فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 2431

الإنفاق في وجوه الخير باب واسع، وصدقات التطوع أنواع متعددة، فمنها ما يسمى بالصدقة الجارية، أو الوقف الخيري الدائم الإنتاج لصالح من وقف عليهم، ومن ذلك الواجب الاجتماعي كمد يد المساعدة لكل محتاج، وكإنشاء دور المعوقين، وإغاثة الملهوفين، وإشباع الجائعين، وكسوة العارين، وبناء المساجد لفقراء المسلمين، وتشييد المستشفيات لمرضاهم، وحفر الآبار لهم في أي مكان يوجد فيه من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد جاء أن على المسلم في ماله حقوقًا عظيمة غير الزكاة المفروضة.

وكما أن الإنفاق في الخير متنوع، فكذلك المستفيدين من صدقة التطوع أيضًا شرائح متنوعة، بينهم قاسم مشترك ألا وهو الحاجة والعوز والفقر، والمرض والعجز، واليتم والترمل، وكبر السن، حتى بهيمة الأنعام يمكن أن تستفيد من صدقة التطوع.

المفهوم الشامل للصدقة:

ويجدر التنبيه هنا إلى أن الإنفاق التطوعي أيضًا ليس محصورًا في المال فقط، بل قد جاء أن قضاء الحوائج صدقة وأنه عبادة، فجهد الإنسان وعمله في الخير يعد من الصدقات التطوعية، ولا شك أن المال هو الأساس في صدقة التطوع، لكن المسلم أحيانًا لا يستطيع دفع المال بسبب حاجته له أو فقره أو نحو ذلك، أو بأن يكون أخوه المسلم محتاجًا إلى شيء آخر غير المال، ففضل الله واسع، وأجره عظيم، فتقديمك الجهد والعمل والسعي بالجاه لفعل الخير يعد في أحيان كثيرة مثل دفع المال أو أفضل، وفي الحديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة) 104.

ومن هذا الحديث يتبين أن العبرة ومحط النظر هي الغاية لا الوسيلة التي تتخذ لتحصيلها ما دامت مشروعة، ولا غبار عليها؛ إذ الغاية هي نفع المسلم لأخيه المسلم بأي نوع من أنواع النفع المالي أو الجسدي أو المعنوي، فالشأن هو التعاون، وإسداء المعروف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) 105.

فنفع المسلم أخاه المسلم صدقة عظيمة خاصة في ظل هذه الحياة التي يبتلى ويمتحن فيها المسلم في كل أمر من أموره؛ ولهذا فمطلوب من كل مسلم أن ينتبه لنفسه ما دام في دار المهلة، فيجتهد في كسب رضا ربه ليحوز على جنته، وينجو من عذابه، وذلك عن طريق المساهمة في وجوه الخير والبر، ومجالات الخير والبر واسعة وكثيرة، ومنها نفع المسلم أخاه المسلم، وقضاء حاجته خاصة إن كانت تتعلق بأكله أو شربه أو لباسه أو سكنه أو علاجه أو أي ضرورة من ضروراته.

وهكذا نجد أن الإسلام قد وسع مجال الصدقة وفتح دائرتها بحيث تشمل أعمالًا كثيرة يستطيع المسلم بالنية الصالحة أن يكسب أجورًا عظيمة، فكل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح مجروح، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي دين غارم، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائرًا، أو يعلم جاهلًا، أو يؤوي غريبًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعًا إلى ذي شيبة، فكل ذلك وغيره كثير وكثير يعد عبادة وقربة يؤجر الإنسان عليه.

كذلك نجد أن الإسلام لم يقصر الصدقات على بني الإنسان، بل يتعداه إلى غيره من المخلوقات كالطيور والحيوانات، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له) قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر) 106.

ومن مجالات صدقة التطوع:

الإنفاق في الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين ونشر الخير باب واسع، وقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد قال تعالى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 11] .

فقوله: {تُؤْمِنُونَ} و {وَتُجَاهِدُونَ} خبر، وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، أي: آمنوا وجاهدوا، والتعبير به للإيذان بوجوب الامتثال، كأن الإيمان والجهاد قد وقعا، فأخبر بوقوعهما، والخطاب إذا كان للمؤمنين الخلص، فالمراد تثبتون وتدومون على الإيمان، أو تجمعون بين الإيمان والجهاد، أي: بين تكميل النفس وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهرًا، فالمراد تخلصون الإيمان 107.

وجاء التعبير بقوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ} لإفادة أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى من يهدي إليها؛ لأنها أمور مرد تحديدها إلى الله تعالى، وتنكير لفظ التجارة للتهويل والتعظيم، أي: هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن، وأطلقت التجارة هنا على الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهما يتلاقيان ويتشابهان في أن كليهما المقصود من ورائه الربح العظيم، والسعي من أجل الحصول على المنافع.

وقدم الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد 108. أو لأن المقام مقام تفسير وتوضيح لمعنى التجارة الرابحة عن طريق الجهاد في سبيل الله، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على تبادل الأموال، وهذه الأموال هي عصب الجهاد، فعن طريقها تشترى الأسلحة والمعدات التي لا غنى للمجاهدين عنها، وفى الحديث الشريف (من جهز غازيًا فقد غزا) 109.

بينما نجد في قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة 111] .

قدم الأنفس على الأموال لأن الحديث هنا في معرض الاستبدال والعرض والطلب والأخذ والعطاء، فقدم سبحانه الأنفس؛ لأنها أعز ما يملكه الإنسان، وجعل في مقابلها الجنة؛ لأنها أعز ما يوهب، وأسمى ما تتطلع إلى نيله النفوس 110.

واسم الإشارة في قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعود إلى ما سبق ذكره من الإيمان والجهاد، أي: ذلكم الذي أرشدناكم إلى التمسك به من الإيمان والجهاد في سبيل الله هو خير لكم من كل شيء إن كنتم من أهل العلم والفهم.

وفي هذه الآية بيان أن مفهوم الجهاد لا يتمثل فقط في الجهاد بالسيف، وهذه من المسائل التي أخطأ فيها المترجمون الذين ترجموا معاني مفردات القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فمن الترجمة الخاطئة أن يترجم الجهاد بمعنى (القتال) فقط، ويحصر مفهوم الجهاد في القتال، وهذا مفهوم قاصر، فالجهاد أعم من القتال؛ ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن) 111.

وهناك صور من صور الجهاد غير القتال كالجهاد بالمال والجهاد بالكلمة.

ومنها: حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) 112.

ومن هذا الباب: قوله: (ففيهما فجاهد) 113.

فالمجاهدة لها صور متعددة؛ فترجمة الجهاد إلى (القتال) تفسير قاصر، وترجمة قاصرة من المترجم الذي قام بها؛ ولذلك قال كثير من العلماء المعاصرين: إن التفاسير التي ترجمت وإن كان مترجموها على درجة من الخلق الحسن والصلاح، لكن لقلة علمهم بالمدلولات الشرعية أخطؤوا في كثير من الألفاظ حين ترجموها.

ولكن استدركوا على مثل هذه الترجمة القاصرة بعموم سيرة النبي وعموم سنته صلى الله عليه وسلم؛ فقد بين أن الجهاد أنواع متعددة، فقضى هذا البيان على حصر الجهاد بالسيف فقط، فلا يظن أن الجهاد انتهى بعدم وجود المعارك.

بل مراد النبي صلى الله عليه وسلم به كل أنواع الجهاد، فإن الجهاد بالمال ماضٍ أيضًا إلى يوم القيامة، وهو أحد أقسام الجهاد، فالباب مفتوح لمن أراد أن يجاهد؛ وذلك بتخصيص جزء من ماله للتفقه في سبيل الله، فيكون مجاهدًا حينئذٍ، وهو بذلك على ثغر من الثغور، وإن كان لا يشعر به أحد من الناس.

ومن أبواب صدقة التطوع الصدقة على المدين المعسر، وهو من ثبت إعساره وعدم قدرته على الوفاء بشهادة من يعلم بحاله كجار أو صاحب ونحو ذلك، وتكون بإنظاره، أو مسامحته بالمال، فقد ورد في فضل إنظاره قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] .

والمعنى: وإن وجد مدين معسر ممن لكم عليهم دين فأنظروه وأمهلوه إلى حين اليسار، حتى يتمكن من أداء دينه، وقوله: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أي: وتصدقكم على المعسرين من المدينين بإبرائهم من الدين كلَا أو بعضًا خير لكم من إنظارهم وأكثر ثوابًا، وفي ذلك حث على الصدقة، والسماح للمدين المعسر؛ لما فيه من التعاطف والتراحم، وبر الناس بعضهم ببعض، وفي الآية وجوب إنظار المعسر إلى اليسار، وأفضل منه الإبراء.

وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقيل له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا وأجازيهم فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة) 114.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله) 115.

ومن أبواب صدقة التطوع القرض الحسن، بأن يقرض المسلم أخاه المسلم إذا علم حاجته، والقرض يعد من أبواب الخير والمعروف الذي يساهم في تفريج الكربات، وتخفيف الهموم، ويعد من أبواب صدقة التطوع؛ لأن المسلم استفاد من المال في تلك المدة التي اقترض فيها.

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أقرض ورقًا مرتين كان كعدل صدقة مرة) 116.

بل قد يكون القرض أفضل من الصدقة؛ لأن صاحب القرض لا يأتي إلا وهو محتاج، وأما الصدقة فربما وضعت في يد غني.

وقد قال الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] .

وقد ذكر الله هذه الآية في كتابه مرارًا مبينًا فضل القرض وثوابه، وأنه سبحانه متكفلٌ بالأجر العظيم، والثواب الكبير لمن أقرض الله قرضًا حسنًا، وإن كان معنى القرض هاهنا عموم الصدقة لوجه الله إلا أنه يدخل فيه: ما يعطيه الإنسان من ماله لغيره على أن يقوم برده إليه.

ثالثًا: الإنفاق المذموم:

ومن أنواع الإنفاق المذكورة في القرآن الكريم الإنفاق المذموم، ومنه إنفاق الأموال في الصد عن سبيل الله، كما وقع من كفار قريش يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب، فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم، والصد عن سبيل الله.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .

أي: إن الذين جحدوا وحدانية الله، وعصوا رسوله، ينفقون أموالهم فيعطونها أمثالهم من المشركين وأهل الضلال؛ ليصدوا عن سبيل الله، ويمنعوا المؤمنين عن الإيمان بالله ورسوله، فينفقون أموالهم في ذلك، ثم تكون عاقبة نفقتهم تلك ندامة وحسرة عليهم؛ لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون بما يأملون من إطفاء نور الله، والصد عن سبيله، ثم يهزمهم المؤمنون آخر الأمر، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون فيعذبون فيها.

والآية وإن نزلت في أهل بدر إلا أنها -كما قال ابن كثير- عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي: ندامة؛ حيث لم تجد شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي 117.

والآية واردة في مقام الإنذار لمن هذا حاله من الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فأخبر الله تعالى أنها ستعود عليهم بالحسرة، وأنهم سينفقونها لتضيع في النهاية وليغلبوا هم، وينتصر الحق في هذه الدنيا، وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم فتتم الحسرة الكبرى، حيث يجمع الله الخبيث على الخبيث فيلقي به في جهنم، وتلك غاية الخسران.

والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جرم ذو حجم، وكأنما هو كومة من الأقذار، يقذف بها في النار دون اهتمام ولا اعتبار!

فما أعظمها من حسرة! فإنفاق الأموال هدرًا، وانقلابها حسرة وغلبة من دواعي الهم والغم أن ينفق الإنسان ماله لهدف من الأهداف، ثم يكون الفشل بضياع المال دون تحقيق الغاية، ومما يزيد الأمر مرارة أن ينقلب هذا الإنفاق حسرة عليهم، ليس ذلك فحسب، بل تكون الهزيمة والغلبة عليهم أيضًا، بالإضافة إلى العذاب الأخروي، وهو الحشر إلى جهنم ليذوقوا العذاب.

فهو وعيدٌ يتلوه وعيد، أربعة تهديدات متتالية لأولئك الذين ينفقون الأموال لأجل الصد عن سبيل الله، إنها قضية قديمة حديثة، فالكفار في زماننا ومن والاهم ينفقون الأموال والثروات لأجل محاربة الإسلام والمسلمين، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، ثم إلى جهنم يحشرون، هكذا أخبر الله تعالى.

والإنفاق في الصد عن سبيل الله مستمر في كل زمان، ومنه الإنفاق على الفتنة والفساد والكبائر كلها، وإغواء عباد الله بأنواع من الفتن، كمن يطلق قنوات فضائية غنائية وغير غنائية، فيها الفحش والتعري، أو فيها الدعوة إلى تقليد الأعداء، والسير في ركابهم، وفيها تخدير العقول، وتعطيل الطاقات، والإعجاب بالأعداء وبعاداتهم وتقاليدهم، ونزع حاجز العداوة الذي بيننا وبينهم، أو في نشر البدع والضلالات والسحر والشعوذة، فكل من أنفق هذه الأموال في هذه المنابر هو من الصادين عن سبيل الله، وكذلك من يقومون بالدعاية لها، أو الترويج لها، ببيع أو تسويق ونحوها، نسأل الله أن يكف أذاهم عن المسلمين.

ونلحظ في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز، فقال: {فَسَيُنْفِقُونَهَا} أي: سيقع منهم هذا الإنفاق {ثُمَّ تَكُونُ} كما وعد الله به، في مثل قوله: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21] .

كما أن ظاهر قوله: {إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر، ومعنى: {ثُمَّ} في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة.

وأتى بصيغة المضارع في {يُنْفِقُونَ} للإشارة إلى أن ذلك دأبهم، وأن الإنفاق مستمر لإعداد العدد لغزو المسلمين وصرفهم عن دينهم، فإنفاقهم حصل في الماضي ويحصل في الحال والاستقبال، وأشعرت لام التعليل بأن الإنفاق مستمر؛ لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض الإسلام، وصدهم الناس عنه.

و {أَمْوَالَهُمْ} جمع مضاف، يجعله من صيغ العموم، فكأنه قيل: ينفقون أموالهم كلها مبالغة، وإلا فإنهم ينفقون بعض أموالهم، والفاء في {فَسَيُنْفِقُونَهَا} تفريع على العلة؛ لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم لتلك العلة المذكورة كان مما يتفرع على ذلك تكرر هذا الإنفاق في المستقبل، أي: ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين تضطرهم إلى تكرير الإنفاق على الجيوش لدفاع قوة المسلمين.

وضمير (ينفقونها) راجع إلى الأموال لا بقيد كونها المنفقة، بل الأموال الباقية، أو بما يكتسبونه ... ، وأسندت الحسرة إلى الأموال؛ لأنها سبب الحسرة بإنفاقها، ثم إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة، مثل الإخبار بالمصادر؛ لأن الأموال سبب التحسر لا سبب الحسرة نفسها، وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائل فيما أنفقوا لأجله؛ لأن المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصل له المقصود من إنفاقه، ومعنى ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلبون، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يوم أحد ... ، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة، ثم انصرفوا بلا طائل، فكان إنفاقهم حسرة عليهم، وقوله: {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} ارتقاء في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم؛ فإنهم بعد أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائل، توعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم أيضًا يوم بدر، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة، وانقطاع دابر أمرهم، وإسناد الفعل إلى المفعول لكون فاعل الفعل معلومًا بالسياق، فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير المسلمين 118.

ثم قال الله: {لِيَمِيزَ اللَّهُ} أي: الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا، وهو عبارة عن الجمع والضم، حتى يتراكموا، يعني: لفرط ازدحامهم، وقوله: (أولئك) إشارة إلى الفريق الخبيث، والمراد بالخبيث: نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام، فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقيها في جهنم، ويعذبهم بها.

والمقصود أن من الإنفاق المذموم ما أنفقه الكفار يوم بدر في الصد عن دين الله، وليس هذا الذي حدث قبل بدر وبعدها إلا نموذجًا من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين، إنهم ينفقون أموالهم، ويبذلون جهودهم، ويستنفدون كيدهم في الصد عن سبيل الله، وفي إقامة العقبات في وجه هذا الدين، وفي حرب العصبة المسلمة في كل أرض وفي كل حين، فالمعركة لن تكف، وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة، ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن، فالصد عن سبيل الله معركة متجددة، وعداوة باقية، وأسلوبٌ متواصًى به، عودي به الأنبياء أزمانًا، واشتكى الصالحون منه دهورًا {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53] .

والصد عن سبيل الله أيضًا قد يكون عامًا، وذلك بالصد عن الدين كليةً، وقد يكون الصد جزئيًا، وذلك بالصد عن بعض تشريعات الإسلام، ومحاربتها ومنعها، والتضييق على أهلها، كالحجاب والنقاب والأذان وحلقات القرآن، فمن الناس من يستغل كل إمكاناته العقلية وقدراته المالية في تزيين الباطل وتلميعه بشتى ألوان الزينة والإغراء، يريد إضلال الناس، وتجهيلهم وإبعادهم عن الهدى، ومن ثم فإن وجهه يتمعر غضبًا حينما يرى كلمة الحق قد أينعت وآتت أكلها، فلا يهدأ له بال، أو يطمئن له حال، حتى يفسد تلك الثمار بكل تشنج واضطراب.

وهؤلاء القوم مساكين يظنون أنهم بكلمة عوراء أو عصًا غليظة أو جحور مظلمة سوف يقضون على شجرة التوحيد، ويقطعون أغصان الفضيلة، وما دروا أن الله متم نوره، ومظهر دينه، وناصر أولياءه.

وقد أخبر الله أن هؤلاء لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الإنفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة؛ وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق الخبيث.

تحدث القرآن الكريم عن آداب الإنفاق، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: أن يكون الإنفاق في سبيل الله:

حث الإسلام على الإنفاق، وأن يكون في سبيل الله، في كثير من الآيات والأحاديث؛ لأن الإنفاق في سبيل الله هو نتيجة مباشرة للإيمان بالله، وعلامة على عمق اليقين بالله، وبأنه واهب الحياة والغنى والملك والهدى، وشخصية المسلم تتميز بأنها معطاءة، وعطاؤها ليس من أجل شهرة أو رياء، بل في سبيل الله، ووفق المنهاج الذي رسمه لها الله.

قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت