فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 2431

وفي التعبير عن إخراج المشركين للنبي والمؤمنين، بالفعل المضارع الذي يفيد تجدد الزمن حالًا بعد حال، للإشارة إلى أن المشركين ما زالوا على موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنه لو عاد النبي والمؤمنون إلى ديارهم بمكة لأخرجهم المشركون منها، بما يلاحقونهم به من أذى وضر، كما أن المشركين لم يزل هذا موقفهم من المؤمنين الذين كانوا في مكة، ولم تتح لهم فرصة الهجرة لسبب أو لآخر 47.

وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} ، أي: إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي، باغين مرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم.

وقوله تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} ، هو استفهام إنكاري، أي: أبعد هذا الذي علمتم أو تعلمون من أمر القوم، أبعد هذا تسرون إليهم بالمودة؟ أي: تبادلونهم المودة في ستر وخفاء، {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} ، فإنه لا يخفى على الله خافية في الأرض ولا في السماء 48.

ثم توعد الله من يفعل ذلك وشدد النكير عليه وذكر ما فيه أعظم الزجر له، فقال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} ، أي: ومن يفعل هذه الموالاة ويبلغ أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم لأعدائه فقد جار عن قصد الطريق التي توصل إلى الجنة ورضوان الله تعالى 49.

قالوا: «والموالاة الممنوعة هي التي يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو إضافة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النهى، لأنها ليست معاملة فيها أذى للإسلام والمسلمين» 50.

ثانيًا: الصفات الخلقية المذمومة في القرآن:

ذم القرآن الكريم الصفات الخلقية الذميمة، كالظلم والاعتداء والإثم والخيانة والكذب والعناد والغرور والاستكبار وبيان ذلك كما يأتي:

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الظلم.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) } [الأنعام:21] .

الظلم وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، والظلم يقال في مجاوزة الحد الذي يجرى مجرى النقطة في الدائرة، ويقال فيما يكثر ويقل من التجاوز، ولذا يستعمل في الذنب الصغير والكبير 51.

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} ، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا بأن جعل لله شريكًا أو ولدًا، أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن المجيد، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله، وإذا كان كل من هذا التكذيب وذلك الكذب والافتراء يعد وحده غاية في الظلم ويطلق على صاحبه اسم التفضيل فيه، فكيف يكون حال من جمع بينهما، فكذب على الله وكذب بآياته المثبتة للتوحيد والمثبتة للرسالة؟ 52.

وعبر عن الشرك هنا بالظلم، وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم، ناهيك أن الشرك من أنواعه 53.

ثم ذم الظلم بسوء العاقبة فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ، أي: الحال والشأن أن الظالمين عامة لا يفوزون في عاقبة أمرهم يوم الحساب والجزاء بالنجاة من عذاب الله تعالى، ولا بنعيم الجنة مهما يكن نوع ظلمهم، فكيف تكون عاقبة من وصف بأنه لا أحد أظلم منه لافترائه على الله تعالى أو لتكذيبه بآياته أو عاقبة من جمع بين الأمرين فكان أظلم الظالمين؟ 54.

وقد ذم الله الظلم والظالمين في آيات كثيرة.

قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات:22] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42] .

وقال في عاقبة الظلم: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} ، [النمل:52] .

ذم الظلم بسوء العاقبة، وفي ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرًا في خراب البلدان 55.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الاعتداء.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } [البقرة:61] .

يذم الله تعالى بني إسرائيل بأنهم أهل عدوان، والاعتداء والتعدي والعدوان خروج عما حد ورسم 56.

وكان العدوان سببًا لأن تضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله، وكان سببًا على جحود النعم، وسوء الأدب وحمق التفكير، وهوان النفس، وبلادة الطبع، وبطر الحق، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم، ودناءة نفوسهم.

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، واذكروا -أيها اليهود المعاصرون- إذ قال آباؤكم: يا موسى لا يمكننا أن نستمر على طعام واحد مثل المن والسلوى، وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره؛ لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سببًا لنقصان الشهوة، وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان؛ لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، يقال: لا يأكل فلان إلا طعامًا واحدًا، ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد؛ لأنهما معًا من طعام أهل التلذد والتترف، وكانوا من أهل الزراعات، فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك.

{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} ، الفوم: الخبز، وقيل: هو الحنطة، وقيل: هو الثوم، {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ، إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة 57.

وقوله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي} ، أي: الذي هو أخس وأردأ وهو الذي طلبوه، {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ، يعني: بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما هم فيه، {اهْبِطُوا مِصْرًا} ، يعني: إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصرًا من الأمصار، وقيل: بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه، {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ، يعني: من نبات الأرض 58.

وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} ، أي: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان، {وَالْمَسْكَنَةُ} ، أي: الفقر والفاقة، وسمي الفقير مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم فقراء، فلا ترى أحدًا من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود، {وَبَاءُوا} ، أي: رجعوا ولا يقال: باء، إلا بشر، {بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} ، وغضب الله إرادة الانتقام ممن عصاه {ذَلِكَ} ، أي: الغضب، {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ، أي: بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن، {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} ، النبي: معناه المخبر من أنبأ ينبئ، وقيل: هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة، وهو المكان المرتفع، {بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، أي: بغير جرم 59.

ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، أي: إن كفرهم بآيات الله وجرأتهم على النبيين بالقتل، إنما كانا بسبب عصيانهم وتعديهم حدود دينهم، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتدين به يحذر مخالفة أمره، حتى إذا تعدى حدوده مرة ضعف ذلك السلطان الديني في نفسه، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد، إلى أن تصير المخالفة طبعًا وعادة، وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلًا في قرارة نفسه 60.

وعبر سبحانه عن عصيانهم بالماضي فقال: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} ، للإشارة إلى استقرار العصيان في طبائعهم، وثباته في نفوسهم وجوارحهم.

وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإيذان بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا نبيًا إلا وآذوه، ولم يتركوا مصلحًا إلا واعتدوا عليه، فاعتداؤهم على المصلحين مستمر في كل زمان ومكان 61.

قال محمد رشيد رضا: «قال الأستاذ: ذلك الذل وتلك الخلاقة بالغضب إنما لزماهم؛ لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام؛ ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة؛ لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظة لبناء جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم، وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته، ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع» 62.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الإثم.

قال تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) } [المائدة:62 - 63] .

ذم الله تعالى في الآيات اليهود بأنهم يسارعون في الإثم والعدوان، وقوله: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} ، أي: وترى -أيها الرسول الكريم أو أيها السامع- كثيرًا من هؤلاء اليهود، يسارعون في ارتكاب الآثام وفي التعدي والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث، والتعبير بقوله: {وَتَرَى} ، يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيًا أو مستورًا، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من وجوههم، والمسارعة في الشيء: المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط، وأكثر استعمالها في الخير، قال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون:61] .

وقد استعملت هنا في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، للإشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات وكأنهم محقون فيها، والتعدية بحرف في تؤذن بأنهم مغمورون في الآثام، وأنهم يتنقلون فيها من حال إلى حال أخرى شر منها، حتى لكأن السير في طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم 63.

وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق تحري الحق في عبارات الكتاب العزيز، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر 64.

ولم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم مجبولة على حب المعاصي والظلم 65.

والإثم: هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله تعالى، والعدوان: مجاوزة الحد في الظلم والتعدي. والسحت: هو المال الحرام كالرشوة وغيرها.

ثم بالغ في ذم هذه الأعمال فقال تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، أي: والله ما أقبح هذا العمل الذي يعمله هؤلاء من مسارعتهم في كل ما يفسد الأخلاق، ويدنس النفوس، ويقوض نظم المجتمع، وويل للأمة التي يعيش فيها أمثال هؤلاء 66.

وهذه الجملة هي حكم من الله تعالى عليهم بذم أعمالهم، وقد جمع سبحانه في حكمه بين صيغة الماضي {كَانُوا} ، وصيغة المضارع {يَعْمَلُونَ} ، للإشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم في الماضي، وأنهم قد استمروا عليه في حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم، وقد أكد سبحانه هذا الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة (بئس) الدالة على شدة الذم، أي: أقسم لبئس العمل الذي كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت 67.

قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) } [المائدة:62] : «والمسارعة مفاعلة تصور القوم كأنما يتسابقون تسابقًا في الإثم والعدوان، وأكل الحرام. وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع، ولكنها تصور حالة من حالات النفوس والجماعات حين يستشري فيها الفساد وتسقط القيم ويسيطر الشر .. وإن الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت إلى مثل هذه الحال، فيرى كأنما كل من فيها يتسابقون إلى الشر، إلى الإثم والعدوان، قويهم وضعيفهم سواء، فالإثم والعدوان -في المجتمعات الهابطة الفاسدة- لا يقتصران على الأقوياء، بل يرتكبهما كذلك الضعفاء، فحتى هؤلاء ينساقون في تيار الإثم. وحتى هؤلاء يملكون الاعتداء، إنهم لا يملكون الاعتداء على الأقوياء طبعًا. ولكن يعتدي بعضهم على بعض، ويعتدون على حرمات الله؛ لأنها هي التي تكون في المجتمعات الفاسدة الحمى المستباح الذي لا حارس له من حاكم ولا محكوم، فالإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد، والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات! وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام، وكذلك أكلهم للحرام، فأكل الحرام كذلك سمة يهود في كل آن!» 68.

وقوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} ، تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإن (لولا) إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، أبلغ من قوله: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروٍ وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواصهم، ولأن ترك الحسبة أقبح من مواقعة المعصية؛ لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، وليس ترك الإنكار عليها كذلك، فكان جديرًا بأبلغ الذم 69.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الخيانة.

قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } [النساء:107 - 108] .

الخيانة: لغة تدل على الإخلاف والخيبة بنقص ما كان يرجى ويؤمل من الخائن، فقد قالوا: خانه سيفه، إذا نبا عن الضربية، وخانته رجلاه، إذا لم يقدر على المشي 70.

وقوله: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} ، لفظ عام يندرج تحته أصحاب النازلة، ويتقرر به توبيخهم 71، أي: ولا تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين {يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} ، أي: يخونونها بشدة وإصرار، إن الله تعالى لا يحب ولا يرضى عمن كانت الخيانة وصفًا من أوصافه، وخلقًا من أخلاقه، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن كان الانهماك في الإثم والمعصية عادة من عاداته 72.

وجاء سبحانه بلفظ {يَخْتَانُونَ} ، بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة في الخيانة؛ لأن مادة الافتعال تدل على التكلف والمحاولة، وجعلت خيانة هؤلاء لغيرهم خيانة لأنفسهم، لأن سوء عاقبة هذه الخيانة سيعود عليهم، ولأن المسلمين جميعًا كالجسد الواحد، فمن تظاهر بأنه منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه، وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على حقوق الجماعة الإسلامية، وزعزعة أمنها واستقرارها 73.

وهم خانوا غيرهم في الظاهر، ولكنهم في الحقيقة خانوا أنفسهم، فقد خانوا الجماعة ومنهجها، ومبادئها التي تميزها وتفردها، وخانوا الأمانة الملقاة على الجماعة كلها، وهم منها .. ثم هم يختانون أنفسهم في صورة أخرى، صورة تعريض أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر الجزاء، حيث يكرههم الله، ويعاقبهم بما أثموا. وهي خيانة للنفس من غير شك .. وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي تلويث هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب والخيانة 74.

وقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} ، بصيغة المبالغة لإفادة أن الخيانة والإثم صارا وصفًا ملازمًا لهؤلاء الخائنين الآثمين، أي: أن صيغة المبالغة هنا ليست للتخصيص حتى لا يتوهم متوهم أن الله تعالى يحب من عنده أصل الخيانة والإثم 75.

قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) } [النساء:107] .

«وهذه عقوبة أكبر من كل عقوبة .. وهي تلقي إلى جانبها إيحاء آخر. فالذين لا يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد، ولا أن يحامي عنهم أحد. وقد كرههم الله للإثم والخيانة! ويعقب الوصف بالإثم والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة الآثمين: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} وهي صورة زرية داعية إلى الاحتقار والسخرية، زرية بما فيها من ضعف والتواء، وهم يبيتون ما يبيتون من الكيد والمؤامرة والخيانة ويستخفون بها عن الناس. والناس لا يملكون لهم نفعًا ولا ضرًا. بينما الذي يملك النفع والضر معهم وهم يبيتون ما يبيتون مطلع عليهم وهم يخفون نياتهم ويستخفون. وهم يزورون من القول ما لا يرضاه! فأي موقف يدعو إلى الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف؟» 76.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الكذب.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) } [المجادلة:14 - 15] .

يذم الله تعالى هؤلاء المنافقين بجملة من الصفات القبيحة، التي على رأسها تعمدهم الكذب، وإصرارهم عليه، والكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه سواء فيه العمد والخطأ، والكذب: الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخبر موافقًا لاعتقاد المخبر أو هو على خلاف ما يعتقده، ولكنه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبر كان ذلك مذمومًا ومسبة، وإن كان معتقدًا وقوعه لشبهة أو سوء تأمل فهو مذموم، ولكنه لا يحقر المخبر به.

والأكثر في كلام العرب أن يعني بالكذب ما هو مذموم، والكذب خلاف الصدق، وهو جامع لكل الصفات الرديئة 77.

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ، استفهام للتعجيب من حال هؤلاء المنافقين، حيث اتخذوا اليهود حلفاء لهم، ينقلون إليهم أسرار المؤمنين، والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم، وهم اليهود والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، والمراد بالقوم الذين غضب الله عليهم: اليهود، ووصفهم بذلك للتنفير منهم، ولبيان أن المنافقين قد بلغوا النهاية في القبح والسوء، حيث والوا وناصروا من غضب الله عليهم، لا من رضي الله عنهم 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت