فهرس الكتاب

الصفحة 2386 من 2431

قال سيد قطب «إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة، ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه، إنَّ أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء، فإذا أصرَّ الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام!! وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وإنَّ هذا لهو فضل العقيدة في الله في كلِّ كفاح.

فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال، ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد» 119.

وفي سورة آل عمران يبين الحقُّ تعالى أنَّ صبر المؤمنين وتقواهم يحقق لهم أربعة أمور 120:

الأول: إبطال كيد أعدائهم، فقال: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] .

قال القرطبي 121: « {وَإِنْ تَصْبِرُوا} أي: على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين {وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} ، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم» .

الثاني: الفوز بنصر الله، فقال: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] .

«قال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا» 122. وقال السعدي: «وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الصبر والتقوى» 123.

الثالث: التغلب على آثار الهزيمة النفسية، فقال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

فالتغلب على آثار البلاء، وعلى حرب المشركين الإعلامية، إنما يكون بالصبر والتقوى. قال ابن عثيمين: «أي: إن الذي يصبر على أذى الناس، ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] . أي: من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له. والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها» 124.

الرابع: الفلاح في الدنيا والآخرة، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

قال البقاعي: «أي: ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء» 125.

رابعًا: اجتناب الحزن والخوف:

قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .

وقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] .

«ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه أو منفيًّا، وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسر، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد؛ ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه، فالحزن ليس بمطلوب، ولا مقصود، ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن) 126.

فهو قرين الهمِّ، والفرق بينهما أنَّ المكروه الذي يرد على القلب، إن كان لما يستقبل أورثه الهمَّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير، مفتر للعزم» 127.

و «الإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم الغمِّ والهمِّ لما يستقبل، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22 - 23] . والذي لا يؤمن بالقدر لا شكَّ أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح الشيطان له كلَّ باب، وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر إذا أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله» 128.

ويبين قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] .

أن طريق المؤمنين في اجتناب الحزن أن يحتسبوا تضحياتهم، ويثقوا أنها محفوظة لهم عند ربهم، ومن قتل منهم فلن يضيع عمله، وعليهم ألا يحسبوا أنَّ القتلى في سبيل الله أمواتًا، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأن يوقنوا أن ما عند الله خير لهم وأبقى 129.

ومن تدبير الإسلام في علاج الحزن والخوف:

«أولًا: هوَّنَ على المؤمنين خطب الموت، وذلك بإيمانهم بالحياة الآخرة إيمانًا يشعرون معه أنَّ الموت ليس إلا انتقالًا من عالم إلى عالم أرحب وأفسح، ومن هنا فلا ينظرون إلى الموت على أنه فناء أبدي للميت، وضياع لا نهائي لمن يموت، كما ينظر إلى ذلك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

وثانيًا: أنه وعد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله درجات عالية عند الله سبحانه، حيث ينزلون منازل الأنبياء والصديقين، وإنما تتجلى طاعة الله ورسوله على أتمِّ وجه وأكمله في ميدان الجهاد في سبيل الله.

وثالثًا: أنه توعد الذين ينتظمون في صفوف المجاهدين، ثمَّ إذا التحم القتال، وتساقطت الرؤوس، وتناثرت الأشلاء، وسالت الدماء ركبهم الفزع، واستبدَّ بهم الجزع، والتمسوا وجوه النجاة في الفرار من الميدان، أو النكوص على الأعقاب، أو الدعوة إلى السلم والاستسلام، توعد الإسلام من كان في المجاهدين المقاتلين، ثم أخذ هذا الموقف المتخاذل توعده بغضب من الله، وبعذاب أليم في نار جهنم» 130.

خامسًا: التوكل على الله:

قال تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 122 - 123] .

تبين الآيات أنَّ التوكل على الله، يحول بين المؤمنين وأن يقعوا في الوهن، فولاية هاتين الطائفتين لله وتوكلهما عليه، جَنَّبْتُهُمَا الفشل، وهو الجبن والخور والرعب. قال البيضاوي: « {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره؛ لينصرهم كما نصرهم ببدر» 131.

قال البغوي: « {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلًا، فلمَّا بلغوا الشوط انسحب عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السُّلَمي، فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته، فقال عز وجل: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ناصرهما وحافظهما عن الانصراف من القتال، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} » 132.

وقال القرطبي: «والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. واختلف العلماء في حقيقة التوكُّلِ، فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال: قالت فرقة: الرضا بالضمان، وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه اسم التوكُّل. قال سهل: من قال: إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل يقول: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] . فالغنيمة اكتساب. وقال تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] ، فهذا عمل. وقال غيره: وهذا قول عامة الفقهاء، وأنَّ التوكُّلَ على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماضٍ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدوٍّ وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكلُّ منه وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم» 133.

قال ابن رجب: «وتحقيق التوكُّلِ لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] .

وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] .

وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] » 134.

وقال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] .

قال أبو السعود: «تقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لإفادة قصره عليه تعالى، والفاء؛ لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما مرَّ من غلبة المخاطبين على تقدير نصرته تعالى لهم، ومغلوبيتهم على تقدير خذلانه تعالى إياهم، فإنَّ العلم بذلك مما يقتضي قصر التوكل عليه تعالى لا محالة، والمراد بالمؤمنين إما الجنس، والمخاطبون داخلون فيه دخولًا أوليًّا، وإما هم خاصة بطريق الالتفات. وأيا ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الإيمان اشتراكًا أو استقلالًا، وفيه تعليل لتحتم التوكل عليه تعالى، فإن وصف الإيمان مما يوجبه قطعًا» 135.

سادسًا: الجهاد بالنفس والمال:

جاء في الحديث: (لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) 136.

فيبين أن التوبة إلى الله بالرجوع إلى الجهاد، وإقامة الدين، وعدم مخالفة الله ورسوله، هو الطريق لنزع الذلِّ من الرقاب.

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 216 - 217] .

جاء في فتاوى الشيخ ابن باز: «الواجب على المسلمين أن يطالبوا بالقدس، وأن يردوها إلى أهلها، وأن يجتهدوا في ذلك؛ لأن أهلها مظلومون، ونصر المظلوم لازم وواجب، ولأن القدس للمسلمين وليست للكفار، فيجب أن ترد إلى أهلها، فالرسول عليه السلام يقول: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) 137.

فهؤلاء مظلومون ونصرهم واجب، والظالم نصره منعه من الظلم، فالواجب على الدول الإسلامية أن ينصروا المظلوم، وأن يستعيدوا هذه البلاد، وأن يفعلوا مع ذلك ما يلزمهم من طاعة الله ورسوله، والاستقامة على دين الله ورسوله، حتى يعانوا، وحتى يوفقوا لما أرادوا من الخير، وحتى تحصل لهم النصرة من ربهم عز وجل، وتسهيل أمورهم وإجلاء الأعداء، وتمكين المسلمين من استرداد حقهم السليب» 138.

وقال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 59 - 60] .

قال السعدي: « {وَأَعِدُّوا} لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة، والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شرُّ أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير.

ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال. وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابًا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلم الصناعة، وجب ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ} ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به، {اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم. ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار.

ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قليلًا كان أو كثيرًا {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أجره يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل الله، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} ، أي: لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا» 139.

وقد جعل الله الإنفاق في سبيل الله من الجهاد، وفي القرآن الكريم غالبًا ما يقترن الجهاد بالنفس مع المال، قال ابن باز: «قدم الله سبحانه الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في غالب الآيات. فالمقصود أن الجهاد في سبيل الله له شأن عظيم، فهو بالمال أفضل في بعض الوجوه، وبالنفس أفضل في بعض الوجوه؛ فالنفس أغلى شيء عند الإنسان، فالجهاد بالنفس هذا أفضل الجهاد؛ لأنه مجاهد بنفسه، لكن قدم الله المال؛ لأن المال ينفع في جهات كثيرة، يستطاع أن يستأجر به المجاهد، ويستطاع أن يجهز به المجاهد، ويستطاع أن يشترى به السلاح، ويشترى به الطعام والشراب، وتشترى به الكسوة، وتشترى به المئونة والذخيرة، فنفع المال متنوع» 140.

ومن العلاج أيضًا: تعبئة الأمة بروح الجهاد، وبث حياة العزة والكرامة في أوصالها، حتى لا يدب إليها الوهن. وقد أمر الله رسوله بالتحريض على القتال، فقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 65 - 66] .

قال أبو السعود 141: «أي: بالغ في حثهم عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة، التي أعظمها تذكير وعده تعالى بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم» . «ولا بد من إذكاء الروح الجهادية في النفوس، وتبصير القاصي والداني من أبناء الأمة بأهمية الجهاد في سبيل الله، وبأنه طريق العزة، وطريق الأمة في تحرير نفسها وأرضها ومقدساتها» 142.

سابعًا: طاعة الله ورسوله:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] .

فجعل طاعة الله ورسوله من العلاجات التي تقي المؤمنين من الانزلاق إلى الوهن، والتنازع، والفشل. قال السعدي: « {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. {وَلَا تَنَازَعُوا} تنازعًا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، {فَتَفْشَلُوا} أي: تجبنوا {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله» 143.

وفي التفسير الحديث: «في الآيات نداء موجه للمسلمين يؤمرون به بالثبات في القتال حينما يلتحمون مع فئة من أعدائهم ويلقونها، وبذكر الله كثيرًا آنذاك، حيث يضمن لهم ذلك الروحانية والتأييد والفلاح،. ويحثون به على طاعة الله ورسوله في كل موقف ويحذرون به من التنازع والاختلاف؛ لأن فيهما فشلهم وإدبار أمرهم، ويؤمرون فيه بالصبر؛ لأن ذلك يضمن لهم نصر الله وتأييده، وينهون به عن أن يكونوا مثل الكفار الذين خرجوا من مكة يملؤهم الفخر والزهو والبطر وحبُّ التظاهر، وهم يصدون عن سبيل الله، والله محيط بهم ومحبط لأعمالهم» 144.

وطاعة الله ورسوله هي عاصم الأمة من التفرق، وطريقها إلى الوحدة القائمة على هوية دينها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت