فهرس الكتاب

الصفحة 2034 من 2431

قال تعالى على لسان فرعون: {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف 123] .

وهذه الآية تقرر أن المكر هو وسيلة لإخراج أهل المدينة منها، ولكن هذا زعم وافتراء من فرعون على نبي الله موسى عليه السلام.

وقال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30] .

والمكر في هذه الآية من كفار قريش لأجل أن يسجنوا النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقتلوه، أو يخرجوه من بلده مكة، وهذا هو غاية الصد عن سبيل الله؛ ولذلك رتب الله الصد على المكر في آية الرعد.

قال تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} [الرعد 33] .

فزين الشيطان لهم المكر وزين لهم أن يصدوا عن سبيل الله مما يؤكد أن المكر طريق من طرق الصد، وأداة من أدواته، ووسيلة فاعلة من وسائله.

بين القرآن الكريم عاقبة المكر والماكرين وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: عواقب المكر في الدنيا:

أخبر الله سبحانه وتعالى أن عاقية الماكرين بالحق وأهله الخزي والهلاك والدمار في الدنيا قبل الآخرة، فقال تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَہ) [النمل 51] .

فقوله: فَانْظُرْ) أي: ففكر كيف آل أمرهم؟! وكيف كانت عاقبة مكرهم؟! فقد أهلكناهم وقومهم الذين لم يؤمنوا على وجهٍ يقتضي النظر، ويسترعي الاعتبار، ويكون عظة لمن غدر كغدرهم في جميع الأزمان 61.

والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من كان أهلًا للنظر والاعتبار، وفي هذا النظر إلى مكر هؤلاء الرهط، وإلى ما أعقب هذا المكر، وما نزل بهم من نقم الله، وما حل بهم وبقومهم جميعًا من هلاك لهم، وتدمير لديارهم! يورث الخوف من الوقوع فيما وقعوا فيه.

وهكذا يصيب الشر أهله، ثم يمتد فيشمل من كان معهم ممن لم يشاركوا في هذا الشر، ولكنهم لم يتصدوا للأشرار، ولم يأخذوا على أيديهم، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال 25] .

ويقول سبحانه: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ?16?) [الإسراء 16] .

وهكذا أرادوا الهلاك لصالح عليه السلام وأهله فأهلكهم الله، وأهلك أهلهم جميعًا، فقال تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [النمل 52] 62.

فالاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سوق القصة تعريضًا بأن عاقبة أمره مع قريش أن يكف عنه كيدهم وينصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه، والنظر: نظر قلبي، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام، فتكون الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لما يثيره الاستفهام في قوله: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ) [النمل 51] .

من سؤال عن هذه الكيفية، والتأكيد للاهتمام بالخبر 63.

فالذين كانوا يمكرون السيئات لمقاومة إصلاح الرسل حرصًا على رياستهم وفسقهم وفسادهم لم يكونوا يشعرون بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم؛ لجهلهم بسنن الله تعالى في خلقه، وهم جديرون بهذا الجهل، وأما أكابر المجرمين في هذا العصر فهم لا يعذرون بالجهل بعد هذا الإرشاد 64.

وقد مكر الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية بأنبيائهم كعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط، واستنفدوا جهدهم وطاقتهم في إطفاء نور الحق، أو لم يعلموا أن لله وحده المكر جميعًا، وقد أبى الله إلا إتمام نوره، ولو كره الكافرون، والله وحده يعلم ما تكسب كل نفس في كل حركة تتحركها، وسيعلم الكفار -يوم لا يغني عنهم ذلك شيئًا- لمن عقبى الدار؟! وفي هذا سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يعلم أن ديدن الناس قديمًا مع إخوانه الرسل، وحديثًا معه لم يتغير ولم يتبدل، وفي هذا تقوية لعزمه ببيان أن النصر في النهاية له، وأن الدائرة على الكفار 65.

يقول سيد قطب رحمه الله: «كذلك دبروا، وكذلك مكروا، ولكن الله كان بالمرصاد، يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم، ويطلع على مكرهم، وهم لا يشعرون (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [النمل 50] .

وأين مكر من مكر؟ وأين تدبير من تدبير؟ وأين قوة من قوة؟ وكم ذا يخطئ الجبارون، وينخدعون بما يملكون من قوة ومن حيلة، ويغفلون عن العين التي ترى ولا تغفل، والقوة التي تملك الأمر كله، وتباغتهم من حيث لا يشعرون (ں فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ?51?فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ?52?) [النمل 51 - 52] .

ومن لمحة إلى لمحة إذا التدمير والهلاك، وإذا الدور الخاوية، والبيوت الخالية، وقد كانوا منذ لحظة واحدة في الآية السابقة من السورة يدبرون ويمكرون، ويحسبون أنهم قادرون على تحقيق ما يمكرون! وهذه السرعة في عرض هذه الصفحة بعد هذه مقصودة في السياق؛ لتظهر المباغتة الحاسمة القاضية، مباغتة القدرة التي لا تغلب للمخدوعين بقوتهم ومباغتة التدبير الذي لا يخيب للماكرين المستعزين بمكرهم 66.

والمقصود أن عاقبة المكر الهلاك؛ ولهذا قال الله: (ں فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل 51] .

أي: فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر الغادرين، ومكر الماكرين، كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلق، فحذر قومك من قريش أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال هؤلاء من المثلات، إنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فلم نبق منهم أحدًا.

إن الله تعالى يدافع عن المظلوم، ويدفع عنه ظلم ظالمه، وخداع مخادعه، ومكر ماكره، خاصة حينما يلجأ إليه، ويستعين به، ويتحصن بحصونه وقواه ومعوناته، ويبدأ في اتخاذ أسباب دفع المكر والظلم عنه ما استطاع، يدفعه عز وجل سريعًا عند بدئه، وقبل أن يمسه! فيضعف تأثيره أو ينعدم، على قدر لجوئه لربه، واستخدامه للأسباب الممكنة المتاحة أمامه.

يقول الله تعالى تأكيدًا لهذا: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ?) [يونس 21] .

يقول البغوي في تفسيره: «عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق» 67.

ويقول العز بن عبد السلام في تفسيره لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ?) [الحج 38] .

يدفع الكفار عن المؤمنين، والعصاة عن المطيعين، والجهال عن العلماء، أو يدفع عنهم وساوس الشيطان، أو يدفع بنور السنة ظلمات البدعة» 68.

ويضيف الإمام ابن عادل في تفسيره اللباب: لم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم» 69.

قال سيد قطب رحمه الله: «فالله أقدر على التدبير بإبطال ما يمكرون، ومكرهم مكشوفٌ لديه ومعروف، والمكر المكشوف إبطاله مضمون (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ فلا شيء منه يخفى، ولا شيء منه ينسى» 70.

فمكر الماكر، وخداع المخادع، والتواء الملتوي، وظلم الظالم، وشر الشرير يعود مكره وخداعه والتوائه وظلمه وشره على فاعله أولًا أكثر من غيره!

فإذا كان الماكرون يمكرون فهو سبحانه له أيضًا مكره! (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال 30] .

وعلى كل مظلوم أن يوقن بذلك الوعد من ربه، وأن له ناصرًا هو خالقه سبحانه وتعالى، وهو على أعلى مستوىً من فنون النصر والمكر بشتي صوره، والتي لا تقارن بخلقه، ولا تخطر ببالهم! وشتان ما بين المكرين!

يقول إسماعيل حقي في تفسيره للآية السابقة: إن للخلق مكرًا، وللحق مكرًا، فمكر الخلق من الحيرة والعجز، ومكر الخالق من الحكمة والقدرة، فمكر الخلق مع مكر الحق باطل زاهق، ومكر الحق حق ثابت 71.

وذلك مهما كان سوء وشدة وإحكام مكر الماكرين (. وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم 46] .

فهو نسبةً لمكر المنتقم الجبار أوهن من بيت العنكبوت (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ? لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت 41] .

إنه تعالى لا يدفع فقط عن المظلوم، وإنما لا بد من أن ينصره! كما وعد في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر 51] .

قال القرطبي في تفسيره: «هو عام، نصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها، بالانتقام من أعدائهم» 72.

ويقول الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم 47] .

قال الرازي في تفسيره: «وفي قوله تعالى: وَكَانَ حَقًّا) وجهان:

أحدهما: فانتقمنا، وكان الانتقام حقًّا، واستأنف وقال: عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وعلى هذا يكون هذا بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: علينا نصركم أيها المؤمنون.

والوجه الثاني: وكان الانتقام حقًّا أي: نصر المؤمنين كان حقًّا علينا، وعلى الأول لطيفة، وعلى الآخر أخرى، أما على الأول فهو أنه لما قال (ہفَانْتَقَمْنَا) بين أنه لم يكن ظلمًا، وإنما كان عدلًا حقًّا؛ وذلك لأن الانتقام لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير مفيد إلا زيادة الإثم وولادة الكافر الفاجر، وكان عدمهم خيرًا من وجودهم الخبيث، وعلى الثاني تأكيد البشارة؛ لأن كلمة (على) تفيد معنى اللزوم، يقال: على فلان كذا ينبئ عن اللزوم، فإذا قال: حقًّا أكد ذلك المعنى، وقد ذكرنا أن النصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة» 73.

والمتأمل في سيرة الإسلام وأهله يجد أن الماكرين قد حاولوا كثيرًا المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين سابقًا ولاحقًا، فانقلب المكر والظلم عليهم، وفي نحورهم، وتساقطوا وهلكوا وتعسوا، بينما انتصر الذين تمسكوا بربهم وإسلامهم وارتفعوا وارتقوا وسعدوا.

يقول تعالى مؤكدًا هذا: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ? وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ? وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا) [الأحزاب 25] .

وفسره الإمام ابن عجيبة في تفسيره البحر المديد بقوله: «هذه عادة الله مع خواصه، يجعل دائرة السوء على من ناوأهم، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره، والله غالب على أمره» 74.

فكن أيها المسلم على يقين من نصر الله لأوليائه، وانتظر حينئذ ٍعون ربك ونصره، واستبشر بسرعة مكره بأعدائه إن لم ينتهوا عن مكرهم، ويعودوا لرشدهم، مهما كانت ضخامة مكرهم؛ فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، (فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) [النحل 46] .

ومهما ينفقون من جهود وأموال وأفكار سيعود وباله عليهم حسرة وخسرانًا وانهزامًا (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) [الأنفال 36] .

والمقصود أن الله وعد بنصر أوليائه، وإبطال مكر أعدائهم، ووعده الحق الأكيد الذي لا يمكن لأحدٍ منعه أو تبديله أو تغييره، كما يقول تعالى: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ? وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ? فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ? فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ? وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر 43] .

قال النيسابوري في تفسيره لهذه الآية: «عاقبة الماكر وخيمة، يصل إليه جزاؤه عاجلًا أو آجلًا» 75.

وقال السعدي: «فعاد مكرهم في نحورهم، ورد الله كيدهم في صدورهم، فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة الله في الأولين التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فليترقب هؤلاء ما فعل بأولئك» 76.

خسر من أمن مكر الله، وجهل بقدرته، وسرعة مكره وتدبيره، وقد أنذر سبحانه وتعالى الجاحدين بآياته، المكذبين لرسله، الماكرين بالخلق، الصارفين لهم عن اتباع الحق، بأنهم ليسوا بمأمن من مكر الله، وضرب لهم أمثلة على ما سيحل بهم إن استمروا على ضلالهم، فقال تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ?97?أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ?98?أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ? فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ?99?) [الأعراف 97 - 99] .

وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» 77.

فهذه أمثلة على أساليب الله في المكر بأعدائه، فالله قادر على أن يخسف بهم الارض «كما خسف بقارون من قبلهم، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، يعني: إن العذاب يأتيهم بغتة، فيهلكهم فجأة، كما أهلك قوم لوط وغيرهم (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ) بمعنى: في تصرفهم في الأسفار، فإنه سبحانه وتعالى قادر على إهلاكهم في السفر، كما هو قادر على إهلاكهم في الحضر» 78.

«وكان ذكر وقت البيات ووقت اللعب تهديدًا لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله؛ إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكايةً بهم» 79.

وقال تعالى: (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ? فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ?17?ڑ) [الملك 17] .

أي: أن يمطر عليكم حصباء من السماء، فستعلمون كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ 80.

وهذه العقوبات حلت بمستحقيها دون أن يتوقعوها، أو يشعروا بها قبل وقوعها، فلم يسبقهم بها أحد من قبل.

قال الطبري في قوله تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [النمل 50] : فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيلنا العذاب لهم (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بمكرنا، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرة، أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غرة وغفلة 81.

منذ بزغ الإسلام بنوره والماكرون يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس لإطفاء نور الله، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، ويأبى الله إلا أن يفضح أهل المكر والغدر؛ ولهذا تولى الله فضح مكر الماكرين، وكيد الكائدين، وعرى حالهم، وكشف أمرهم، وفضح مخازيهم، وأظهر قبائحهم؛ قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد 29] .

وقال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف 152] .

أي: ومثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي المفترين على الله في كل زمان؛ إذ فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء 82.

«ولقد كان ما صنعه الله بالمنافقين في عهد الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وفي فضح من فضح منهم- حماية للمجتمع الإسلامي الأول من هذا الداء الخبيث، ووقاية للمؤمنين من أن يطوف بهم طائف منه، حتى لقد كان صحابة رسول الله -وهم من هم- يضعون أنفسهم تحت مراقبة دقيقة منهم لكل خاطرة تخطر لهم، ولكل وسواس يطوف بهم 83.

ولهذا يوصي القرآن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي وصية لكل داعية من بعده ألا يأخذه الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال، وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته، لا يبتغي من ورائها شيئًا لنفسه، ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل 128] .

ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون، هذا هو دستور الدعوة إلى الله كما رسمه الله، والنصر مرهون باتباعه، كما وعد الله، ومن أصدق من الله؟» 84.

وقد أخبر الله في كتابه أن الماكرين بالحق وأهله مهما يمكرون من مكر، ويكيدون من كيد، فإن الله يجعل وبال ذلك عليهم، بإهلاكهم، وإزالة سلطانهم، فقال تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل 26] .

أي: إن حال من قبلهم وقد دبروا الحيل، ونصبوا الحبائل ليمكروا بها رسل الله، فأبطلها الله، وجعلها سبيلًا لهلاكهم، كحال قوم بنوا بنيانًا، وعمدوه بالأساطين، فضعضعت أساطينه، وسقط عليهم السقف، فهلكوا تحته من حيث لا يشعرون بسقوطه- فما نصبوه من الأساطين، وظنوه سبب القوة والتحصين في البنيان صار سبب الهلاك، كذلك هؤلاء كانت عاقبة مكرهم وبالًا عليهم، ونحو الآية قولهم في المثل: من حفر لأخيه جبًّا، وقع فيه منكبًّا، وخلاصة ذلك- إن الله أحبط أعمالهم، وجعلها وبالًا عليهم، ونقمة لهم 85.

وهذا التعبير القرآني في غاية الروعة؛ إذ صور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف، إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامته، ولكن هذا كله لم يقف أمام قوة الله وتدبيره: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل 26] .

وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل، يطبق عليهم من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، فالقواعد التي تحمل البناء تتحطم وتتهدم من أساسها، والسقف يخر عليهم من فوقهم، فيطبق عليهم ويدفنهم.

{وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل 26] .

فإذا البناء الذي بنوه وأحكموه واعتمدوا على الاحتماء فيه إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وهو الذي اتخذوه للحماية، ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته! إنه مشهد كامل للدمار والهلاك وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله، ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط!

وهو مشهد مكرر في الزمان قبل قريش وبعدها، ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون، وبين الحين والحين يتلفت الناس فيذكرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل 26] 86.

والمقصود أن الله يمكر بأهل المكر، ويفضحهم، وليس ذلك في الدنيا فحسب، بل يفضحهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة؛ ولهذا قال الله بعد ذلك: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} [النحل 27] .

أي: يفضحهم على رءوس الأشهاد، ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات 9 - 10] .

أي: أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق 9] 87.

ثانيًا: عواقب المكر في الآخرة:

أخبر الله سبحانه وتعالى أن عاقبة المكر سوء العذاب يوم القيامة، فقال مخبرًا عما حل بفرعون وجنوده جزاء مكرهم: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ? وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ?45?) [غافر 45] .

والضمير: في (فوقاه) يحتمل أن يعود على موسى عليه السلام، ويحتمل أن يعود على مؤمن آل فرعون، وقال قائلو ذلك: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى عليه السلام في البحر، وفر في جملة من فر معه من المتبعين 88.

فعندما قال هذه الأقوال، ونصح هذه النصيحة، وأعلن إيمانه، وتحدى فرعون، وخرج عن سلطانه، منحازًا إلى جبهة موسى، طلبه فرعون ليقتله، فهرب، فوقاه الله من شرهم، أي: حفظه مما أرادوا به من المكر السيئ في الدنيا؛ إذ نجاه مع موسى عليه السلام، وأحاط بفرعون وقومه سوء العذاب في الدنيا بالغرق في اليم، وفي الآخرة بدخول جهنم، وبئس القرار 89.

ولما قيل: (فَوَقَاهُ اللَّهُ) وكان المؤمن من أمة موسى، وتابع له، علم منه أن موسى وسائر قومه قد نجوا أيضًا من باب أولى، وغلبوا على فرعون وقومه، وقد صرح بذلك، فقال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) [غافر 51] .

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق، وحصول الذكر الجميل، واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم، وأما نصرهم في الآخرة: فمن رفع الدرجات، والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين 90.

وهذا التعبير: (فَوَقَاهُ اللَّهُ) مؤذن بأنهم أضمروا مكرًا به، وتسميته مكرًا مؤذن بأنهم لم يشعروه به، وأن الله تكفل بوقايته؛ لأنه فوض أمره إليه 91.

و (ما) مصدرية، والمعنى: سيئات مكرهم، وإضافة سيئات إلى (مكر) إضافة بيانية، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن المكر سيِّئ، وإنما جمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بيتوها.

وقوله: (وَحَاقَ) أي: نزل محيطًا بعد إحاطة الإغراق 92.

والمراد بآل فرعون: فرعون وقومه، وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره؛ لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد بآل فرعون فرعون نفسه، والأول أولى؛ لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعًا بالغرق، وسيعذبون في الآخرة بالنار 93.

و (سُوءُ الْعَذَابِ) أي: الغرق، والتعريف للعهد؛ لأنه مشهور معلوم، وإنما كان الغرق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النفس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه، ويرعبه هول الأمواج، وهو موقن بالهلاك، ثم يكون عرضة لأكل الحيتان حيًا وميتًا؛ وذلك ألم في الحياة، وخزي بعد الممات، يذكرون به بين الناس 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت