد الحصر، أي: حصر مصارف الزكاة في هذه الثمانية، كما قال الكمال ابن الهمام: «فمن كان من هؤلاء الأصناف كان مصرفًا، ومن لا فلا؛ لأن «إنما» تفيد الحصر فيثبت النفي عن غيرهم» 97.
وقد ادعى بعض العلماء أن هذا من الإجماع، إلا أنّ دعوى الإجماع غير مستقيمة؛ لما روي عن أنس بن مالك والحسن من جواز دفعها لغير هؤلاء الثمانية 98.
وما ذهب إليه بعض الحنفية والشيخ تقي الدين بن تيمية من جواز صرف الزكاة لشراء كتب العلم إذا احتاج إليها طالب العلم، غير أن بعض فقهاء الحنابلة قد اعتبروه غير خارج عن الأصناف الثمانية 99.
ونتناول بيان تلك المصارف في السطور الآتية:
الفقراء جمع فقير، وقد جرى خلاف كبير في تعريفه، في اللغة و اصطلاح الفقهاء والمتصوفة، والذي يعنينا من ذلك هو الفقير في ضوء القرآن الكريم، والذي يستحق الزكاة.
فأما عن تعريف الفقير في اللغة: فقيل: إنه مشتق من فقر الظهر، وهو الذي نزعت فقرة ظهره فانقطع صلبه، وفقير، بمعنى مفعول أي: مفقور،، ورجل فقيرٌ من المال وقد فقر فهو فقير، والجمع فقراء 100.
وقيل: إنه فعيل بمعنى فاعل يقال: فقر، يفقر، من باب تعب إذا قلّ ماله، وقيل: الفقير الذي له بلغةٌ من العيش، قال الراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو إليه سعاته:
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد 101.
وأما عن تعريفه لدى الفقهاء، فقيل: إنه والمسكين بمعنى واحد، وقيل: له تعريفات أخرى هي:
••أن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه 102.
••أنه الذي لا يسأل الناس، كما قال الله تعالى في صفة الفقراء: (ھ ے ے ?) 103.
••أنه الذي يسأل ويظهر افتقاره وحاجته إلى الناس، استدلالًا بقوله عز وجل: (? ?) 104.
••أنه الذي له بلغة لا تكفيه لعيش عامه 105.
••أنه الذي لا يقدر على ما يقع موقعًا من كفايته لا بمال ولا بكسب 106.
••أنه الذي لا يجد شيئا ألبتة، أي: قطعًا، أو يجد شيئًا يسيرًا من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره مما لا يقع موقعا من كفايته 107.
وأما عن ورود ذكره في القرآن فعلى النحو الآتي:
ورد لفظ الفقير مفردًا بالتعريف والتنكير في المواضع الآتية:
في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [آل عمران: 181] .
والمشهور في سبب نزولها ما ذكره اليهودي فنحاص بن عازوراء لعنه الله، حينما دعاه سيدنا أبو بكر الصديق للإسلام وأن يصدّق بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ويقرض الله قرضًا حسنًا، فقال فنحاص: تزعم أن الله يستقرضنا أموالنا، ولا يستقرض إلا الفقير، ثم جحد مقالته بعد ذلك أمام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت الآية 108.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 6] .
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 135] .
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [الحج: 28] .
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ژ) [القصص: 24] .
والمراد هنا الفقر إلى الله المشار إليه في قول بعض الصالحين: «اللهم أغنني بالافتقار إليك» .
وورد لفظ الفقراء بالجمع (معرفًا ومنكرًا) في المواضع الآتية:
في قوله تعالى: (? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 271] .
وفي قوله تعالى: (? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 273] .
والمراد بهم هنا خواص الفقراء، أي: فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائة لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، وكانوا قد حبسوا أنفسهم على الجهاد، وكانوا وقفًا على كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الصفة. هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله. وقيل: هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله. وقيل: حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد. وقيل: لما عادوا أعداء الله وجاهدوهم أحصروا عن الضرب في الأرض لطلب المعاش، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض. والصحيح أنه لفقرهم وعجزهم وضعفهم لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ولكمال عفتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أغنياء، وهؤلاء يقابلهم أصحاب الجدة، ومن ليس محصرًا في سبيل الله، ومن لم يكتم فقرًا وضعفًا 109.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [التوبة: 60] .