فهرس الكتاب

الصفحة 1639 من 2431

العلم

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (علم) تدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره 1، فهو من العلامة والأثر 2، والعلم بالشيء: المعرفة، يقال: علم الشيء يعلمه علمًا، أي: عرفه، ورجلٌ علامةٌ، أي: كثير العلم، والتاء للمبالغة، واستعلمه الخبر فأعلمه إياه 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الجرجاني العلم بأنه: «الاعتقاد الجازم المطابق للواقع» 4.

وعرفه المناوي بأنه: «الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع؛ إذ هو صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص» 5.

وقيل: «إدراك الشيء على ما هو به» 6.

وقولهم: «الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع» يقتضي انطباعًا في العقل بما يكون له أثرٌ وعلامة، كما أن دلالة أنه «صفةٌ توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض» لبيان أن كل علمٍ ينضبط بدقةٍ عالية يتميز من خلالها عن غيره من العلوم والفنون، و «حصول صورة الشيء في العقل» تتطور إلى اعتقاد قلبي ثابت جازم، يطابق ذلك الواقع الذي عليه ذلك الأمر، والله تعالى أعلم.

وردت مادة (علم) في القرآن الكريم (778) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 60 ... {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة:60]

الفعل المضارع ... 334 ... {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) } [البقرة:77]

فعل الأمر ... 31 ... {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) } [المائدة:98]

اسم الفاعل ... 20 ... {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) } [الأنعام:73]

اسم المفعول ... 14 ... {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } [الحجر:21]

اسم تفضيل ... 49 ... {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة:140]

مصدر ... 105 ... {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) } [طه:114]

صيغة مبالغة ... {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة:29]

{إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) } [المائدة:109]

وجاء العلم في القرآن الكريم بمعناه اللغوي، والذي هو نقيض الجهل 8.

قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) } [الحجرات: 16] يعني: لا يغيب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض.

المعرفة:

المعرفة لغةً:

العلم، يقال: عرفه بيته، أي: أعلمه بمكانه، وعرفه به، وسمه 9.

المعرفة اصطلاحًا:

إدراك الشيء على ما هو به، وهي بذلك ترادف العلم، وقيل: إنها تخالف العلم من كونها تستدعي سبق جهلٍ بخلاف العلم 10.

الصلة بين المعرفة والعلم:

العلم والمعرفة مترادفان في سياق اللفظ والدلالة، إلا أن فعل العلم يتعدى إلى مفعولين، أما فعل المعرفة فيتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، كذلك فإنه يجوز أن نقول عن الله تعالى بأنه عالم، ولا يجوز أن نقول عنه عارف؛ إذ إن لفظة عارف -مما يختص بذات الله- لم ترد في القرآن ولا في السنة.

الفقه:

الفقه لغةً:

«العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين؛ لشرفه» 11.

الفقه اصطلاحًا:

هو الإصابة، والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علمٌ مستنبطٌ بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل 12.

الصلة بين الفقه والعلم:

الفقه أخص من العلم؛ إذ إن العلم دالٌ على كل ما له أثرٌ وعلامةٌ فيدرك على ما هو عليه، أما الفقه فيختص بما يستنبط بالرأي والاجتهاد، وما يحتاج إلى التأمل والنظر 13.

اليقين:

اليقين لغة:

الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع 14.

اليقين اصطلاحًا:

من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتهما، يقال: علم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به مع ثبات الحكم 15.

وقيل: «العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكًا فيه؛ ولذلك لا يطلق على علمه تعالى» 16.

الصلة بين اليقين والعلم:

اليقين والعلم مترادفان في الدلالة، غير أنهما يفترقان في سياق اللفظ، فاليقين يقتضي شكًا مسبقًا تم إزالته، ومن ثم إدراكه على ما هو به، وأما العلم فلا يقتضي سبق شكٍ؛ إذ إنه يدل فقط على الإحاطة بالأمر على ما هو به.

الجهل:

الجهل لغة:

ضد العلم، وتجاهل: أظهر الجهل وهو ليس بجاهل، واستجهله: عده جاهلًا واستخفه، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه، والجاهل: ضد العاقل، والجهل: ضد الخبرة، والجاهلية: زمن الفترة، وهي حال العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدين، وما كانوا عليه من المفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر وغير ذلك من الأخلاق المذمومة 17.

الجهل اصطلاحًا:

«أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه» 18.

الصلة بين الجهل والعلم:

العلم والجهل مصطلحان متضادان من حيث المعنى والدلالة.

جاء العلم مقترنًا بالخلق في عدة مواضع في القرآن الكريم.

قال الله تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 3 - 4] .

حيث بين سبحانه ما صنعه المليك المقتدر من النعم لعباده؛ رحمة بهم، وإن هذه الآيات هي صدر سورة الرحمن التي هي خطاب لبني آدم أو لمشركي العرب، وهي تخاطب الثقلين من إنس وجن، فأفاد:

1.أنه علم القرآن وأحكام الشرائع؛ لهداية الخلق، وإتمام سعادتهم في معاشهم ومعادهم، ويلاحظ في هذه الآيات أن الله تعالى أنعم على الإنسان بتعلم القرآن.

2.وأنه خلق الإنسان على أحسن تقويم، وكمله بالعقل والمعرفة.

3.وأنه علمه النطق وإفهام غيره، ولا يتم هذا إلا بنفس وعقل؛ لما في ذلك من إشارة إلى أن الإنسان بعد أن يهتدي إلى الحق قبل خلقه، ويولد على تلك الفطرة، فإن أعظم غايةٍ بعدها هي أن يتواصل مع جميع جنسه من البشر؛ لدعوتهم إلى ربهم، وتذكيرهم بهذا الخالق، ومن ثم بيان الأحكام الشرعية 19.

وقال تعالى: (خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشرِكونَ ?3? خَلَقَ الإِنسانَ مِن نُطفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ ?4? وَالأَنعامَ خَلَقَها لَكُم فيها دِفءٌ وَمَنافِعُ وَمِنها تَأكُلونَ ?5? وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسرَحونَ ?6? وَتَحمِلُ أَثقالَكُم إِلى بَلَدٍ لَم تَكونوا بالِغيهِ إِلّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُم لَرَءوفٌ رَحيمٌ ?7? وَالخَيلَ وَالبِغالَ وَالحَميرَ لِتَركَبوها وَزينَةً وَيَخلُقُ ما لا تَعلَمونَ) [النحل: 3 - 8] .

فقد بينت الآيات السابقة نعم الله تعالى في خلق الإنسان، ومراحل ذلك الخلق، ومن ثم خلق الأنعام وبيان بعض فوائدها، وتبين هذه الآية الكريمة ثلاثة أصناف من الدواب وهي: الخيل والبغال والحمير، حيث خلقت لعلة وهي الركوب؛ ليدفع الإنسان بواسطتها عن نفسه ضرر الإعياء والمشقة، وهناك علةٌ أخرى وهي التزين، الحاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات.

وفي هذه الآية دلالة على أن هذه الأصناف الثلاثة مخلوقةٌ لمصلحة الركوب في الغالب، ويؤيد هذا إفراد الأنواع الثلاثة بالذكر، وإخراجها عن الأنعام 20.

ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن الله تعالى يخلق ما لا يحيط على هذا الإنسان به من المخلوقات التي تصلح لعلة الركوب غير ما قد عدده 21.

وفي هذه الآية دليلٌ على أن الله تعالى قادر على أن يخلق كل ما لا يتصور عقل الإنسان في زمانه أو غير زمانه، مما يصلح للركوب وغيره، وأنه يتوجب على المخلوق أن يستيقن أن الله تعالى أكبر وأقدر من تصور العقل القاصر.

وقال تعالى: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ?38?كَلَّا ? إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ?39?) [المعارج: 38 - 39] .

وقد بينت الآية السابقة الطمع الفارغ الذي اتصف به أولئك الكفار، حيث طمعوا في دخولهم جنة النعيم، دون إيمان منهم بالله تعالى، حيث يقول الله تعالى في هذه الآية -بأسلوب الردع لهم- إنا خلقناهم مما يعلمون مراحله التي يعرفونها 22.

فالكفار -كما كل البشر- خلقوا من نطفة مذرة؛ فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم؟! ويقولون لندخلن الجنة قبل المؤمنين، وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فلا يفتري على الله الكذب وهو يعلم حقيقة خلقه؛ إذ إنه لا يساوي شيئًا إذا فقد ولاية الله تعالى له.

وقال تعالى: (. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى? أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ? بَلَى? وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) [يس: 81] .

فقد بينت الآيات السابقة عظيم قدرة الله تعالى في إحياء العظام وهي رميم، فكما أنشأها أول مرة فإنه يحييها مرة أخرى، فهو القادر على كل شيءٍ، وبين دليلًا محسوسًا، وهو أنه يجعل من الشجر الأخضر نارًا يوقد الناس منه، وتبين هذه الآية بأسلوب الاستفهام الذي يفيد التقرير فيقول الله تعالى: أوليس الذي خلق هذا الكون الكبير العجيب من سماوات وأرضين مما هو أعظم من خلق الإنسان وإعادته، بقادرٍ على أن يخلق مثل البشر بإحياء عظامهم، ومن ثم دب الروح فيهم؟ وتأتي الإجابة؛ لتقرير حقيقة.

وذلك بما جاء في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) وهو كثير الخلق كثير العلم بما يصلح للخلق، ثم تأتي الآية التي بعدها كنتيجة لما سلف، من تقرير واسع قدرته، وإثبات عظيم سلطانه، بقوله: إنما أمر الله سبحانه إذا أراد خلق شيء أن يقول له: كن فيكون، وتختم السورة بتنزيه الله تعالى الذي بيده مقاليد كل شيء، وإليه المرجع والمصير 23.

وقال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) [يس: 36] .

فقد بينت الآيات السابقة أن الله تعالى من آياته إحياء الأرض بإمطارها، ومن ثم إخراج الثمرات منها، وتفجير العيون بالماء؛ ليأكل الناس من ثمرات النخيل والأعناب، وما تنتجه البساتين من فاكهة، وثمار، وما عملته أيديهم، كل هذا لأجل الشكر لله تعالى وحده، وتأتي هذه الآية؛ لتنزه الله تعالى الذي خلق الأصناف والأنواع -باختلاف الألوان والطعوم والأحجام- والذي خلق أزواجًا من البشر ذكورًا وإناثًا، طوالًا وقصارًا، سمانًا وعجافًا، سودًا وبيضًا، حمرًا وصفرًا، والذي خلق مما لا يعلمه البشر من مخلوقاته جل شأنه في البر والبحر والأرض والسماء وغير ذلك 24.

وفي هذه الآية دلالة على أن خلق الله تعالى غير محصورٍ في أي عقل من العقول، ولا تصور من التصورات؛ إذ إن البشر مهما وصلوا من علم فإنهم لن يتعرفوا على أقل القليل من علم الله تعالى وخلقه.

إن الله تعالى وصف نفسه في كتابه العزيز بأكثر من صفة دالة على علمه، منها: «عالم، والعليم، والعلام، وأعلم، وعلمناه، ويعلم، وغير ذلك» ، كما أن علم الله تعالى لا يشابهه علم، ولا يتخيله عقل؛ إذ إنه مطلق محيط، ينفرد بكنهه رب العزة والجبروت، ومن ثم فإن المتدبر بآيات القرآن الكريم التي بينت علم الله تعالى المطلق ينبغي أن يسلم أمره إلى ربه، لا سيما بعد إذعانه بما لا طاقة له بإدراكه، مما هو مسندٌ إلى ربه من صفات العلم، وغير ذلك.

وسيمثل هذا المبحث توضيحًا لكل ما سبق من خلال النقاط الآتية:

أولًا: إسناد العلم إلى الله تعالى:

وردت آيات عديدة تبين كثيرًا من صفاته جل شأنه مما اختصت بالعلم، ومن هذه الآيات:

قال تعالى: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ?25?عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا ?26?) [الجن: 25 - 26] .

وقد بينت الآية السابقة أن الله تعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين -المطالبين بالعذاب استخفافًا وعنادًا- ما أدري أقريبٌ ما وعدكم ربكم به من العذاب أم يجعل له ربي غايةً وأجلًا بعيدًا يعلمه هو ولا يعلمه غيره، وتأتي هذه الآية؛ لتقرر حقيقةً ألا وهي أن الله تعالى عالم الغيب وحده، ولا يطلع على غيبه أحدًا من عباده إلا من رضي ربنا سبحانه وتعالى من رسول أن يبلغ عنه، فإنه يطلعه مع الاحتياط الكافي؛ حتى لا يتسرب الخبر الغيبي إلى الناس 25.

وفي هذه الآية دلالةٌ على أن الله تعالى من أخص خصوصياته علم الغيب؛ إذ إن ذلك العلم لا يمكن أن يصل إليه مخلوق من المخلوقات مهما علت رتبته عند الله تعالى، إلا إذا ارتضى من رسول فإن من خلفه رصدًا من الملائكة، ثم يطلعه ضمن الوحي الذي يوحى إليه.

وهذا خلاف لما يمكن أن يقال من بعض الصوفية: إن بعض الصالحين ممن يدعي أنه له مدد الولاية من الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيه الله تعالى الكرامة لأن يطلع على الغيب، ولا شك أن هذا باطل؛ إذ إن ظاهر الآية لا يحتمل ما ذهب إليه أصحاب هذا القول، ولا بوجهٍ من وجوه هذا المعنى، والله أعلم.

وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 30 - 32] .

حيث إن هذه الآيات تأتي في سياق بيان قدرة الله تعالى المطلقة، فيقول الله عز وجل فيها: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، فقالت الملائكة: يا ربنا أتجعل في هذه الأرض من يرتكب الفساد بأنواعه، ويقتل بسفك الدماء، والحال أننا نصلي لك، ونبرئك من السوء، ونعظمك ونعمل لك كل خيرٍ أردتنا له، ونطهر أنفسنا لك، وعندها جاءت الآية القرآنية؛ لترد على قول الملائكة بأن الله تعالى قطع كلامهم، بأنه علم أنه سينشأ من ذلك الخليفة أنبياء ورسل، وقوم صالحون، وأنه لا يقدر إلا الخير، وهو الذي لربما يغفل عنه المخلوقات، ولربما الملائكة فهو الأعلم بخلقه مما لا تعلمه الملائكة.

ثم يعلمهم الله سبحانه تعالى درسًا عمليًا في الإذعان له جل جلاله ولأمره، فعلم هذا الخليفة الذي هو آدم عليه السلام أسماء الخلق كلهم دون أن تعلم الملائكة، ثم حشر الله تعالى الدواب كلها، والسباع والطير وما ذرأ في الأرض.

ثم قال للملائكة: (ةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )) 26.

وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان المسلم ينبغي أن يترجم إسلامه باستسلامه لربه تعالى ولعلمه المطلق، فكلما ازداد العبد ايمانًا وتقوىً وطاعةً كلما ازداد إذعانًا وتسليمًا، فمهما علم فإنه ما أوتي من العلم إلا القليل، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85] .

وقال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ? فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ?80?وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ?81?) [الأنبياء: 80 - 81] .

إن هذه الآية تأتي في سياق ذكر قصة النبي داود عليه السلام فتذكر أن الله تعالى علم ذلك النبي صناعة دروع الحديد؛ لتحفظ أنفسهم في المعارك عند قتال عدوهم، ثم تأتي الفاصلة القرآنية؛ لتسأل سؤالًا غرضه الأمر، فيقول تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) أي: اشكروا رب هذه النعم ووحدوه، وتأتي الآية الثانية؛ لتبين أن الله تعالى أعطى لنبيه سليمان عليه السلام نعمة تسخير الريح، حيث كانت تشتد إذا أراد، وتلين إذا أراد، فتسير بأمر الله تعالى إلى الأرض التي بارك فيها بالماء والشجر والقدسية، وتأتي فاصلة الآية؛ لتبين أن الله تعالى كان بكل شيء من أمر سليمان عليه السلام وغيره عالمًا 27.

وقال تعالى: (? يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ? قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(109 ) ) [المائدة: 109] .

فقد بينت الآيات الكريمة أن الله تعالى يجمع الرسل يوم القيامة على صعيدٍ واحدٍ، فيسألهم ماذا أجبتم من قبل الناس الذين أرسلتم إليهم، فتكون إجابتهم بكل أدبٍ ونسبٍ للعلم لله تعالى وحده: لا علم لنا إلا علمٌ أنت أعلم به منا 28.

وفي هذه الآية دليلٌ على أن الله تعالى سيسأل الجميع رسلًا كانوا أو مرسلًا إليهم، قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ? وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف: 6، 7] .

ثانيًا: علم الله المطلق المحيط:

وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها:

قال تعالى:(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى? كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: 28] .

وقد بينت الآيات السابقة أنه تعالى لا يظهر على غيبه أحدًا، وأنه يختص من ارتضى من الرسل، فيعطيهم من الغيبيات ما يكفيهم لهداية الناس، وإبلاغ شرع الله تعالى، وتأتي هذه الآية؛ لتبين علة إعطاء الرسل هذه المساحة من علم الغيب، وهي إبلاغ رسالات ربهم، فإذا بلغوا علم الله تعالى ذلك، وإن الله تعالى قد أحاط بما لدى هؤلاء الرسل من علم ما عندهم، وعلم عدد كل شيء فلم يخف عليه شيء 29.

وقال تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?65?) [النمل: 65] .

أي: قل يا محمد لمن سألك عن الساعة متى هي: لا يعلم غيبها إلا الله تعالى.

وقد أثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «من زعم أنه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُٹ) الآية» 30.

وقال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى? نِسَائِكُمْ ? هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ? عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ? فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ? ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ? وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ? تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ?187?) [البقرة: 187] .

عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار فنام قبل أن يطعم لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةٌ لك، فأصبح صائمًا، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى? نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحًا شديدًا 31.

وأما قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) فإن ذلك يبين أن الله تعالى يعلم السر وما هو أخفى منه، وما يجول في النفس، وما يجتهد الإنسان أن يفعله بسبب أو بآخر فإن الله تعالى يعلمه، وقد كان من الصحابة رضي الله عنهم من يختان نفسه بجماع امراته في الليل، أو في المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم 32.

ثالثًا: المجالات التي ينفرد بها العلم الإلهي:

لقد بين القرآن الكريم كثيرًا من المجالات التي ينفرد بها العلم الإلهي، ولعل أوضح هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34] .

فإن هذه الغيبيات الخمسة اختص الله تعالى بعلمها، فلا يعلم أحدٌ غير الله تعالى عن علم الساعة ومتى تقوم، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف: 187] .

فقيام الساعة مختصٌ بعلمه، وموقوف على إرادته 33.

ثم تبين هذه الآية اختصاصه جل جلاله بعلم نزول الغيث وتقديره؛ إذ إن الله سبحانه له طلاقة القدرة التي لا تخضع لقوانين الكون، بل يخضعها الله تعالى لتقديره وأمره، فقد تكون كل الظروف مهيأة لنزول الغيث، ولا يقدر الله تعالى ذلك، فلم تلبث أن تكون السماء صافية، وقد يحدث عكس ذلك، وعلى هذا فإن المؤمن يجب أن يوقن من قلبه ويعترف بلسانه ويعمل بجوارحه بمقتضى التسليم لعلم الله تعالى وتقديره.

وتبين الآية الكريمة الغيبية الثالثة، والتي اختصها الله تعالى بعلمه، وهي علمه بما في الأرحام، وهذا لا يعني أن يعلم الله تعالى كون ما في الأرحام ذكرًا أو أنثى فحسب؛ إذ إن علم الأرحام أعم من ذلك، فلا يعلم أحدٌ من الخلق هل الجنين شقيٌ أو سعيد؟ وما هو عمله؟ ومتى رزقه؟ ومتى أجله؟ وهل سيولد حيًا أو ميتًا؟ حتى معرفة الجنين فقد يقدر الله تعالى خلاف ما يتوقعه أهل العلم، من خلال الأجهزة المتطورة، وما شابه.

ويبين الله تعالى الغيبية الرابعة التي لربما لا ينتبه لها بعض الناس، وهي علم كسب الرزق، وكيف سيكون؟ فالله تعالى قد أقسم في القرآن الكريم أعظم قسم في حق الرزق، فقال تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ?22?فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ?23?) [الذاريات: 22 - 23] .

وعلى هذا فإن المسلم يجب أن يستيقن من قضية رزقه، وأنه آتٍ لا محالة -وفق ما يقدره الله- غير أن الكمية ومدى كفايتها، ومن أين ستكون؟ وهل ستجعله شقيًا أم سعيدًا؟ وهل سيكون في ذلك حرجٌ أم لا؟ وغير ذلك من علم الرزق إنما هو من اختصاص الذات الإلهية.

ثم تبين الآية الغيبية الخامسة وهو علم موعد موت الإنسان، وبأي أرض سيموت؟ وهل سيموت على الطاعة أم المعصية؟ وهل سيخلف بعده عملًا صالحًا أم سيئًا؟ وهل سيترك لأولاده ما يتقوون به أم لا؟ وغير ذلك من القضايا المتعلقة بالموت، فإنها كلها من اختصاص علم الله تعالى وتقديره.

ثم تأتي الفاصلة القرآنية (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) لتقرر أن الله تعالى متصفٌ بالعلم الذي لا يحده وصفٌ، وبالخبرة التي لا يحدها قدرٌ 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت