فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 2431

يقول الإمام الألوسي في تفسيره للآية الكريمة: «أي: ويغفر لنا السحر الذي تعملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك إيانا من المدائن القاصية خصُوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم إظهارًا لغاية نفرتهم عنه ورغبتهم في مغفرته، وذكر الإكراه للإيذان بأنه مما يجب أن يفرد بالاستغفار مع صدوره عنهم بالإكراه، وفيه نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: إن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين، اثنان منهم من القبط والباقي من بني إسرائيل وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر» 56.

فهذا فرعون لما أراد ان يحافظ على سلطانه وعلى طغيانه، أكره أصحاب الاختصاص من السحرة؛ لتعلم ما يسحر أعين الناس ويبطل سحر موسى عليه السلام على حد زعمه، ولكن الله سبحانه وتعالى أبطل كيده، وكان قد هلك فرعون الأصل، إلا أن هذه الظاهرة الفرعونية موجودة في كل عصر وحين، حيث يستخدم الطغاة كل وسائل الإكراه المادي والمعنوي، الترغيبي والترهيبي؛ لإقناع الناس بسحرهم، إلا أن الله سبحانه وتعالى سيبطله.

الحالة الثانية: استكبار أشراف قوم سيدنا شعيب عليه السلام على الدعوة وإكراههم له.

يقول تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] .

يقول الشيخ سيد طنطاوي في تفسيره لهذه الآية: «قال الأشراف المستكبرون من قوم شعيب له ردًا على مواعظه لهم: والله لنخرجنك يا شعيب أنت والذين آمنوا معك من قريتنا بغضًا لكم، ودفعًا لفتنتكم المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا، أو لتعودن وترجعن إلى ملتنا وما نؤمن به من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل علينا تركها، فعليك يا شعيب أنت ومن معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين: الإخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا، هكذا قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه باستعلاء وغلظة وغضب» 57.

وهذا ديدن المستكبرين المجرمين في الأرض ينهبون ثروات الناس، ويسلبون حقوقهم المعنوية والمادية، فيصادرون الحريات ويكممون الأفواه، وإذا بعث الله تعالى مخلصًا مصلحًا ليصلح البلاد والعباد، تنادوا فيما بينهم ليحاربوه أو يخرجوه من أرضهم، وصدق سبحانه وتعالى حينما قال حكاية عن قوم سيدنا لوط عليه السلام: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] .

فيعتمدون سياسة القهر والاستبداد لكل من يتطهر ويتبنى فكرًا مخالفًا لفكرهم المادي الدنيوي، ولكل من يريد أن يوقظ ضمير الناس، ويستنهض همتهم للدين، يبعدونه ويخرجونه ويسجنونه، آملين ألا يسمع له صوتًا، ولا يرى له تابع، وهذا كله إكراه للناس والمصلحين؛ ليحافظوا على سلطانهم ورياستهم، التي سرعان ما ستزول منهم حالما يكتشف الناس حقيقتهم وما سلبوه من شعوبهم، وما تسببوا به من آلام لهذه الامة.

ثالثًا: طلب المال:

قد بين الله تعالى أن المال قوام الحياة، وأن معايش الناس، وقيامهم بالمال، فقال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] .

ولقد حذر الإسلام من مغبة الانجرار وراء زخرف المال، وأن يصبح هدفًا في حياة الإنسان، وحدد طرق مشروعة لجلب المال والرزق، وبين كيفيات صرف هذه الأموال بما يجعله ذخرًا للمرء في الدنيا والآخرة، ونهى سبحانه وتعالى عن طلب المال من طرق غير مشروعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت