فهرس الكتاب

الصفحة 2299 من 2431

الهداية

أولًا: المعنى اللغوي:

الهداية: من الفعل هدى، والهدى نقيض الضلالة 1، وهي بمعنى الرشاد والدلالة 2، و الهداية: دلالة بلطفٍ 3، يقال: هديته الطريق هداية، أي: تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هادٍ، تقول: هديته هدىً، والهادية: العصا، لأنها تقول ممسكها كأنها ترشده، ومن الباب قولهم: نظر فلان هدي أمره، أي: جهته، وما أحسن هديته، أي: هديه، ويقولون: جاء فلان يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معتمدًا عليهما، والهدية ما أهديت من لطفٍ: أي: ذي مودة، ويقال: أهديت أهدي إهداءً، والهدي: ما يهدى من النعم إلى الحرم قربة إلى الله تعالى 4، ويقال: هدي فاهتدى، ويقال: هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد؛ لأن هديت يتعدى للمهديين، والحق يتعدى بحرف جر، والمعنى: الله يهدي من يشاء إلى الحق.

والهدى: البيان، أو إخراج شيء إلى شيء، أو الطاعة والورع.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي كثيرًا، فقد قال الجرجاني: «الهداية في الاصطلاح: الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب» 5.

وقيل: إن الهداية عند أهل الحق هي الدلالة على طريق من شأنه الإيصال، سواء حصل الوصول بالفعل في وقت الاهتداء، أو لم يحصل 6.

ويلاحظ أن تعريف الجرجاني أدق، وأشمل؛ لأنه لا بد من حصول المطلوب سواء كانت الهداية طريقًا للدلالة إلى الخير، أو إلى غيره، كما أن الكافرين يهدون إلى سواء الجحيم.

وردت مادة (هدي) في القرآن الكريم (316) مرة، يخص موضوع البحث منها (307) مرات 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 55 ... {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة:143]

الفعل المضارع ... 126 ... {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء:88]

فعل الأمر ... 3 ... {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة:6]

اسم الفاعل ... 31 ... {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } [الرعد:7]

المصدر ... 85 ... {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة:2]

أفعل التفضيل ... 7 ... {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) } [النساء:51]

وجاءت الهداية في الاستعمال القرآني على أربعة عشر وجهًا 8:

الأول: البيان: ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة:5] . أي: بيانٍ من ربهم.

الثاني: دين الإسلام: ومنه قوله تعالى: {إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 67] . يعني: على دين الإسلام.

الثالث: الإيمان والتوحيد: ومنه قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] . يعني: يزيد الذين آمنوا إيمانًا، وقوله: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ} [القصص: 57] . يعني: التوحيد.

الرابع: الداعي: ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] . يعني: داعٍ.

الخامس: المعرفة: ومنه قوله تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) } [النحل:16] . يعني: يعرفون السبيل.

السادس: الرسل والكتب: ومنه قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [طه: 123] . يعني: رسلًا وكتبًا.

السابع: الرشد: ومنه قوله تعالى: {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22] . يعني: أن يرشدني.

الثامن: القرآن: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] . يعني: القرآن.

التاسع: التوراة: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى} [غافر: 53] . يعني: التوراة.

العاشر: لا يوفق إلى الحجة ولا يهدي من الضلال: ومنه قوله تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] . يعني: لا يهدي إلى الحجة.

الحادي عشر: السنة: ومنه قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] . يعني: مقتدون مستنون بسنتهم.

الثاني عشر: لا يهدي: لا يصلح: ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] . يعني: لا يصلح عمل الزناة.

الثالث عشر: الإلهام: ومنه قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] . يعني: ثم ألهمه كيف يأتي معيشته ومرعاه.

الرابع عشر: هدنا يعني: تبنا: ومنه قول موسى عليه السلام: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] . يعني: تبنا إليك.

الصلاح:

الصلاح لغة:

مأخوذ من الفعل (صلح) ، والصلاح ضد الفساد 9.

الصلاح اصطلاحًا:

استقامة الحال وانعدالها، وهو مما يفعله العبد لنفسه 10. وهو معنى عام يشمل استواء الخلق والخلق والاستقامة على ما توجبه الشريعة، وحصوله على الحالة المستقيمة النافعة.

الصلة بين الصلاح والهداية:

الهداية: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب، والصلاح: سلوك طريق الهدى، والصلاح أيضًا: استقامة الحال وهو مما يفعله العبد لنفسه، ويكون بفعل الله له لطفًا وتوفيقًا 11، وبذلك يتبين أن الهداية والصلاح متلازمتان.

الإرشاد:

الإرشاد لغة:

الرشد يستعمل استعمال الهداية، وهو خلاف الغي 12، والضلال. يقال: أرشده الله الأمر، أي: هداه، والرشد هو الصلاح 13.

الإرشاد اصطلاحًا:

الإرشاد إلى الشيء هو التطريق إليه والتبيين له 14.

الصلة بين الهداية والإرشاد:

أن الإرشاد إلى الشيء هو التطريق إليه والتبيين له، والهداية هي التمكن من الوصول إليه 15.

السداد:

السداد لغة:

الاستقامة 16، وقيل: هو الصواب والقصد في القول والعمل 17، والصواب حقُّ مَنْ يعمل عليه أن ينجو، وحق من يعمل على خلافه أن يهلك 18.

السداد اصطلاحًا:

هو القصد في الأمر والعدل فيه 19.

الصلة بين الهداية والسداد:

التسديد للحق لا يكون إلا مع طلب الحق، فأما مع الإعراض عنه والتشاغل بغيره فلا يصح 20، وهذا يعني أن التسديد للهداية لا يكون إلا بطلب الهداية، فالسداد طريق الهداية 21.

الضلال:

الضلال لغة:

مصدر (ضلَّ) ، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب والقصد يسمى (ضالًّا) ، و (يضل ويضل) لغتان عند العرب 22.

الضلال اصطلاحًا:

كل عدول عن المنهج عمدًا أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا، فهو ضلال 23.

وقيل: هو العدول عن الصراط المستقيم، وهو ضد الهداية 24.

الصلة بين الهداية والضلال:

الهداية نقيض الضلال، فالهداية: سلوك طريق يوصل إلى المطلوب 25.

اقتران الهداية في القرآن الكريم بعدة أشياء، منها: الرحمة، والنور، والموعظة، والبشرى، والشفاء، والذكرى في القرآن.

لقد اقترنت الهداية بالرحمة لوحدها في اثني عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها تسعة مواضع في وصف القرآن، وثلاثة في وصف التوراة.

أما المواضع التي فيها وصف القرآن:

الأول: قوله تعالى: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى? مِنْهُمْ ? فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ?) [الأنعام: 157] .

ومعنى بينة: القرآن، وما جاء به الرسول، فإن قيل: البينة والهدى واحد، فما الفائدة من التكرير؟، قلنا: القرآن بينة فيما يعلم سمعًا، وهو هدى فيما يعلم سمعًا وعقلًا، فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف، ومعنى رحمة: أي نعمة في الدين 26.

الثاني: قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى? عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52 ) ) [الأعراف: 52] .

يعني: أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين، والمراد أنهم الذين اهتدوا بهدية 27.

الثالث: قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى? إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ? هَ?ذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 203] .

في الآية السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى في وصف القرآن ألفاظًا ثلاثة:

أولها: (ے هَ?ذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فأصل البصيرة الإبصار، ولما كان القرآن سببًا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة؛ تسمية للسبب باسم المسبب.

ثانيهما: قوله: (وَهُدًى) ، والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة قسمان:

أحدهما: الذين بلغوا في هذه المعارف إن شهدوها ولم يشاهدوها فهم أصحاب حق اليقين، وإن شهدوها وشاهدوها فهم أصحاب عين اليقين.

والثاني: الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين، وهم أصحاب علم اليقين، فالقرآن في حق الأولين، وهم السابقون بصائر، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى، وفي حق عامة المؤمنين رحمة، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين قال تعالى: (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) 28.

الرابع: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ?57?) [يونس: 57] .

المعنى في قوله: (ڑ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) ، أي: تحصل به الهداية، والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به، والمصدقين الموقنين بما فيه 29، وهذا يعني أن قلوبهم تهتدي بالقرآن إلى الرشاد والسداد، والرحمة من رب العباد في هذه الحياة الدنيا، ويوم المعاد.

الخامس: قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ? مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَ?كِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?111?) [يوسف: 111] .

يبين الله تعالى معنى: (وَهُدًى) ، أي: أن القرآن الكريم بيان ورشاد لمن جهل سبيل الحق فعمي عنه إذا اتبعه فاهتدى به من ضلالته، ومعنى: (وَرَحْمَةً) ، أي: لمن آمن به، وعمل بما فيه 30.

السادس: قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ? وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ?64?) [النحل: 64] .

وصف الله تعالى القرآن بكونه (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، لا ينفي كونه هدى للناس كذلك في حق الكل، وإنما خَصَّ المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به 31.

السابع: قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [النمل: 77] .

أي: وإن القرآن لهدى، ورحمة لمن آمن به، وتابع رسوله، وخص المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل 32.

الثامن: قوله تعالى: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ?) [لقمان: 3] .

لما ذكر الله سبحانه أن القرآن هدى ولم يذكر شيئًا آخر في سورة البقرة قال: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2] .

أي: يهتدي به من ينفي الشرك والعناد والتعصب، وينظر فيه من غير عناد، ولما زاد في هذه الآية: (لِلْمُحْسِنِينَ) ، أي: المتقين الشرك والعناد ذكر الإحسان، فالمحسن هو الآتي بالإيمان، والمتقي هو التارك للكفر، فمن جانب الكفر كان متقيًا، وله الجنة، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسنًا، وله الزيادة؛ لقوله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ ?) [يونس: 26] ؛ ولأنه تعالى ذكر أنه رحمة قال: (لِلْمُحْسِنِينَ) ؛ لأن رحمة الله قريب من المحسنين 33.

التاسع: قوله تعالى: (هَ?ذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [الجاثية: 20] .

أي: هذا الكتاب الذي أنزل إليك يا محمد (وَهُدًى) ، يعني رشاد، (وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، بحقيقة صحة هذا القرآن، وأنه تنزيل من العزيز الحكيم، وخَصَّ جل ثناؤه الموقنين بأنه لهم بصائر، وهدى، ورحمة؛ لأنهم الذين انتفعوا به 34.

وأما المواضع الثلاثة التي فيها وصف التوراة:

الأول: قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 154] .

ومعنى الهدى: الدلالة، والرحمة: النعمة 35، وقال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: آتينا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلًا لكل شيء (وَهُدًى) : تقويمًا لهم على الصراط المستقيم، وبيانًا لهم سبل الرشاد لئلا يضلوا، (پ) ، يقول: ورحمة منا بهم ورأفة؛ لننجيهم من الضلالة وعمى البصيرة» 36.

الثاني: قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ? وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ?154?) [الأعراف: 154] .

فمعنى: (هُدًى) ، أي: ما يهتدون به من الأحكام، ومعنى: (وَرَحْمَةٌ) ، أي: ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة 37.

الثالث: قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى? بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: 43] .

قال الفخر الرازي: «الكتاب هو التوراة، ووصفه الله تعالى بأنه بصائر للناس من حيث يستبصر به في باب الدين، (وَهُدًى) : من حيث يستدل به من إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب، ووصفه بأنه (رَحْمَةً) ؛ لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به» 38.

اقترنت الهداية بالبشرى لوحدها في ثلاثة مواضع، وكلها جاءت في وصف القرآن الكريم، على النحو الآتي:

الأول: قوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى? قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 97] .

جاء لفظ الهدى في الآية السابقة وصفًا للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به، والبشرى: الإخبار بحصول أمر سار، أو يترقب على حصوله، فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى، وكمال من الله تعالى، وبشرهم بأن الله تعالى سيؤتيهم خيري الدنيا والآخرة 39.

فالقرآن الكريم مشتمل على أمرين: أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما: بين ثواب الذي يأتي بهذه الأعمال، وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدمًا على الثاني في الوجود؛ لذلك قدم الله سبحانه الهدى على البشرى 40.

الثاني: قوله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 102] .

أي: إن القرآن يهدي إلى حقائق الأشياء، ويبين لهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويبشرهم أنَّ لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدًا، وأنه كلما نزل منه شيئًا فشيئًا كان أعظم هداية، وبشارة لهم 41.

الثالث: قوله تعالى: (هُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ) [النمل: 2] .

هذه الآية تبين أن آيات الكتاب موصوفة بأنها هدى وبشرى، واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين: أولهما: المراد أن يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم؛ فلهذا اختصَّ به المؤمنون، وثانيهما: المراد بالهدى الدلالة، وفي تخصيصه بالمؤمنين وجوهًا:

أحدها: أنه خَصَّه بالمؤمنين؛ لأنه ذكر الهدى والبشرى، والبشرى إنما تكون للمؤمنين.

وثانيها: أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) [النازعات: 45] .

وثالثها: المراد من كونها هدى للمؤمنين أنها زائدة في هداهم.

قال تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) [مريم: 76] 42.

ووردت الرحمة والبشرى بعد الهداية في موضع واحد وهو: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89] .

فالكتاب هو القرآن تبيانًا لكل شيء، ودلالة إلى الحق ورحمة لهم وبشارة لهم بالجنة 43، والمعنى: أن القرآن هدى من الضلالة، ورحمة لمن صدق به، وعمل بما فيه من أوامر ونواه، فأحل حلاله وحرم حرامه، وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، وأن له جزيل الثواب والكرامة في الآخرة 44.

وجاء اقتران الهداية بالموعظة في موضعين:

أولهما: قوله تعالى: (هَ?ذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 138] .

أي: زيادة بصيرة، وموعظة لكم، ومدار كونه هدى، وموعظة للمتقين إنما هو تقواهم، ويجوز أن يراد بالمتقين الصائرين إلى التقوى 45.

ومعنى البيان: الأيضاح وكشف الحقائق الواقعة، والهدى: الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال أو الاستقبال، والموعظة: هي الكلام الذي يلين القلب، ويزجر عن فعل المنهيات، وفيها التحذير والتخويف، وتكون بالترغيب والترهيب 46.

والمعنى: أن القرآن بيان وتنبيه للمكذبين، وهو أيضًا تثبيت، وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين 47.

فالقرآن الكريم جعله الله تعالى بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة 48.

والموضع الثاني: في قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?) [المائدة: 46] .

أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل الإنجيل هدى وموعظة، ولهذا أكثر فيه من المواعظ، والعبر، والقصص، أما الأحكام فغالبها مستمد من التوراة، والموعظة ما تتعظ به القلوب، وهي الأخبار المقرونة بالترغيب والترهيب، وفي الآية دلالة على أن في الإنجيل قبل تحريفه من العلم، والموعظة ما ينتفع به المتقون 49.

اقترنت الهداية بالنور في موضعين:

الأول: في وصف التوراة.

قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ?) [المائدة: 44] .

معنى الهدى: أي: العلم، والنور: أثر نافع يستنير به القلب 50، وهذا يعني أن هناك فرقًا بين الهدى والنور، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع، والتكاليف، والنور بيان للتوحيد، والنبوة، والمعادن وقيل: إن التوراة فيها بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، والنور بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم حق 51.

الثاني: في وصف الإنجيل.

قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) [المائدة: 46] .

أي: أن الإنجيل هدى، بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد، والتنزيه، وبراءة الله تعالى من الصاحبة، والولد، والمثل، والضد، وعلى النبوة، وعلى المعاد، وأما كونه نورًا فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية، ولتفاصيل التكاليف 52.

وجاءت الذكرى بعد الهداية في قوله تعالى: (هُدًى وَذِكْرَى? لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [غافر: 54] .

والمعنى: أن التوراة اشتملت على الهدى والعلم بالأحكام الشرعية، وغيرها، وتذكر بالخير، وترغب فيه، وتذكر أيضًا بالشر، وترهب عنه، وليس ذلك لكل أحد، وإنما هو لأولي الألباب 53.

قرنت الهداية بالشفاء في قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ? أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ? قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ?) [غافر: 54] .

فالقرآن كتاب هداية؛ لأنه دليل على الخيرات، ويرشد إلى السعادات، وهو أيضًا شفاء؛ لأنه إذا اهتدى الإنسان فذلك شفاء له من مرض الكفر والجهل 54.

اقترنت الهداية بالنور في موضعين:

الأول: في وصف التوراة.

قال تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى? نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ?) [الأنعام: 91] .

والمعنى: أن الكتاب هو التوراة العظيمة جاءت نورًا في ظلمات الجهل، وهدى من الضلالة، وهاديًا إلى الصراط المستقيم علمًا وعملًا، وهو الكتاب الذي شاع وذاع، وملأ ذكره القلوب والأسماع 55.

الثاني: في وصف القرآن.

قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ? مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ?) [الشورى: 52] .

أي: جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك يا محمد ضياءً ودليلًا على التوحيد والإيمان، نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا، ونرشده إلى الدين الحق 56.

جاءت الهداية مقترنة بالبركة في موضع واحد، وهو قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] .

يخبر الله تعالى بعظمة بيته المحرم، وأنه أول البيوت التي وضعها الله في الأرض لعبادته، وإقامة ذكره، وأن فيه من البركات، وأنواع الهدايات، وتنوع المصالح، والمنافع للعالمين، وأن فيه آيات بينات، وفيه الحرم الذي من دخله كان آمنا، فلما احتوى على هذه الأمور أوجب الله تعالى حجه، وهو من آيات القرآن، حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان ومكان، ولا يمكن الصلاح بدونها، فمن أذعن لذلك، وقام به فهو من المهتدين المؤمنين، ومن كفر، فلم يلتزم حج بيته إن كان مستطيعًا فهو خارج عن الدين، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين 57.

وخلاصة القول أن الهداية، والألفاظ التي قرنت بها في القرآن الكريم جاءت أوصافًا للكتب السماوية، وقد حظي القرآن الكريم بها جميعًا، وبغيرها، حيث إنه شهد للكتب السابقة، ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، والقرآن مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ الأولين والآخرين، وأتم الله تعالى به الشرائع والدين، وفيه الحكم، والحكمة، والأحكام.

قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] 58.

فالكتب السماوية جاءت للهداية، والإرشاد، والبيان، والموعظة، والذكرى، وفيها النور، والدلالة على الحق، والشفاء من كل شكِّ وريب، والقرآن الكريم مصدق للكتب السابقة الموصوفة بالهدى، ومهيمنًا عليها، وشاهدًا لها، وأنَ ذلك من تمام هدايته، اللهم اهدنا، وألهمنا رشدنا، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين، ولا مضلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت