فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 2431

البخل

أولًا: البخل لغة:

إن الناظر في معاجم اللغة العربية، والمتتبع لكتبها، والباحث فيها، يجد أن مادة (ب خ ل) تدل على: «ضد الكرم والجود» ، وقد بخل بكذا: أي ضن بما عنده ولم يجد، ويقال: هو بخيل وباخل، وجمعه: بخلاء، والبخال: الشديد البخل، والبخل مشتق من قولهم: بخل بالشيء يبخل به، وهو خلاف الكرم، والبخيل: صاحب البخل، وجمعه: بخل وبخال، والبخلة: المرأة الواحدة من البخل 1.

وحد البخل الزبيدي رحمه الله تعالى بقوله: «إمساك المقتنيات عما لا يحل حبسها عنه» 2.

ثانيًا: البخل اصطلاحًا:

أما البخل في الاصطلاح فقد ورد له تعاريف متعددة عند أهل العلم:

فعرفه القرطبي رحمه الله تعالى بأنه: «الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه» 3.

وأما ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى فقال: «البخل: منع ما يطلب مما يقتنى، وشره ما كان طالبه مستحقًا، ولا سيما إن كان من غير مال المسئول» 4.

وقيل: هو إمساك المال وعدم صرفه في الوجوه المعتبرة حرصًا على بقائه وزيادته وخوفًا من نفاده 5.

وبهذا يتبين أن البخل في الاصطلاح هو: منع ما يطلب عما لا يحق حبسها عنه، سواء كانت من مال نفسه أو من مال غيره وهو أشد.

وعند المتأمل في المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للبخل يتبين أن معناهما جميعًا يدور حول: المنع والإمساك.

وردت مادة (بخل) في القرآن الكريم (12) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) } [التوبة:76]

الفعل المضارع ... 7 ... {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران:180]

المصدر ... 2 ... {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء:37]

وجاء البخل في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسها عنه 7.

الشح:

الشح لغة:

«البخل مع حرص» 8. وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: «الشح أشد البخل» 9.

الشح اصطلاحًا:

«حرص النفس على ما ملكت وبخلها به، وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه، كقوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

وقوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] » 10.

قال الراغب رحمه الله تعالى: «الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة» 11.

العلاقة بين البخل والشح:

العلاقة بين الشح والبخل علاقة عموم وخصوص، فالبخل لفظ عام يدل على المنع، بينما الشح يدل على شدة المنع، أو البخل بمال الغير.

وذكر ابن القيم أن البخل: منع إنفاق ما هو موجود، والشح: الحرص على ما ليس موجودًا، وجشع النفس في تحصيله، قال رحمه الله: «فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد حصوله» 12.

الإقتار:

الإقتار لغةً:

التضييق. قال ابن فارس: «القاف والتاء والراء أصل يدل على تجميع وتضييق» 13.

الاقتار اصطلاحًا:

«تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان» 14.

الصلة بين البخل والاقتار:

العلاقة بين البخل والإقتار: أن البخل هو: المنع، والاقتار هو: التضييق في النفقة والمعاش، فبينهما شبهٌ من جهة أن في كلٍ منهما منع، وإن اختلف مقدار المنع فيما بينهما، والله أعلم.

الضن:

الضن لغة:

«الإمساك والبخل» 15.

قال ابن فارس رحمه الله تعالى: «الضاد والنون أصل صحيح، يدل على بخل بالشيء، يقال: ضننت بالشيء أضن به ضنًا وضنانة، ورجل ضنين» 16.

الضن اصطلاحًا:

«البخل بالشيء النفيس ... وفلان ضني بين أصحابي، أي: هو النفيس الذي أضن به» 17.

الصلة بين البخل والضن:

العلاقة بين البخل والضن أن البخل عام في إمساك كل شيء، حقيرًا كان أو نفيسًا، بينما الضن يكون في إمساك الشيء النفيس.

الكرم:

الكرم لغة:

«ضد اللؤم» 18.

الكرم اصطلاحًا:

«اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر من الإنسان، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه» 19.قال الجرجاني رحمه الله تعالى: «الكرم هو: الإعطاء بسهولة، والكريم: من يوصل النفع بلا عوض» 20.

الصلة بين البخل والكرم.

البخل يعني: المنع من إعطاء شيء للغير، وأما الكرم فهو من الألفاظ المقابلة للبخل الذي يعني: الإعطاء بسهولة، ولذلك وصف الله سبحانه وتعالى به نفسه، فهو الكريم سبحانه.

الإيثار:

الإيثار لغة:

تقديم الشيء.

قال ابن فارس رحمه الله تعالى: «الهمزة والثاء والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي» 21، والمعنى الأول هو الذي يعنينا هنا.

الإيثار اصطلاحًا:

تفضيل المرء غيره على نفسه.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: «الإيثار: تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة» 22.

وأضاف الجرجاني رحمه الله تعالى معنىً لطيفًا فقال: «الإيثار: أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة» 23.

الصلة بين البخل والإيثار:

الإيثار هو: تفضيل المرء غيره على نفسه، فهو ضد البخل الذي يعني: منع الشخص نفسه من إعطاء شيء لغيره، فالصلة بينهما هي الضدية.

اعلم أن المال ملك لله تعالى وحده، أعطاه الإنسان في هذه الحياة منة منه سبحانه وفضل، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) } [النمل: 73] .

فما في أيدي الناس من مال وغيره إنما هو من فضل الله سبحانه وتعالى عليهم، يعطيه من يشاء من عباده ليبتليهم، ماذا سيصنعون به؟ قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) } [الأنبياء: 35] .

ولذلك فإنه سبحانه سيحاسب الإنسان عليه يوم القيامة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه: عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) 24.

قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .

وتمام هذه الآية هو قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .

ولقد أبدع الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية فقال: «قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180] .

أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم: 40] .

وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.

فأخبر أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكًا للعبد، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص 77] .

ثم ذكر أن هذا الذي بيد العباد كله يرجع إلى الله، ويرثه تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك.

ثم ذكر السبب الجزائي، فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .

فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب» 25.

وعند قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قد يتساءل متسائل فيقول: كيف يرث الله السماوات والأرض وهي ملكه في الحقيقة؟

فيجيب على هذا التساؤل القرطبي رحمه الله تعالى بقوله: «أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئًا لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه وتعالى مالك السموات والأرض وما بينهما، وكانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها له، وإن الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم: 40] .

والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثًا لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا» 26.

ومن رحمة الله بعباده: طلب إنفاق بعض المال: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} .

وحتى يتم معنى هذا الجزء من الآية نذكر سباقها ولحاقها، قال الله تعالى: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) } [محمد: 36 - 37] .

«قوله: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} ، يفيد بعمومه وسياقه معنى لا يسألكم جميع أموالكم، أي: إنما يسألكم ما لا يجحف بكم، فإضافة أموال وهو جمع إلى ضمير المخاطبين تفيد العموم، فالمنفي سؤال إنفاق جميع الأموال» 27.

وفي هذا السياق يقول تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] .

قال البغوي: «قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، ولم يقل: خذ أموالهم» 28، فهذا من رحمة الله سبحانه بعباده أنه طلب إنفاق بعض المال ولم يطلب إنفاق المال كله.

قوله: {فَيُحْفِكُمْ} ، «الإحفاء أخذ الجميع، أو الإلحاح وإكثار السؤال، مأخوذ من الحفاء وهو: المشي بغير حذاء» 29.

قال الرازي رحمه الله تعالى: «الفاء في قوله: {فَيُحْفِكُمْ} للإشارة إلى أن الإحفاء يتبع السؤال بيانًا لشح الأنفس، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون للمثلين، وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين أو متعلقين أحدهما بالآخر، فكأنه تعالى بين أن الإحفاء يقع عقيب السؤال؛ لأن الإنسان بمجرد السؤال لا يعطي شيئًا» 30.

وقد فسر ابن عاشور قوله تعالى: {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) } بقوله: «تحدث فيكم أضغان فيكون سؤاله أموالكم سببًا في ظهورها فكأنه أظهرها، وهذه الآية أصل في سد ذريعة الفساد» 31.

قال قتادة: «قد علم الله في مسألة الأموال خروج الأضغان» 32، قال ابن كثير معلقًا على قول قتادة: «وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه» 33.

أولًا: منافع الإنفاق في وجوه الخير:

واعلم أن من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه طلب منهم الإنفاق مما آتاهم من الأموال؛ ليمنحهم فوائد وجوائز عظيمة أعدها لهم، منها:

1.مضاعفة ما أنفقوا أضعافًا كثيرة.

قال الله سبحانه وتعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ? وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?245?) [البقرة: 245] .

«فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما أعد لهم من الثواب قرضًا؛ لأنهم يعملونه لطلب ثوابه» 34.

2.الله تعالى جعل النفقة تطهر صاحبها من الذنوب والخطايا وتزكيه.

قال الله سبحانه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?103?) [التوبة: 103] .

3.مساعدة الفقراء والمساكين، ومواساة المحتاجين.

ورتب الله سبحانه على ذلك الأجر العظيم، ووعدهم جنة عرضها السماوات والأرض.

قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران: 133 - 134] .

واعلم أن الإنفاق لا ينقص المال، ولكنه يزيده؛ لأن الله وعد عباده بالخلف منه سبحانه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) } [سبأ: 39] .

وهذا من رحمة الله بعباده، فإنه سبحانه لما علم أن النفس البشرية تخشى الفقر وتخاف الإنفاق، ضمن لها سبحانه وتعالى أن يخلف لها غير ما أنفقت، وخيرًا منه.

ولقد وكل الله ملكين من ملائكته كل صباح بالدعاء، فأحدهما يدعو للمنفق بالخلف، والآخر يدعو على الممسك بالتلف، فقد روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) 35.

ثانيًا: الله عز وجل غني عن عباده:

واعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الغني فلا يفتقر إلى شيء، والمستغني عن الخلق بقدرته وعز سلطانه، فلا يحتاج إلى إنفاق عباده ولا إلى شيء من خلقه، والخلق فقراء إلى إحسانه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر: 15] .

وهو سبحانه الذي أغنى الخلق جميعًا، فقال سبحانه: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) } [النجم: 48] .

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر: 15] .

مع كونه معلومًا من الدين بالضرورة، جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} الآية [محمد: 38] .

وقوله تعالى: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) } [محمد: 6] .

وقوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) } [إبراهيم: 8] .

إلى غير ذلك من الآيات، وبذلك تعلم عظم افتراء: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] .

وقد هددهم الله على ذلك، بقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) } [آل عمران: 181] » 36.

فمن هذا يتبين أن الله تعالى غني بذاته، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، سواء كان هذا المخلوق: ملك من ملائكته العظام، أو إنس أو جن، أو أي مخلوق كان، وأن جميع خلقه مفتقرون إليه في كل حال من أحوالهم، وفي كل وقت من الأوقات.

وللسعدي رحمه الله تعالى كلام لطيف عند قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر: 15] .

بين فيه وجوه فقر العباد إلى الله تعالى بالتفصيل فقال: «أنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:

فقراء في إيجادهم، فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير، فقراء إليه في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه؛ لم يتعلموا، ولولا توفيقه؛ لم يصلحوا.

فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت.

{وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر: 15] .

أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه.

ومن غناه تعالى: أن أغنى الخلق في الدنيا مفتقر إليه في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته وأسمائه؛ لأنها حسنى، وأوصافه؛ لكونها عليا، وأفعاله؛ لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه، الغني في حمده» 37.

فالرب الذي هذا غناه وهذا ملكه غني عن إنفاق عباده كلهم، ولو أنفق عباده كلهم جميع ما يملكون، وأنفقوا الأرض وما فيها، ما زادوا في ملكه مثل قطرة في بحر، ولو بخل عباده كلهم وأمسكوا عن الإنفاق، ولم ينفقوا مثقال ذرة، ما نقصوا من ملكه مثل قطرة من بحره سبحانه وتعالى، جل في علاه الغني الحميد.

1.سنحاول في هذا المبحث أن نتعرف من خلال القرآن الكريم على هذه الجبلة التي طبع الله الخلق عليها، فعندما تحدثت الآيات عن داء البخل لم تقل: وكان الكافر أو وكان المنافق قتورًا، ولكن بلغة التعميم نجد الآيات تتحدث عن الإنسان بصفة عامة، وكأنها صفة كائنة فيه، حتى وإن كان مؤمنًا، ولكن بدرجات متفاوتة مختلفة من شخص لآخر، قال الله تعالى: (? ? ٹٹ) [النساء: 128] .

فهذا «إخبار بأن الشح في كل أحد، وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته، حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره» 38، «فالمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها» 39.

ولقد كرر القرآن الكريم هذا المفهوم في مواضع أخرى كثيرة، منها قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) } [النساء: 53] .

وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) } [المعارج: 19 - 21] .

وقوله: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) } [الفجر: 17 - 20] .

وقوله: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) } [الإسراء: 100] .

فيخبر تعالى في هذه الآية أنه بسبب البخل المطبوع في الإنسان «لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله تعالى لما جاد بها كجود الله تعالى، لأمرين:

أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته.

الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم، والله عز وجل يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين» 40.

قال السعدي رحمه الله في قوله تعالى: {إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء: 100] .

أي: «خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله، ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل» 41.

«وقد بلغت هذه الآية الكريمة من وصف الإنسان بالشح الغاية القصوى، حيث أفادت أنه لو استولى على خزائن رحمة ربه التي لا تحد ولا تنفد، وانفرد بملكها دون مزاحم له لأمسكها؛ لشدة حرصه وبخله على عباد الله» 42.

فإن قيل: فقد دخل في (الإنسان) الجواد الكريم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت