فهرس الكتاب

الصفحة 844 من 2431

أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليد العليا بما اجتهدوا، وبما عملوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسان نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخيرك موصولًا بخير الآخرة؛ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) 40. ومن هذه الآية أيضًا يتضح لنا جانب آخر هو ثمرة من ثمرات الإحسان في الدنيا وهي الأمن» 41.

وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [الزمر: 10] .

قال ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} أي: لمن أحسن العمل في هذه الدّنيا حسنةٌ في دنياهم وأخراهم» 42.

4.جزاء المتصدقين.

الصّدقة: هي الإحسان إلى النّاس المحاويج الضّعفاء، الّذين لا كسب لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال طاعةً للّه، وإحسانًا إلى خلقه، وقد ثبت في الصّحيحين: (سبعةٌ يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه -فذكر منهم-: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) 43.

وفي الصّحيحين عن أبي هريرة قال: (ضرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدّق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديدٍ أو جنّتان من حديدٍ، قد اضطرّت أيديهما إلى ثديّهما وتراقيهما، فجعل المتصدّق كلّما تصدّق بصدقةٍ انبسطت عنه، حتّى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلّما همّ بصدقةٍ قلصت، وأخذت كلّ حلقةٍ مكانها) ، قال أبو هريرة: (فأنا رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها ولا يتّسع) 44.

وقد قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] .

فجود الرّجل يحبّبه إلى أضداده، وبخله يبغّضه إلى أولاده، كما قيل 45:

ويظهر عيب المرء في النّاس بخله

وتستره عنهم جميعًا سخاؤه

تغطّ بأثواب السّخاء فإنّني

أرى كلّ عيبٍ والسّخاء غطاؤه 46

ومدح الله تعالى المنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات، من ليلٍ أو نهارٍ، والأحوال، من سرٍّ وجهارٍ، فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .

والنّفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصّحيحين أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقّاصٍ حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي روايةٍ عام حجّة الوداع: (وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه اللّه إلّا ازددت بها درجةً ورفعةً، حتّى ما تجعل في في امرأتك) 47.

وقوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي: ثوابهم عند الله؛ وسمي أجرًا لأنه يشبه عقد الإجارة التي يعوّض فيه العامل على عمله؛ وهذا الأجر قد بين فيما سبق من السورة بأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .

وقوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: فيما يستقبل {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: فيما مضى؛ فهم لا يحزنون على ما سبق؛ ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل؛ ولا يحزنون على ما مضى لأنهم أنفقوه عن طيب نفس.

ومن الفوائد في هذه الآية:

1.الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلًا، أو نهارًا، أو سرًّا، أو جهارًا.

2.كثرة ثوابهم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى: (? ? ? ?) والثواب عند العظيم يكون عظيمًا.

3.أن الإنفاق يكون سببًا لشرح الصدر، وطرد الهم والغم؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) وهذا أمر مجرب مشاهد؛ أن الإنسان إذا أنفق يبتغي وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه؛ وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» أن ذلك من أسباب انشراح الصدر 48.

4.كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه أجرًا لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم.

5.كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله؛ وذلك لانتفاء الخوف والحزن عنهم 49.

قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 19 - 24] .

فمن أسباب النجاة من صفات الذم العمل بما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} أي: في أموالهم نصيبٌ مقرّرٌ لذوي الحاجات. فالصّلاة والزّكاة والصدقة علاجٌ لما في جبلّة الإنسان من الهلع والجبن الحاجم له عن الإقدام في الدّفاع عن الحقّ وإعلاء كلمة الله، ومن الشّحّ الصّادّ له عن الإنفاق في سبيل الله؛ ولذلك كان المنافقون أجبن النّاس وأبخلهم 50.

ثانيًا: الجزاء السيئ وأهله في الدنيا:

تعددت صور الجزاء السيئ وأهله في الدنيا، ومن هذه الصور:

1.جزاء المجرمين.

أخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم البينات على أيدي الرسل، وتبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا، فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سنته في جميع الأمم 51.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] .

قال سيد قطب رحمه الله: «لقد انتهى بهم الإسراف وتجاوز الحد والظلم -وهو الشرك- إلى الهلاك، وهذه مصارعهم كانوا يرون بقيتها في الجزيرة العربية، في مساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط، وتلك القرون جاءتهم رسلهم بالبينات كما جاءكم رسولكم: {وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} لأنهم لم يسلكوا طريق الإيمان، وسلكوا طريق الطغيان فأبعدوا فيها، فلم يعودوا مهيئين للإيمان، فلقوا جزاء المجرمين {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} وإذ يعرض عليهم نهاية المجرمين الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فلم يؤمنوا، فحق عليهم العذاب، يذكرهم أنهم مستخلفون في مكان هؤلاء الغابرين، وأنهم مبتلون بهذا الاستخلاف ممتحنون فيما استخلفوا فيه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] » 52.

وقال تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25] .

{تُدَمِّرُ} أي: تخرّب {كُلَّ شَيْءٍ} من بلادهم ممّا من شأنه الخراب {بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي: بإذن اللّه لها في ذلك، كقوله: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 42] .

أي: كالشّيء البالي؛ ولهذا قال: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} أي: قد بادوا كلّهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقيةٌ {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} أي: هذا حكمنا فيمن كذّب رسلنا، وخالف أمرنا 53.

2.جزاء الظالمين.

جزاء الظالمين تربية عاجلة للوقوف أمام سعارات الظلم من الظالمين؛ لأن الحق لو تركها للآخرة لاستشرى الظلم، والذي لا يؤمن بالآخرة يصبح محترفًا للظلم 54.

قال تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] .

أي: إنّي أريد بما ذكرت من اتّقاء مقابلة الجناية بمثلها أن ترجع أنت إن فعلتها متلبّسًا {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي: إثم قتلك إيّاي، وإثمك الخاصّ بك، الّذي كان من شؤمه عدم قبول قربانك، وهذا التّفسير مأثورٌ عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه، وفي وجهٍ آخر وهو أنّه مبنيٌّ على كون القاتل يحمل في الآخرة إثم من قتله إن كان له آثامٌ؛ لأنّ الذّنوب والآثام الّتي فيها حقوقٌ للعباد، لا يغفر الله تعالى منها شيئًا حتّى يأخذ لكلّ ذي حقٍّ حقّه، وإنّما القصاص في الآخرة بالحسنات والسّيّئات، فيعطى المظلوم من حسنات الظّالم ما يساوي حقّه إن كان له حسناتٌ توازي ذلك، أو يحمل الظّالم من آثام المظلوم وأوزاره ما يوازي ذلك إن كان له آثامٌ أو أوزارٌ، وما نقص من هذا أو ذاك يستعاض عنه بما يوازيه من الجزاء في الجنّة أو النّار، وفي ذكر المتكلّم إثمه وإثم أخيه تواضعٌ وهضمٌ لنفسه بإضافة الإثم إليها على الوجه الثّاني، وتذكيرٌ للمخاطب بأنّه ليس له حسناتٌ توازي هذا الظّلم الّذي عزم عليه.

ولذلك رتّب عليه قوله: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} أي: تكون بما حملت من الإثمين من أهل النّار في الآخرة؛ لأنّك تكون ظالمًا، والنّار جزاء كلّ ظالمٍ، فتكون من أهلها حتمًا، ترقّى في صرفه عن عزمه من التّبرّؤ إليه من سبب حرمانه من قبول قربانه ببيان سبب التّقبّل عند الله تعالى وهو التّقوى، إلى تنزيه نفسه من جزائه على جنايته بمثلها، إلى تذكيره بما يجب من خوف الله تعالى ربّ العالمين الّذي لا يرضيه ممّن وهبهم العقل والاختيار إلّا أن يتحرّوا إقامة سننه في تربية العالم وإبلاغ كلّ حيٍّ يقبل الكمال إلى كماله، إلى تذكيره بأنّ المعتدي يحمل إثم نفسه، وإثم من اعتدى عليه بعدل الله تعالى في القصاص والجزاء إلى تذكيره بعذاب النّار وكونها مثوًى للظّالمين الفجّار 55.

وقال تعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 17] .

قال ابن كثير: «قوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} أي: فكانت عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له، وتصيّرهما إلى نار جهنّم خالدين فيها {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} أي: جزاء كلّ ظالمٍ» 56.

وقال السعدي: « {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا} أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .

{وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم، واللوم كل اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على طاعته عاصٍ على بصيرة لا عذر له» 57.

وقال تعالى: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [يوسف: 75] ، أي: هذه هي شريعتنا نحكمها في السارق، والسارق من الظالمين 58.

3.جزاء المفترين.

كل مفترٍ على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل، فإن له نصيبًا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا 59.

وتكرر في القرآن الكريم أنه لا أظلم ممن يفتري الكذب على الله عز وجل، نحو قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .

وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف: 7] .

وهذه الآيات وغيرها مما هي في معناها، وهو: أي ظلم أشنع من الافتراء على الله والتكذيب بآياته؟! 60.

والجواب: لا أظلم في أبواب الافتراء ومعانيها ممن افترى على الله الكذب.

وقال تعالى: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 138] .

هذا لون من الافتراءات قد فعلوه ونسبوه إلى أنه متلقّى من الله، ومأمور به منه سبحانه، ولو قالوا: إن هذه الأمور من عندهم لكان وقع الافتراء أقل حدة، لكنه افتراء شديد؛ لأنهم جاءوا بهذه الأشياء ونسبوها إلى الله، وهم قد انحلوا عن الدين وقالوا على بعض من سلوكهم إنه من الدين؛ ولذلك يجازيهم الله بما افتروا الجزاء الشّديد الأليم بسبب هذا الافتراء القبيح من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل والمنافع 61.

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .

قال ابن كثير: «قوله: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} نائلةٌ لكلٍّ من افترى بدعةً، فإنّ ذلّ البدعة ومخالفة الرّسالة متّصلةٌ من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصريّ: إنّ ذلّ البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات، وطقطقت بهم البراذين.

وهكذا روى أيّوب السّختياني عن أبي قلابة الجرمي أنّه قرأ هذه الآية: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} قال: هي واللّه لكلّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقال سفيان بن عيينة: كلّ صاحب بدعةٍ ذليلٌ» 62.

أي أن هذا الأمر ليس بخاصية لهم، فكل مفترٍ يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لا بد أن يناله هذا الجزاء؛ لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم؛ وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه يريد من وراء ذلك سبحانه أن يعتبر السامع للقصة في نفسه، واعتبار السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيهًا وتحذيرًا: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} أي: احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ما نالهم، وهو سبحانه ينبه كلًّا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة؛ فإنّ التاريخ مسرود لأخذ العبرة والعظة ليتعظ بها السامع 63.

وما تقدم أمثلة لمواطن من كتاب الله مما جاء فيها الجزاء السيئ في الدنيا وأهله وهناك غيرها، ومنها: جزاء البغاة 64، وجزاء المكذبين بآيات الله 65، وجزاء الكافرين 66.

ثالثًا: الحدود والكفارات والقصاص:

لو أننا تناولنا بالدراسة النظام العقابي في التشريع الإسلامي فلا مناص من أن نميز فيه مرتبتين مختلفتين: فهناك الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة، وهي التي تسمى بـ (الحدود) وهناك جزاءات أخرى تسمى (التعزيرات) وهي متروكة لتقدير القاضي.

فالمرتبة الأولى تتكفل بمجازاة عدد قليل من الجرائم، هي الحرابة والسرقة وشرب الخمر والزنا والقذف، أما الجرائم الأخرى فتتبع المرتبة الثانية.

صحيح أن لأصحاب الحق ألا يلاحقوا المجرم أمام القضاء، سواء بأن يعفوا عن عمله العدواني عفوًا تامًّا، أو بأن يصطلحوا متراضين معه، وحينئذٍ لا يكون للجزاء الشرعي مجال.

ولكن متى صارت الجريمة عامة، أعني متى اتصلت بعلم السلطة المختصة، فإن أصحاب الحق يكونون بذلك قد تنازلوا عن حقهم، وبذلك يصبح الجزاء في هذه الحالة ألبتة من شأن الصالح العام، ويجب أن يطبق بلا هوادة أو رأفة.

إن الصرامة في هذا الصدد لا تجعل مجالًا أمام أي تنازل أو حل وسط، ولا شك أننا نعرف قصة السرقة التي ارتكبتها امرأة تنتمي إلى طبقة الأشراف العربية، والتي أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبتها، وفي كلمات بلغت غاية القوة مبدأ مساواة الجميع أمام الشرع، فحين تشفع لديه في هذا لموضوع واحد من خيرة أصحابه، قام وخطب في الناس هذه الخطبة القصيرة: (أيها الناس، إنما أضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) 67.

وهذه حالة أخرى تزيدنا علمًا: ذلك أن صفوان بن أمية حين أجاب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي أمر به المسلمين المضطهدين خارج المدينة أن يجيئوا ليستقروا في هذه العاصمة الإسلامية، وقيل له: إنه إن لم يهاجر هلك، غادر مكة، مسقط رأسه، وجاء ليستقر بجوار قائده الروحي، وما كاد يصل حتى رغب في أن يستريح في المسجد هنيهة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فهلا قبل أن تأتيني به) 68.

وهكذا نجد أن العفو عن هذا النوع من الأخطاء غير صحيح إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى علمت السلطة العامة بالجريمة يصبح تطبيق الجزاء (الحد) أمرًا جازمًا لا رجعة فيه، وقد ورد بذلك نص آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله: (تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) 69.

فالسرقة -إذن- تحتم في الشريعة الإسلامية قطع يد السارق، بنص القرآن: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .

والحرابة عقوبتها إما الموت وإما تقطيع الأيدي والأرجل وإما النفي: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33] .

والعقوبة المنصوص عليها في القرآن للزاني هي مائة جلدة: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] .

ولكن يجب أن نضيف إلى هذه العقوبة تبعًا للأحاديث: «تغريب عام» .

وعلى أية حال فإن عقوبة الموت يجب أن تستبعد من هذا المجال إذا ما التزمنا حرفية النص القرآني الذي ذكرناه آنفًا، والذي لا يفرق بين المحصن وغير المحصن، أي: بين البكر والمتزوج، ولكن المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته قد أثبت هذا الفرق، وبمقتضاه يستحق الأشخاص المحصنون الذين تثبت عليهم جريمة الزنا عقوبة الموت كأشنع ما يكون.

ولنذكر أن تعبير القرآن -مع ذلك- يبدو أنه يفتح الباب لهذا الإجراء على أنه غاية التطور التشريعي في هذا الموضوع، والواقع أن الجزاء المنصوص في القرآن بالنسبة إلى النسوة الزانيات كان في البداية الحبس: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15] .

وبدلًا من أن يفرض هذه السبيل جاء النص النبوي اللاحق وهو قوله صلى الله عليه وسلم مبينًا لها: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة) 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت