فهرس الكتاب

الصفحة 1480 من 2431

الطبع

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ط ب ع) تدل على معنيين:

الأول: نهاية ينتهي إليها الشيء حتى يختم عندها.

والثاني: طبع الإنسان وسجيته، أي: ما طبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه، وسهولة أخلاقه وحزونتها، وعسرها ويسرها، وشدته ورخاوته، وبخله وسخائه 1.

وقيل: إنّ أصل الطبع: الصدأ، والوسخ، والدنس، يكثر على السيف وغيره، ثم استعير فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح 2.

وقال الراغب: «الطبع: أن تصوّر الشيء بصورة مّا، كطبع السّكّة، وطبع الدّراهم، وهو أعم من الختم وأخص من النقش، ومنه قوله تعالى: {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] .

وبه اعتبر الطّبع والطبيعة التي هي السجية، فإن ذلك هو نقش النفس بصورة مّا، إمّا من حيث الخلقة، وإمّا من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من حيث الخلقة أغلب» 3.

وأما مادة (ق ل ب) فتدل على معنيين:

الأول: خالص شيء وشريفه.

الثاني: رد شيء من جهة إلى جهة.

فمن الأول: قلب الإنسان، سمي بذلك؛ لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه.

ومن الثاني: قَلَبَتُ الثوب قَلْبًا. وقلبت الشيء: كَبَبْتُه، وقَلَّبْتُه بيدي تقليبًا 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الطبع اصطلاحًا: أََثَرٌ يثبت على الشيء بعد إحكام غلقه وسده، ويكون لازمًا له، لكيلا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء 5.

و (الطَّبَعُ) بتحريك الباء: الدنس، وقد حمل بعضهم قوله تعالى: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] . على ذلك، ومعناه: دنّسه، ومن ذلك أيضًا: طبع الله على قلب الكافر؛ كأنه ختم عليه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور، فلا يوفق لخير 6.

قال ابن عاشور: «الطبع: إحكام الغلق بجعل طين ونحوه على سد المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرج ما فيه إلا بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به، وقد يَسِمُون على ذلك الغلق بِسِمَة تترك رَسْمًا في ذلك المجعول، وتسمى الآلة الواسمة طابَعًا- بفتح الباء-» 7.

والطبع: أثر يثبت في المطبوع ويلزمه فهو يفيد من معنى الثبات واللزوم ما لا يفيده الختم؛ ولهذا قيل: طبع الدرهم طبعًا، وهو الأثر الذي يؤثره فلا يزول عنه 8.

والقلب اصطلاحًا: هو محل النفس والعقل والعلم والفهم والعزم. وسمي قلبًا لتقلبه في الأشياء بالخواطر والعزوم والاعتقادات والإرادات 9.

وعرفه الجرجاني فقال: «هو لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، ويسميها الحكيم: النفس الناطقة، والروح باطنه، والنفس الحيوانية مركبة، وهي المدرك، والعالم من الإنسان، والمخاطب، والمطالب، والمعاتب» 10.

والطبع على القلوب: «كناية عن بلوغها مستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير، فهي لا تتأثر ببيان، ولا تستجيب لموعظة. فكأنها بيوت مقفلة مطبوع عليها، أو قطعة من المعدن قد علاها الصدأ فغشاها» 11.

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها، طبع الله على قلبه) 12، أي: ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه 13.

وردت مادة (طبع) في القرآن (11) مرة 14.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 6 ... {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون:3]

الفعل المضارع ... 5 ... {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) } [غافر:35]

وجاء الطبع في القرآن بمعنى إحكام الإغلاق مع الختم 15.

الختم:

الختم لغة:

الخاء والتاء والميم أصل واحد، وهو بلوغ آخر الشيء، وكثيرًا ما يفسر الختم بالطبع؛ لأن الطبع على الشيء لا يكون إلا بعد بلوغ آخره 16. وقيل: الختم: هو التأثير في الطين ونحوه 17.

الختم اصطلاحًا:

قال الكفوي: الختم في الاصطلاح: «قريب من (الكتم) لفظًا لتوافقهما في العين واللام، وكذا معنى؛ لأن الختم على الشيء يستلزم كتم ما فيه» 18. والختم: أصله في الحسيات، ومنه ختم الكتاب بالطين لتأمين إيصاله دون فض، واستعمل بتوسع في الختم المعنوي، ومنه الختم على القلوب 19.

الصلة بين الختم والطبع:

لم يفرق اللغويون بين الختم والطبع، قال ابن منظور: الختم على القلب: أي: أن لا يفهم شيئًا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. وفي التنزيل العزيز: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] ؛ هو كقوله: {طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] . فلا تعقل ولا تعي شيئًا 20، وقال الدامغاني: إنّ ختم كطبع 21.

وقال الزجاج: معنى ختم في اللغة وطبع معنى واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق من أن لا يدخله شيء 22.

وفرّق العسكري بين الختم والطبع بقوله: «إن الطبع أثر يثبت في المطبوع ويلزمه، فهو يفيد من معنى الثبات واللزوم ما لا يفيده الختم، ولهذا قيل: طبع الدرهم طبعًا، وهو الأثر الذي يؤثره فلا يزول عنه، كذلك أيضًا قيل: طبع الإنسان؛ لأنه ثابت غير زائل. وقيل: طبع فلان على هذا الخلق إذا كان لا يزول عنه» 23.

وفرّق ابن القيم بين الختم والطبع فقال: قلت: الختم والطبع يشتركان فيما ذكر، ويفترقان في معنى آخر، وهو أن الطبع ختم يصير سجيّة وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارق 24، وبهذا يشير إلى أن الطبع أشد من الختم.

الران:

الران لغة:

يقال: «الرّان والرّين» وهما لغتان، ويرجع معناه إلى الغلبة والرسوخ، قال أبو عبيدة: « {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : غلب على قلبه» 25.

وقيل: إنّ أصل الرين: الطبع والتغطية، يقال: ران الذنب على قلبه يرين رينا وريونا: غلب عليه وغطاه 26، وإلى ذلك ذهب الزجاج 27.

الران اصطلاحًا:

هو الطبع والدنس والصدأ، يغشى القلب ويغطيه من توالي الذنوب وكثرتها، ومنه قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المطففين:14] .

وهو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكر فيه (الران) ، ومعنى الآية: أي صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم فعمي عليهم معرفة الخير من الشر 28. وقال الحسن ومجاهد: «هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب» 29.

الصلة بين الران والطبع:

قال مجاهد: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله 30.

وقال ابن الأثير: كانوا يرون أن الطبع هو الرين 31. وقال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، وهو الختم. قال: والإقفال أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب 32.

وقال الزجاج: «يقال: ران على قلبه الذنب يرن رينا، إذ غشي على قلبه» . قال: «والرين، كالصدأ يغشى القلب» 33.

قال ابن القيم: «وأما الرين والران: فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها» 34.

وقيل: إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد، وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه 35. وإلى ذلك ذهب بعض اللغويين، قال ابن منظور: إنّ معنى «ران» في الآية: أي غلب وطبع وختم، وبنحوه قال ابن الأثير 36.

الأكنة:

الأكنة لغة:

من الكنّ: وهو وقاء كل شيء وستره، والجمع أكنانٌ، قال الله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] .

والأكنّة جمع (أكنان) : مفردها: كنان، وتعني: الأغطية. ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] 37.

الأكنة على القلوب اصطلاحًا:

هي غطاء محكم على القلب يمنع الفهم ويحجب الهداية، وهي بهذا المعنى تتشابه مع معنى الطبع على القلوب. وقال الزجاج في قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} [فصلت: 5] . أي: في غلف، أي: ما تدعونا إليه لا يصل إلى قلوبنا لأنها في أغطية 38.

وقال الراغب: في معنى قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] .أي: في غفلة من هذا. وقيل: معناه: قلوبنا أوعية للعلم. وقيل: معناه: قلوبنا مغطاة 39.

الصلة بين الأكنة والطبع:

قال الراغب: إنّ الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل، أو ارتكاب محظور، ولا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق، يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه، وعلى ذلك قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108] .

وعلى هذا النحو استعارة الكنّ في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] . فجعل معنى الأكنة يقوم مقام الختم والطبع 40.

الغلف:

الغلف لغة:

قال ابن فارس: إن مفردة غلف تدل على غشاوة وغشيان شيء لشيء، وقلب أغلف: كأنما أغشي غلافًا، فهو لا يعي شيئًا. قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155] .

وقرأت: (غلف) ، أي: أوعية للعلم. والقياس في ذلك كله واحد 41. وقيل في معنى: «غلف، أي: صم 42. وقيل أيضًا في تفسيرها: أي: في غطاء محجوبة عما تقول» 43.

الغلف اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي، من حيث إنه غشاء وغطاء يحجب القلب عن الإيمان. وتتفق دلالة الغلف مع دلالة الأكنة ويتشاركان المعاني نفسها، إلا إن بينهما فرقًا دقيقًا، وهو أن معنى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] . أي: مجموعة أغطية وأستار، واحدًا تلو الآخر حتى يحجب عنها الفهم والهداية والإيمان؛ بدلالة صيغة الجمع، وأما (غلف) وورودها بالصيغة نفسها، فتعني: أن هذه القلوب غطيت وأغشيت بأغلفة، وكأن القلب صار غلاف لنفسه، ولذا نجد الجملة مع الغلف استغنت عن حرف الجر، بعكس الأكنة حيث عديت بحرف الجر.

الصلة بين الغلف والطبع:

وجه التشابه في المعنى في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} مع قوله: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، فهما يشتركان في المعنى من حيث عدم الانتفاع بالآيات والنذر؛ لإحاطة هذه القلوب بأغلفة وأغطية تمنع من وصول الإيمان، فقلوبهم لا تفقه علمًا، ولا تعي حقًّا، ويتفارقان من حيث الشدة، فالطبع أشد أثرًا في القلب من الأكنة والغلف.

ومن دلائل تقارب المعاني بين الغلف والطبع اقترانهما في سياق واحد كما في قوله تعالى في وصف قلوب الكفار: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155] .

فذكر المفسرون فيه وجهين: أحدهما: أن (غلفًا) جمع غلاف، والمعنى على هذا أنهم قالوا: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، أي: أوعية للعلم، فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا، فكذبوا الأنبياء بهذا القول. والثاني: أن (غلفًا) جمع أغلف وهو المتغطي بالغلاف، أي: بالغطاء، والمعنى على هذا أنهم قالوا: قلوبنا في أغطية، فهي لا تفقه ما تقولون 44، فكان الجواب من الله تعالى بقوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) } [النساء: 155] . فجاء بلفظ الطبع كنتيجة وعقاب وخاتمة، فهي ليست مغلفة بطبعها. إنما كفرهم جَرَّ عليهم أن يطبع الله على قلوبهم، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته، فلا يقع منهم الإيمان، إلا قليلًا، ممن لم يستحق بفعله، أن يطبع الله على قلبه 45.

الأقفال:

الأقفال لغة:

جمع قفل، قال ابن فارس: القاف والفاء واللام أصل صحيح يدل على صلابة وشدة في شيء، ومنه القفل: سمي بذلك؛ لأن فيه شدًّا وشدة. يقال: أقفلت الباب فهو مقفل 46، ثم عبّر عن كلّ مانع للإنسان من تعاطي فعل، فيقال: فلان مقفلٌ عن كذا. وقيل للبخيل: مقفل اليدين، كما يقال: مغلول اليدين 47.

الأقفال اصطلاحًا:

لفظ يستعار لمنع وصول الحق والإيمان إلى قلوب الكفرة والمنافقين المخبر عنهم بالختم. قال تعالى: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } [محمد: 24] .

والمقتفل من الناس: الذي لا يخرج من بين يديه خيرًا 48.

الصلة بين الأقفال والطبع:

الأقفال أشد أنواع الطبع على القلوب، قال مجاهد لما ذكر الرين والطبع قال: والإقفال أشد ذلك كله 49. والأقفال: تحول بين القلوب وبين القرآن وبينها وبين النور، فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور 50. ويستلزم لإزالة هذه الأقفال تدبر القرآن الكريم فهو يزيل الغشاوة ويفتح النوافذ لدخول الإيمان، قال تعالى {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] .

وفي مقام الألفاظ ذات الصلة بالطبع على القلوب يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة واصفًا الطبع والختم والران والأكنة والغلف والأقفال: «إنّ من فطرة الإنسان إذا هو عاند وأصر على الباطل بعد معرفة الحق المبين، وأعلن تكذيبه وكفره بالحق، أن يصاب قلبه بالصمم، وأن يتبلد حسه تجاه الحق والخير، فإذا ألقي عليه الهدى أعرض عنه، ولم يستمع إليه، ولم يدرك جوانب الحق فيه، ولم يتحرك وجدانه وضميره بعاطفة إيجابية نحو الخير، ويكون كالصخر الأصم الذي لا يقبل ندى معرفة، ولا يندى بعاطفة، فإذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير، فإنه يكون مغلف القلب، مسدود المنافذ، محجوبًا بحجاب غليظ، حتى يكون بمثابة البيت الذي أغلق بابه، وضرب عليه بالأقفال، ثم ختمت الأقفال بطابع الطين أو الشمع، إشعارًا بوصولها إلى غاية إقفالها أو بمثابة المعدن الذي يعلوه الصدأ حتى يغشيه تغشية تامة، ويحجبه حجبًا كاملًا، وهذا هو الران الذي يغشّي قلوب الكافرين المكذبين» 51.

إن للطبع على القلوب أسبابًا كثيرة ومتنوعة قد يغفل عنها الإنسان، وقد ذكرها القرآن الكريم وبينها ووضحها مقرونة بالطبع والختم وما شابههما من المعاني، فالإنسان حين يعرض عن منهج الله والحق ويقترف الذنوب والمعاصي فسيمرض قلبه ويصيبه العمى والفساد، وتنكت فيه نكتة بعد نكتة، عندئذ يغلف ويحجب عن الهدى فلا يدرك الحق ولا يبصره، فيكون القلب منكوسًا مغلقًا لا تنفعه الآيات والنذر؛ لذا فإن معرفة أسباب الطبع في ضوء القرآن الكريم مهمة جدًّا للمسلم من أجل الحفاظ على قلبه السليم من أن يصيبه الران ويطبع عليه فيموت هذا القلب عن الوعي والسماع والفهم. ومن بين هذه الأسباب الكفر والنفاق، والعناد والتكبر والعدوان والجبروت، واتباع الهوى والشهوات، وعدم الانتفاع بآيات الله تعالى في الآفاق والأنفس، وسنعرض لها في المطالب الآتية.

أولًا: الكفر والنفاق:

لا شك أن من أهم أسباب الطبع على القلوب (الكفر والنفاق) والعياذ بالله، فهما الداء العقيم والشر المستطير، وإذا داوم عليهما الإنسان ختم على قلبه بالكفر والنفاق فلا يعي حقًّا، ولا يهتدي طريقًا، ولذلك لما ذكر الله تعالى في أوائل سورة البقرة صفات المؤمنين أتبعهم بصفات الكافرين فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] .

فكان جزاء كفرهم بالله تعالى وبآياته أن قال: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7] . أي: ختم الله على قلوبهم بالكفر 52.

ثم إن الكافر لا يرعوي عن ضلالته لما سبق من شقاوته، وقد حكم الحقّ سبحانه بأن لا يفارق قلوب أعدائه ما فيها من الجهالة والضلالة، ولا يدخلها شيء من البصيرة والهداية. وقد وردت آية سورة البقرة ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، فكان أن طبع الله على قلوبهم مجازاة لهم بكفرهم 53.

قال الرازي في مناسبة الآية: إنه لما بين الله تعالى في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، فكان الختم مانعًا لهم من الإيمان، والختم عبارة عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر، صار القلب كالمطبوع على الكفر، وقال الحسن: الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان، فكما أن الإيمان حياة القلب فالكفر موته 54.

وقد وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: الختم، والطبع، والضيق، والمرض، والرين، والموت، والقساوة، والانصراف، والحمية، والإنكار.

وفيما يأتي بعض الأمثلة:

فقال في الإنكار: {قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] .

وقال في الحمية: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26] .

وقال في الانصراف: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] .

وقال في القساوة: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22] .

وقال في الموت: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] .

وقال في الرين: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .

وقال في المرض: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10] .

وقال في الضيق: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] .

وقال في الطبع: {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] .

وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] .

وقال في الختم: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] 55.

فكل هذه النصوص القرآنية تدل على أن قلوب الكفار المعاندين، والمنافقين المكذبين في حجب عن البصيرة ومعرفة الحق والهداية، وذلك بسبب تماديهم في الكفر والغي واستغراقهم للذنوب والمعاصي، وهذه النتيجة من سنن الله الكونية التي حذر منها الناس، فقال: {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101] .

وعقوبة الطبع إنما هو معنى يخلقه الله تعالى في القلب فيمنع من الإيمان به، ودليله قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الحجر: 12 - 13] .

وقال: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الأنعام: 25] . أي: لئلا يفقهوه 56.

وجعل الراغب ثلاثة ذنوب للإنسان يقابلها ثلاث عقوبات في الدنيا، ومنها: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهب باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفت منه بوجه إلى الحق، وذلك يورثه هيئة تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه الطاعات، وهو المعبر عنه بالطبع والختم في قوله: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} [الجاثية:23] .

و {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] .

وبالأقفال في قوله: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] . إلى غير ذلك 57.

والكفر الذي يوجب الختم هو: عبارة عن جحود ما صرّح به الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به 58.

وبالجملة: إذا جحد ما علم من الدين بالضرورة بعدما بلغت الجاحد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحده عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً فقد كفر، فيكون عقوبته الختم، وهذا التعبير مثل لمن تمكن الكفر في قلوبهم حتى فقدوا الدواعي والأسباب التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلة الإيمان ومحاسنه، فلا يدخلها غير ما رسخ فيها 59.

وقد أشار القرآن إلى الأسباب الباعثة على كفر الكافرين والتي يتولدّ عنها الطبع على قلوبهم ضمن سنن الله الثابتة، وهي ثلاثة أسباب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت