فهرس الكتاب

الصفحة 1342 من 2431

شعيب عليه السلام

أولًا: اسمه ونسبه:

هو نبي الله شعيب عليه السلام، وشعيب تصغير شعب أو شعب بكسر الشين وفتحها 1.

وقيل: هو اسم مرتجل، وهو ابن نويلى أو نويب بن رعويل بن عيفا بن مدين: ومدين هو ابن إبراهيم عليه السلام 2.

وقد اختلف المفسرون في الذي زوج ابنته موسى عليه السلام، فبينما يرى جمع أنه ليس هو شعيب النبي، ويجزم ابن عاشور بأنه هو، وأن موسى قد تزوج ابنته المسماة صفوره 3.

وإلى مثله ذهب الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال:(أرسل الله تعالى رسوله شعيبا إلى مدين، ثم استشهد بقوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص: 23] .

وقال: وهم أصحاب الأيكة، فدعاهم شعيب عليه السلام إلى عبادة الله وحده) 4.

وهذا فيه نظر؛ فإن موسى قد جاء بعد شعيب عليهما السلام بعشرات السنين 5.

وقد فصل الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة في رسالة خاصة بقصة شعيب عليه السلام، فبعد أن نقل الأقوال عن كتب التفسير وغيرها قال: فهذه كتب التفسير التي تروي بالأسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يذكر فيها عن أحد أنه شعيب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقلوا بالأسانيد الثابتة عن الحسن البصري أنه قال: يقولون: إنه شعيب، وليس بشعيب، ولكنه سيد الماء يومئذٍ 6.

فالحسن يذكر أنه شعيب عمن لا يعرف، ويرد عليهم ذلك، ويقول: ليس هو شعيب، وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب فلا يلتفت إلى قوله؛ فإنه ينقل الغث والسمين 7.

فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال: ما ليس له به علم وما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري، مع مخالفته أيضًا لأهل الكتابين، فإنهم متفقون على أنه ليس هو شعيب النبي، فإن ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه يثرون، وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة.

وقد ذكر غير واحد من العلماء أن شعيبًا كان عربيًا، بل قد روي عن أبي ذر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو حاتم وغيره: (أن شعيبًا كان عربيًا، وكذلك هود وصالح) 8.

وموسى كان عبرانيًا، فلم يكن يعرف لسانه، وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان 9.

وذكر القرطبي أن اسم شعيب بالسريانية بيروت، ونقل أقوالا في نسبه، واختلافًا في اسم أبيه، وكذا فعل الشوكاني وغيرهما من المفسرين، ولسنا بحاجة إلى الوقوف عند هذا طويلًا، مع أن الكثيرين عدوه من ولد مدين بن إبراهيم عليهم السلام 10.

وبعد أن نقل رشيد رضا رحمه الله تعالى ما في الأسفار من أقوال في اسمه ونسبه قال: وأما علماؤنا فقال بعضهم كأبي عبيدة من حملة اللغة والبخارى من المحدثين والمؤرخين: إن مدين بلدٌ 11.

وإن قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ} فيه حذف المضاف: إلى أهل مدين، وهو غلطٌ. وأما شعيبٌ فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام 12.

وقيل: إن جده يشجر بن لاوى بن يعقوب عليهم السلام، وقال الحافظ في الفتح: هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوى بن يعقوب. كذا قال ابن إسحاق، ولا يثبت.

وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين، وكان مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق.

وروى ابن حبان في حديث أبي ذرٍ الطويل: «أربعةٌ من العرب: هودٌ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ» . فعلى هذا هو من العرب الخلص 13.

ولا يترتب على هذا الخلاف كبير فائدة ولا عظيم أهمية، إذ لا تأثير لذلك على ما نحن بصدده من بيان هدايات هذه القصة.

وذكر بعض المفسرين في وصفه بالضعف في قوله تعالى حكاية عن قومه: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} [هود: 91] : أنه كان ضرير البصر أعمى، أو أنه كان ناحل البدن، قال ابن عطية بعد أن نقل قول من قال بذلك: وهذا كله ضعيف، ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه، والظاهر من قولهم: {ضَعِيفًا} أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه 14.

وقد كان شعيب عليه السلام من المرسلين المؤيدين بالمعجزة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) 15.

واختلف في معجزته؛ لأن الله تعالى لم يذكرها صراحة، لكنه قال على لسانه: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 85] .

فما هي هذه البينة؟ الظاهر أنها معجزة قامت بها الحجة عليهم لم يذكرها القرآن الكريم، كما أنه لم يذكر معجزة هود ونوح عليهم السلام.

ونبي الله شعيب هو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذلك في حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن محمد بن إسحاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة ـ إذا ذكر شعيبا قال: (ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، فيما يرادهم به) 16.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: كان شعيب عليه الصلاة والسلام خطيب الأنبياء 17.

وهذه فضيلة مهمة لسيدنا شعيب عليه السلام، لاسيما في باب النصح الذي اتسمت به دعوته، ولا يخفى ما للخطيب المفوه من قدرة على إقناع المستمعين، وإقامة الحجة على المعاندين، بحيث لا يجدون فكاكا عن أحد الأمرين، إما الإيمان به وإجابته، وإما إلزامهم بصدق دعوته.

ثانيًا: قوم شعيب:

نجد في قصة شعيب عليه السلام التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم ذكر أهل مدين وأصحاب الأيكة، وذلك في قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85] .

وقوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) } [الشعراء: 176 - 177] .

ونظرائها من الآيات.

فهل أهل مدين هم أصحاب الأيكة، أم هما قومان، وأن شعيبا عليه السلام قد أرسل إليهما؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين، فمنهم من يرى الأول، ومنهم من يرى الثاني، ولكل دليله على ما ذهب إليه، وسنختصر القول في ذلك، إذ لا يترتب على هذا الخلاف كبير ثمرة في ما نحن بصدده من عرض قصة شعيب عليه السلام، وبيان دعوته وأمانته في تبليغ رسالة ربه، فهو قد صدق في النصح لقومه سواء كانوا أمة واحدة أم أمتين مختلفتين، فنقول:

ذهب الإمام الطبري إلى أنهما أمتان، وأن شعيبا أرسل إليهما، فكفرتا، فعذبهما الله تعالى بعذابين مختلفين، أهل مدين بالصيحة، وأصحاب الأيكة بالظلة 18، كذا نقله ابن عطية عن الطبري وسكت عنه، فكأنه ارتضاه 19.

ويستفاد من كلام الرازي أنه يقول بذلك، فإنه بعد أن بين أن الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر: 79] يعود إلى أصحاب مدين والأيكة، لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما، قال: فإن قيل: هلا قال: أخوهم شعيب، كما في سائر المواضع؟ جوابه: إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة 20.

وقال في تفسير سورة الشعراء: وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة 21.

وبعد أن بين الألوسي معنى الأيكة وأنها الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، قال: وهي غيضة من ساحل البحر إلى مدين يسكنها طائفة، وكانوا ممن بعث إليهم شعيب عليه السلام، وكان أجنبيا منهم، ولذلك قيل {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ} ولم يقل أخوهم، وقيل: الأيكة الشجر الملتف، وكان شجرهم الدوم، وهو المقل، وعلى القولين أصحاب الأيكة غير أهل مدين، ومن غريب النقل عن ابن عباس أنهم هم أصحاب مدين 22.

وانتصر لهذا ابن عاشور فبعد أن نقل بعض أقوال العلماء في ذلك قال: «والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين، فإن مدين هم أهل نسب شعيب، وهم ذرية مدين بن إبراهيم من زوجه (قطورة) ، سكن مدين في شرق بلد الخليل، كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلدا مأهولا بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة، فبنى مدين وبنوه المدينة، وتركوا البادية لأهلها، وهم سكان الغيضة» 23.

وذكر الدكتور أحمد الكبيسي تحت عنوان رسالة جديدة: «إن الله بعد أن أهلك مدين ونجا شعيبا عليه السلام أرسله مرة أخرى إلى أصحاب الأيكة، وكان غريبا عنهم، لذا لم يقل تعالى، أخوهم شعيب، وكانت أخلاقهم كأخلاق أهل مدين من تطفيف المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم، والإفساد في الأرض» 24.

ويستفاد من كلام الشوكاني أنهما أمة واحدة، حيث قال في تفسير سورة الحجر: وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وقد تقدم خبرهم، واقتصر الله سبحانه على وصفهم بالظلم، وقد فصل ذلك الظلم فيما سبق، ثم قال في عود الضمير {وَإِنَّهُمَا} بعد أن ذكر قول الجمهور أنه يعود على قوم لوط وأصحاب الأيكة، وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأن شعيبا كان ينسب إليهما 25.

وأيد هذا الدكتور صلاح الخالدي حيث قال: فالراجح أن شعيبا عليه السلام بعث إلى أهل مدين، ومدين هم أنفسهم أصحاب الأيكة، وأن الله دمر مدين أصحاب الأيكة بعذاب واحد، هو الرجفة والصيحة والظلة 26.

ثم أيد ما ذهب إليه بالتفصيل الذي ذكره الحافظ ابن كثير، وخلص منه إلى أنهما أمة واحدة، وأنها أهلكت بأنواع من العذاب 27.

ومما قال ابن كثير: وإنما لم يقل ههنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا، ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا عليه السلام بعثه الله إلى أمتين 28.

أقول: ولعل هذا هو الراجح في هذه المسألة، ويمكن أن نفصل ذلك بأنهما أمة واحدة غير أن بعضا منهم - وهم أهل مدين - كانوا يسكنون المدينة، وأن بعضا آخر - وهم أصحاب الأيكة - كانوا يسكنون الغيضة، ومما يرجح أنهما أمة واحدة أن الله تعالى قد ذكر عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين ـ كما يقول ابن كثير ـ من التطفيف في المكيال والميزان 29.

فنقرأ في سورة الأعراف قوله تعالى في نصيحة أهل مدين: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 85] .

وقوله تعالى في سورة الشعراء في نصيحة أصحاب الأيكة: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) } [الشعراء: 181 - 183] .

ومما يدل على أن أهل مدين هم أصحاب الأيكة: ما أخرجه الحاكم عن وهب بن منبهٍ قال: إن الله بعث شعيبًا إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة، فكانت الأيكة من الشجر الملتف، وكانوا أهل كفرٍ بالله وبخسٍ للناس في المكاييل والموازين، وإفسادٍ لأموالهم، وكان الله تعالى وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش؛ استدراجًا منه لهم مع كفرهم به، فقال لهم شعيبٌ: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} فكان من قول شعيبٍ لقومه وجواب قومه له ما قد ذكر الله في كتابه.30

ونكتفي بهذا القدر فكما قلنا: إن الذي يهمنا هنا هو ما نستخلصه من الدروس والعبر والعظات من قصة شعيب عليه السلام وصدقه في نصح قومه، وذلك يتأتى من كونه عليه السلام مرسلا إلى أمة واحدة أو إلى أمتين، إذ الصدق والإخلاص حاصل في هذا وفي ذاك. والله تعالى أعلم.

[انظر: مدين: التعريف بمدين]

ورد ذكر (شعيب) عليه السلام في القرآن الكريم (11) مرة في (4) سور.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

الأعراف ... 85 - 93

هود ... 84 - 95

الشعراء ... 177 - 191

العنكبوت ... 36 - 37

المعجزة كما عرفها العلماء: أمر خارق للعادة سالم من المعارضة، يجريه الله تعالى على يد نبي من أنبيائه على سبيل التحدي 31.

وهي بمثابة قول الله تعالى: صدق عبدي فيما يبلغ عني.

وما من نبي من أنبياء الله تعالى إلا أيده الله تعالى بمعجزة، تظهر صدقه وتدل على نبوته، كما تقدم في قول النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر) الحديث 32.

ولكنا وجدنا أن الله تبارك وتعالى قد قص علينا نبأ بعض الأنبياء عليهم السلام، ولم يذكر لنا معجزاتهم، من مثل: نوح وهود وشعيب عليهم السلام، والذي يهمنا أن نقف عنده في هذا البحث هو شعيب عليه السلام، فهل له معجزة؟ وما هي؟

لم نقرأ في قصته التي حكاها الله تعالى في كتابه الكريم على شيء من ذلك إلا قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 85] .

فهل هذه البينة هي المعجزة؟ أم له معجزة لم يخبرنا الله تعالى بها؟

من العلماء من يرى أن البينة المذكورة هي المعجزة، ومن هؤلاء الإمام الكسائي فيما نقله القرطبي عنه 33، وابن عطية حيث قال: (والبينة إشارة إلى معجزته، وإن كنا نحن لم ينص لنا عليها) 34.

وبذلك جزم الرازي حيث قال رحمه الله تعالى: (ويجب أن يكون المراد من البينة ههنا المعجزة، لأنه لا بد لمدعي النبوة منها، وإلا لكان متنبئًا لا نبيًّا) 35.

بينما ذهب القرطبي ـ بعد ما نقل عن الكسائي ما تقدم ـ إلى أن الله تعالى لم يذكر له معجزة في القرآن.

وأما الطبري فيرى أن البينة علامة دالة على صدقه حيث قال: «يقول: قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول، وصدق ما أدعوكم إليه» 36.

وإلى نحو هذا ذهب ابن عاشور، فذكر أنها حجة أقامها على بطلان ما هم عليه من الشرك وسوء الفعل، وعجزوا عن مجادلته فيها فقامت عليهم الحجة، فهي علامة على صدق شعيب عليه السلام 37.

وللإمام الألوسي تفصيل في ذلك، فقد فسر البينة بالمعجزة، حيث قال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} : أي: معجزة عظيمة ظاهرة من مالك أموركم، وقال: ولم تذكر معجزته عليه السلام في القرآن العظيم كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام فيه، ثم بين غلط من ذهب إلى أن شعيبا لم تكن له معجزة وعلل ذلك بأن الفاء في قوله سبحانه: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} لترتيب الأمر على مجيء البينة، وقال: واحتمال كونها عاطفة على (اعبدوا) بعيد، وإن كانت عبادة الله تعالى موجبة للاجتناب عن المناهي التي معظمها بعد الكفر البخس، فكأنه قيل: قد جاءتكم معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بها والأخذ بما أمرتكم به، فأوفوا .. إلخ.

ودلل على ذلك بأنه لو ادعى مدع النبوة بغير معجزة لم تقبل منه، لأنها دعوى أمر غير ظاهر، وفيه إلزام للغير، ومثل ذلك لا يقبل من غير بينة، وقال: ومن الناس من زعم أن البينة نفس شعيب. ومنهم من زعم أن المراد بالبينة: الموعظة، وأنها نفس {فَأَوْفُوا} إلخ، وليس بشيء كما لا يخفى 38.

وقال القاسمي: «ولا يخفى أن البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة؛ لأن حقيقة البينة كل ما بين الحق فاحفظه» 39.

وسكت عن هذا الدكتور فضل عباس حيث قال: «فقد جاءتهم المعجزة الدالة على صدقه عليه السلام، والقرآن لم يبين لنا نوع هذه الآية التي جاءتهم، فنسكت عما سكت عنه» 40.

وإلى مثله ذهب الدكتور عبدالكريم زيدان وقال: «وإن كنا جازمين بأن الله تعالى قد أيده بآية هي البينة التي دلت على أنه رسول من رب العالمين، وبها قامت الحجة على قومه» 41.

وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) الحديث، وقد سبق الاستدلال به 42.

والدكتور الخالدي فقد اكتفى بقوله: « {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} المراد بالبينة هنا الآية والدليل والبرهان، على أن شعيبا عليه السلام هو رسول الله إليهم، وأنه يجب عليهم اتباعه» 43.

وقد ورد في القرآن الكريم ذكر المعجزة بعد ذكر البينة، كما في قوله تعالى في قصة صالح عليه السلام: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: 73] .

وفي قصة موسى عليه السلام: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) } إلى أن قال: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) } [الأعراف: 105 - 107] .

أقول: ولعل الراجح في هذه المسألة، قول من قال: إن في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} إشارة إلى معجزة شعيب عليه السلام، وأنها كانت آية ظاهرة لا لبس فيها و لا غموض، دالة بلا امتراء على صدق من جاء بها، والأولى أن نسكت عن الجزم بها؛ لأن الله تعالى سكت عن ذكرها، ولم يكشف عنها في كتابه الكريم، فنجزم أن شعيبا عليه السلام قد أيده الله تعالى بمعجزة، والله تعالى أعلم بها.

وأما من قال: إن الحجة قامت عليهم بمجرد عجزهم عن مجادلته ففيه نظر، إذ لو كان ذلك كافيا في إثبات نبوته، لثبتت نبوة كثيرين، فكم من صاحب دعوى يعجز الآخرون عن مقارعة حجته!! والله تعالى أدرى بأسرار كلامه.

أولًا: آفاق النصيحة في القرآن الكريم:

لا يخفى أن الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .

ولما علم سبحانه وتعالى أن أمور الخلق لا تستقيم، وأن تلك العبادة لا تتحقق بدون أن يكون هناك تعليم منه وإرشاد، أرسل الرسل وأنزل الكتب، وبذلك قامت حجة الله على عباده.

ولفظ النصح ومشتقاته من الألفاظ الدائرة في الكتاب العزيز، فقد ورد على ألسنة جمع من خلق الله تعالى، من ذلك إحدى عشرة آية جاءت على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مما يدل على أهمية النصيحة في حياة كل أمة.

وقد كان من أولى مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام أن ينصحوا أممهم، ويدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، وقد ساروا جميعا في هذا الطريق غير مبالين بما أصابهم في سبيل ذلك من نكبات، وما اعترضهم من عقبات، مبلغين رسالات ربهم على أتم وجه وأكمله، حتى ختمت تلك الرسالات بمسك الختام، سيدنا ونبينا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام، ذلك النبي الخاتم الذي جاء بالكتاب العظيم الخاتم، (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم) 44.

وقد حكى الله تعالى لنا فيه نصح الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فمن ذلك ما حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام في نصح قومه: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) } [الأعراف: 62] .

ومثله قول هود لقومه: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) } [الأعراف: 68] .

وقول صالح: {يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} [الأعراف: 79] .

وقول شعيب: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف: 93] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت