فهرس الكتاب

الصفحة 1753 من 2431

وذلك مثل السرقة والنهب والغصب والسطو وقطع الطريق والغلول (وهو سرقة أموال العامة) 39، ولكل ذلك أدلته في التحريم والنهي، قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [المائدة:38] .

وقد جمع ذلك كله قوله تعالى: (ٹ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء:29] .

ويدخل في ذلك الغش والاحتيال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) 40.

ومثله تطفيف الكيل والميزان لقوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) [المطففين:1] .

ومنه أكل مال اليتيم حيث شدد الشرع في تحريمه (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ? وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10] .

وكذلك الاحتكار، ومثله التلاعب بالأسعار من قبل التجار وفي هذه الحالة تقدم مصلحة المجموع ويباح التسعير لوقاية المجتمع من المستغلين الجشعين ومعاملتهم بنقيض مقصودهم كما تقر القواعد والأصول 41.

2.الكسب غير المشروع ولو برضا الطرفين.

وذلك مثل:

قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:188] .

وعن ثوبان قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي) 42.

وحرم لأنه تملك مال غير مقترن بجهد، ورضا الطرف الآخر لا عبرة به، لأن كلًا من الطرفين قصد الربح، فيسبب العداوة والبغضاء ويصد عن واجبات الإسلام لأن هدفه الربح بأقرب الطرق وغالبًا ما يخالطه المجون والفساد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة:90 - 91] .

وكذلك اليانصيب وما شاكله هو ضرب من القمار.

3.العقود المحرمة.

إن الأصل في العقود والشروط والبيوع الجواز والصحة، ولا يحرم و يبطل منها إلا ما دل على ذلك نص أو قياس 43، والعقود المنصوص على حرمتها مجالها كتب الفقه.

4.الكسب مقابل فعلٍ محرم.

مثل التجارة بالمحرمات كالخمور والمخدرات إنتاجًا وبيعًا وترويجًا، وبيع الخنزير، وكل عمل محرم كامتهان الكهانة والترويج للفاحشة عن طريق الصحف والمجلات ووسائل الدعاية الأخرى. ولاشك أن كل ذلك يؤثر في فساد الأخلاق والأمراض والتفكك الإجتماعي، وأكل أموال الناس بالباطل وإثراء فئة ضالة.

5.تزييف العملة وترويجها.

وقد نبه إلى ذلك حجة الإسلام الإمام الغزالي عند ذكره لانواع الأمور المحرمة 44.

إن قضية الإنفاق وكيفيته ووجوهه لا تقل أهمية عن قضية الكسب ووسائله، وذلك لأن إنفاق المال يحتاج الى الحكمة والعقل التي يحتاجهما في كيفية الحصول عليه

فالذي يتحرى الحلال والكسب الطيب عليه كذلك أن ينفقه في وجوه وطرق سليمة نافعة وغير ضارة، ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة أحكام الإسلام ونظرته إلى المال على أنه مال لله وهو الوكيل والمستخلف فيه، ومحاسبٌ على إنفاقه، وأنه نعمة إذا لم يحسن التصرف فيها تنقلب نقمة وفتنة تستوجب الحساب في الآخرة وزوالها محتمل في الدنيا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه) 45.

ويقول الحسن البصري رضي الله عنه: «إذا أردتم أن تعرفوا من أين اكتسب الرجل ماله فانظروا فيم أنفقه» 46.

وفي طرق الإنفاق التي حددها الإسلام يكون قد وضع الأسس والضوابط القويمة للحفاظ على المال والمكتسبات بإنفاقها في محلها المشروع وهذه الأسس هي 47:

1.تطهيرها بالزكاة بالإنفاق على الفقراء وذوي الحاجات.

ويكون الإنفاق من الكسب الطيب كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة:267] .

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل الا طيبًا) 48.

2.الإنفاق على الأهل.

من الوالد والولد وذوي القربى بحسب القدرة والحاجة التي تدور بين الضرورات والحاجيات والتحسينات، ولا يتوسع بها لحد الترف المؤدي للضياع.

3.الصدقة الموصولة على أصحاب الحاجات.

وإذا ساءت الأحوال فعليهم أن يسدوا خلة إخوانهم كما قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9] .

4.الاعتدال في الإنفاق.

كما دعت اليه النصوص الكثيرة والتي تمثل الوسطية ومثالية الإسلام، قال تعالى: (. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا [الفرقان:67] .

وفي الحديث: (كلوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة) 49.

ويدخل في ذلك تحريم كنز المال الذي سبق الكلام عنه. وإذا كان الاعتدال مطلوبًا على مستوى الأفراد ففي الأموال العامة أكثر أهمية، وأولياء الأمر أمناء عليه.

5.الرشد والأمانة فيمن يتولى الإنفاق.

والرشد ضد السفه قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [النساء:5] .

ولذلك منع القرآن إعطاء اليتامى الصغار أموالهم حتى يبلغوا الرشد فقال: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء:6] .

إن اتباع الأسس السابقة يقود إلى الإنفاق المشروع وهذا هو الأصل من كلمة (إنفاق) حتى إذا ما أطلقت أريد بها ذلك، أو أخص بأنه: بذل المال في سبيل الله والذي شجع عليه الشرع لما له من الأثر في شخصية المسلم 50.

أما الفتنة في الإنفاق فتكون بوضع المال في غير محله مما يؤدي الى ضائقة إقتصادية، أو فساد خلقي على المستوى الفردي والجماعي ويتمثل في الوجوه الآتية:

أشار القرآن الكريم إلى إمكانية وجود هذه الفتنة.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ? وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن:14] .

وفي هذه الآيات نلمح الإعجاز التربوى في النص الكريم، فمن معانى هذه الآية أن من الأزواج والأبناء من يمكن أن يكون عدوا للعبد المؤمن لأنهم يشكلون عائقا بينه وبين عمل الخير ويحولون بينه وبين القيام بواجبات الطاعة لله تعالى بل قد يدفعونه إلى السعى في اكتساب الحرام وارتكاب الآثام من أجل تحقيق رغباتهم المادية العاجلة بأي ثمن، وذلك انطلاقا من فرط محبته لهم، ومن شدة تعلقه بهم، ولذلك تأمر الآية الكريمة بضرورة الحذر من هذا النوع من الزوجات والأولاد، وذلك بعدم الاستجابة لرغباتهم، أو الطاعة العمياء لأهوائهم، وجاء سبب النزول ليؤكد هذا المعنى.

فعن ابن عباس سأله رجل عن هذه الآية (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) قال هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأوا أصحابهم قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) 53.

ولذا جاء هذا التحذير من إمكانية هيمنة الأزواج والأولاد على العبد المؤمن لصرفه عن طاعة الله تعالى انطلاقا من الحرص على الأموال أو المحافظة على السلامة لأن ذلك مدخل من مداخل الشيطان الذى يستغل العاطفة بين الزوجين وتلك التى تربطهما بأبنائهما لتحقيق غايته ولذلك اتبعت هذه الآية الكريمة بقوله وتعالي: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ?15?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?16?) [التغابن:15 - 16] .

وهذه الآيات الثلاث في سورة التغابن تنبه العبد المؤمن إلى إمكانية أن يكون له من زوجه وولده عدوا له يصرفه عن البذل في سبيل الله حرصا على المال، أو يثبطه عن الجهاد في سبيل الله حرصا على النفس، أو يستغل نفوذه إذا كان صاحب نفوذ للإفساد في الأرض.

وقد تكون زوج الرجل والأبناء في طريق غير طريق الزوج المؤمن، فيحاولون جاهدين صرفه عن طريقه السوي إلى طرقهم الملتوية فيهلكوه، أو أن يستغلوا جاهه وسلطانه في غير ما يرضى الله فيدمروه، وقد اقتضى كل ذلك هذا التحذير الإلهى الشديد لكل عبد مؤمن من إمكانية الوقوع في موقف يعجز فيه عن المفاصلة بينه وبين زوجه وأبنائه إذا وقفوا عائقا حقيقيا دون تحقيق عبوديته لخالقه، ثم كررت الآيات في السورة هذا التحذير في صورة أخرى هى فتنة الأموال والأولاد، بمعنى بمعنى الافتتان حتى الوقوع في عدد من المخالفات الشرعية سواء كانت صغيرة أو كبيرة ولذلك قال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التغابن:15] .

هذه العداوة ليست قاصرة على الزوجة والأولاد، بل ربما تكون عداوة الزوج لزوجته وأولاده وفتنته لهم أشد وأنكى، فقد يمنع الزوج زوجته من البر بأقرب الناس أو حتى الإنفاق فيما تملك.

وفتنة الأهل والولد درجات، فقد تصل الفتنة إلى درجة الكفر، وقد تقصر عن ذلك: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) [الكهف:80] .

وإذا أردنا أن نخص فتنة الأزواج فقد تدخل فتنة الزوجة ضمن فتنة النساء التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع نظرة الإسلام للمرأة نظرة تكريم إلا أنه عدها من زينة الدنيا التي تفتن الرجل.

قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) [آل عمران:14] .

فإذا كانت المرأة صالحة كانت خير متاعها، وإلا فلا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) 54.

ومن جانب آخر نجد أحاديث تحذر من فتنة النساء كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء) 55.

وفي حديث آخر: (فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) 56.

وتتجلى فتنة النساء في المظاهر الآتية: كيد النساء، لما في طبيعة المرأة وفطرتها من الكيد الذي تستعمل فيه وسائل التأثير على الغير، حب المرأة للمظاهر والنعيم، والميل المفرط من جانب المرأة لذلك قد يوقع الرجل الضعيف في فتنة الكسب الحرام أو المشبوه لإرضاء تطلع المرأة، تسلط النساء على الرجال: وهي أن تنقلب الموازين فتصبح الكلمة للمرأة دون الرجل، وهو خلاف الفطرة والشرع، وقد يقع هذا التسلط في مجال الإسرة، وهو خلاف القوامة، كما أنها قد تفسد علاقته بالآخرين وأقرب الناس إليه فتوصله إلى قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وهي فتنة تعاني منها أغلب المجتمعات اليوم، وفي مجال السياسة: تأثير المرأة على الرجل الذي يتولى الأمر في قرارات خطيرة تتعلق بأمور المسلمين وقد حدثنا التاريخ كيف أثرت النساء في هذا المجال والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.

أما فتنة الولد، فإن الله تعالى عالم بمواطن الضعف في الإنسان، ويعلم أن الحرص على الأولاد من أعمق تلك المواطن، وتكون الفتنة فيهم من وجوه:

قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [الأنفال:28] .

فقد قرن الأولاد بالمال وكلاهما ابتلاء وامتحان من الله، فمن أطاع الله فيهما وشكر فقد فاز ومن شغل بهما فقد خسر.

وقد ورد في التفاسير أن هذه الآية متعلقة بما قبلها، وهي التي نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الذي خان الأمانة وأفشى السر ليهود بني قريظة، وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم فندم فنزلت الآية لتعلمهم أن الأمانة مع الله ورسوله فوق كل شيء، حتى ولو كان المال والولد، فقال الزمخشري فيها: «جعل الأموال والأولاد فتنة لأنهم سبب الوقوع في الفتنة، أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده» 57، فالأمانة تقتضي الاستعلاء على فتنة الأولاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) 58.

والفتنة في هذا الجانب كبيرة كما أشار النص السابق (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) حيث يعالج القرآن ذلك محذرا من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان كما نبه عن الانشغال بهم عن ذكر الله فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون:9] .

وقد شدد في التحذير منهم حتى جعلهم كالأعداء إذا صدوا عن مسألة خطيرة تتعلق بمصالح الأمة حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) [التغابن:14] .

وقد سأل رجل ابن عباس عن الآية فقال: «فهؤلاء الرجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله هذه الآية (وإن تعفوا) 59. وقال الزمخشري: «إن من الأزواج أزواجًا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن الأولاد أولادًا يعادون آباءهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى فاحذروهم لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عداء، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرهم.» 60 وهي عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد.

قال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ?1?حَتَّى? زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ?2?) [التكاثر:1 - 2] .

وجاءت آيات كثيرة تعيب على الذين يتباهون بكثرة الأولاد وخصوصا البنين منهم، لأنهم سوف يأتون يوم القيامة فرادى ولن تنفعهم أولادهم بل هي أعمالهم كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) [آل عمران:10] .

وقد نبه القرآن إلى ذلك فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم:6] .

ويتضمن ذلك عدم المساواة بينهم في العطاء وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم) 61.

ومن ذلك تفضيل البنين على البنات وعدم المساواة بينهم في المحبة والعطاء والتربية، وقد عد الإسلام ذلك من الجاهلية.

قال تعالى: (. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى? ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) [النحل:58] .

فحث الرسول صلى الله عليه وسلم على رعايتهن وجعلها سببا لدخول الجنة، ومع ذلك فإن هذه الفتنة ما زال يقع فيها الكثير حتى ممن يدعى الثقافة، والعلم الشرعي!!

ومنها القسوة في معاملة الأولاد، وقد حث الرسول على الرفق معهم وخفض الجناح والملاطفة، وكان صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك، ولنا في وصايا لقمان الحكيم لابنه التي قصها القرآن نموذج للتربية الصالحة.

حب الجاه: أصل الجاه: انتشار الصيت والاشتهار، وهو مذموم إذا قصده المرء، كما أنه من أعظم مظاهر الحياة الدنيا، لذا كانت فتنة الجاه من أعظم الفتن.

ومعناه: «هو قيام المنزلة في قلوب الناس، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال في شخص، إما من علم، أو عبادة، أو نسب، أو قوة، أو حسن صورة، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالًا، فبقدر ما يعتقدون له من ذلك، تذعن قلوبهم لطاعته، ومدحه وخدمته، وتوقيره» 62.

ويقترن حب الجاه بحب المال، وهما على رأي الإمام الغزالي ركنا الدنيا، وعلى هذا فالجاه محبوب بالطبع، وقد يفوق حب المال، لأن المال ليس هدفًا بذاته بل وسيلة متاع الدنيا، وقد يكون الجاه طريقًا إلى المال

وهذا لا يعني أن الجاه مذموم جملة وتفصيلًا، بل فيه ما يحمد، وفيه ما يذم وهو الغالب فحب المرء أن يكون له منزلة في قلوب من حوله لضرورة التعايش معهم ليس بمذموم، أو لصفة هي فيه لغرض نافع فهو مباح، كقول يوسف عليه السلام (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى? خَزَائِنِ الْأَرْضِ ? إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55] .

أو قصد إخفاء ما لا يليق لأن الستر على القبائح جائز.

والمحظور أن يطلب الجاه لذاته أو بما ليس فيه كالعلم والورع والنسب، وأن يكون ذلك كل همه، فتظهر الفتنة فيمن غلب على قلبه ذلك فيعمد لتحقيقه بارتكاب المعاصي كالكذب والخداع، أو بالعبادة فيدخل في الرياء المحرم، وربما بالنفاق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حبك المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) 63.

وحب الجاه يؤدي بصاحبه إلى حب المدح وإن كان بما ليس فيه، وكان أهل الصلاح يفرون من الشهرة والجاه، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه خرج من منزله فتبعه جماعة، فالتفت إليهم وقال: «علام تتبعوني فوالله لو علمتم ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان» وفي لفظ آخر أنه قال: «ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع» 64.

وقد قرن تعالى بين إرادة العلو والفساد فقال: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص:83] .

أما فتنة السلطان فهي الأشد ولذلك سأقف عليها ببعض التوضيح:

ومن المعروف أن الإسلام دين ودولة، ولا يمكن أن تطبق تعاليم الإسلام من غير وجود دولة ورئيس لها وقد تختلف الألقاب لمن يتولى أمر المسلمين كالخليفة والسلطان، والأمير وكلها مسميات لمعنى واحد. أما وسيلة إسناد السلطة فهي «البيعة» وهي: «عقد رضائي بين الأمة والحاكم ملزم للجانبين، يلتزم فيه الأمير بأن يسير بالأمة وفقًا للكتاب والسنة، وأن يقوم بفروض الإ مامة وتلتزم فيه الأمة بتقديم الطاعة والنصرة له ما لم يتغير حاله» 65.

وبما أن الحاكم نائب عن الأمة ووكيلها، فإن سلطته مقيدة بحدود تلك الوكالة وهو مقيد بما تقيد به الأمة في الأصل، فلا يملك أكثر مما يملكه الأصيل 66.

وللحاكم واجبات أهمها تطبيق الشرع، وقد فصل العلماء في ذلك 67، وهي «رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم» 68، والتي يجمعها قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الحج:41] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) 69.

وفتنة السلطان تتمثل في مشكلة تجاوز السلطة لحدودها: بما أن وجود الحاكم واجب لا بد منه، فإن وجود السلطة يقسم الجماعة إلى حاكم ومحكوم، وآمر ومطيع، ولكي تقوم السلطة بمهمتها الداخلية والخارجية دون التعرض لحقوق الأفراد وحرياتهم وصيانتها، ودون ظلم لأحد الطرفين، فقد تكفل الإسلام ـ وهو النظام الرباني ـ بحل ذلك بأن قيد سلطة الحاكم بالشرع، فإذا تجاوز ذلك وانحرف فقد فتح باب المشكل السياسي والذي هو «مشكلة شعب في مواجهة سلطة» 70.

وذلك لأن الأمة مسؤولة أمام الله في اختيارها للحاكم، وعليها ألا تسكت أمام إنحرافات السلطة، كما أن الفرد والأمة مسؤولون في طاعة الحاكم بالمعصية والتي تستحق العذاب عليه بالنار، كما قال تعالى: (. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الأحزاب:67] ، كما تثبت مسؤولية الجماعة في قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأنفال:25] .

ولقد حذر القرآن الكريم من الوقوع في فتنة الصراع بسبب السلطة، وضرب لنا الأمثلة على الطغاة المستبدين الذي غرهم سلطانهم فضلوا وأضلوا وذلك لأخذ العبرة منهم، لأن فتنة المال وشهوة الحكم جذورها عميقة في أعماق النفس البشرية، وقد ذكر لنا القرآن أبرز مثل في فرعون الذي استعبد الناس، وبلغ من تجبر هذا الطاغية أن استخف بدعوة موسى عليه السلام وقال القرآن عنه: (وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف:51] .

والأكثر من ذلك (فَحَشَرَ فَنَادَى? ?23?فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى? ?24?) [النازعات:23 - 24] .

ومن أهم أسباب ذلك الانحراف هو حب السلطة والمنصب والجاه: ومن المعروف أن للمنصب عند البعض نشوة تلعب بالرؤوس لا تعادلها نشوة، فتساعد على الغطرسة والاستعلاء والبطش، وتزين لصاحبها أنه على الحق والصواب 71.

وقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هؤلاء الحكام المسببين للفتن فقال: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع في أمتي السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) 72.

كما تنبأ بوجود الحاشية الفاسدة لهم فقال: (أخوف ما أخاف على أمتي رجل منافق عليم اللسان غير حكيم القلب، يغيرهم بفصاحته وبيانه ويضلهم بجهله) 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت