فهرس الكتاب

الصفحة 695 من 2431

الترغيب

أولًا: المعنى اللغوي:

يرجع أصل كلمة الترغيب إلى الفعل الثلاثي (رغب) ، ويأتي هذا الفعل على معنيين:

الأول: الإرادة، يقول الراغب الأصفهاني: «والرّغبة والرّغب والرّغبى: السّعة في الإرادة» 1، يقال: رغب في الشيء رغبًا ورغبةً ورغبى، ورغبًا بالتحريك بمعنى أراده وحرص عليه، وأرغبني في الشّيء ورغّبني ورغّبه أعطاه ما رغب، أي: ما أراد، والرغبة إرادة الشيء والسعة في الإرادة، فإذا قيل: رغب فيه وإليه؛ اقتضى الحرص عليه إذا أراده، والرغيبة العطاء الكثير لكونه مرغوبًا فيه.

الثاني: ويأتي بمعنى الترك، يقال: رغب عن الشيء تركه متعمدًا، وزهد فيه ولم يرده، فإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرغبة عنه والزهد فيه 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرّفه عبد الكريم زيدان: «كل ما يشوّق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق، والثبات عليه» 3.

وقال عبد الرحمن النحلاوي: الترغيب: «وعد يصحبه تحبيب وإغراء، بمصلحة أو لذة أو متعة آجلة، مقابل القيام بعمل صالح أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيء؛ ابتغاء مرضات الله، وذلك رحمة من الله لعباده» 4.

والتعريف المختار هو: «وعد من الله سبحانه و تعالى لعباده فيه تحبيب وإغراء بمصلحة، أو لذة أو متعة عاجلة أو آجلة، يتبعه حرص وإرادة، مقابل القيام بعمل صالح أو ترك عمل سيء؛ طاعة لله سبحانه وتعالى» 5.

فلا يبعد المعنى الاصطلاحي للفظ عن معناه اللغوي الأول، إلا أن المعنى الاصطلاحي فيه زيادة توضيح.

وردت مادة (رغب) في القرآن الكريم (8) مرات، يخصّ موضوع البحث منها (5) مرات 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 1 ... {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء:127]

فعل الأمر ... 1 ... {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } [الشرح:8]

المصدر ... 1 ... {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90]

اسم الفاعل ... 2 ... {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) } [التوبة:59]

وجاء الترغيب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: طلب الشيء، والحرص عليه، والطمع فيه 7.

الإرادة:

الإرادة لغة:

القصد، يقال: إرادتي بهذا لك، أي: قصدي 8.

الإرادة اصطلاحًا:

ميل يعقب اعتقاد النفع 9.

الصلة بين الإرادة والترغيب:

الإرادة تعني الميل لتحقيق نفع أو فائدة، والترغيب وعد يصحبه تحبيب وإغراء للحصول على نفع أو فائدة، فكلاهما يحقق النفع والفائدة.

الوعد:

الوعد لغةً:

(الوعد) يستعمل في الخير والشّرّ، يقال: (وعد) يعد بالكسر (وعدًا) ، قال الفرّاء: يقال: (وعدته) خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الخير والشّرّ قالوا في الخير 10.

الوعد اصطلاحًا:

العهد في الخير 11.

الصلة بين الوعد والترغيب:

الوعد أكثر ما يستعمل في الخير، والترغيب وعد يصحبه حرص وإرادة لحصول متعة أو منفعة، وتكون في الخير.

الحث:

الحث لغةً:

السرعة والتّحرّز 12.

الحث اصطلاحًا:

«التحريض على الشيء، والحمل على فعله بتأكيد وإسراع» 13.

الصلة بين الحث والترغيب:

الحث يعني: التأكيد على فعل أمر معين والإسراع فيه، والترغيب تحفيز وحث وإسراع لتحقيق منفعة أو لذة في الدنيا أو الآخرة.

الترهيب:

الترهيب لغةً:

رهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبةً خافه 14.

الترهيب اصطلاحًا:

وعيد وتهديد من الله سبحانه و تعالى بعقوبة عاجلة أو آجلة؛ لتخويف العباد من اقتراف الذنوب والمعاصي، أو التهاون في أداء الفرائض التي أمر الله بها 15.

الصلة بين الترغيب والترهيب:

أنّ الترغيب من الألفاظ المقابلة للترهيب، فالترغيب وعد وتحبيب وإرادة ولذة ومتعة، أما الترهيب فهو وعيد وتهديد وخوف وفزع.

إنّ المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أنّ أسلوب الترغيب جاء على ثلاثة أنواع:

أولًا: الجمع بين الترغيب والترهيب في آية واحدة:

جاء هذا الأسلوب في آيات كثيرة من كتاب الله، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] .

فهذه الآية الكريمة اشتملت على الترغيب والترهيب معًا، فالترغيب تمثّل في قوله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} والترهيب جاء في قوله: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} ، لأعدائه بإهلاكهم في الدنيا، ثم رغّب من يستحق الترغيب من المسلمين فقال: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: كثير الغفران لأوليائه عظيم الرحمة بجميع خلقه 16.

ثانيًا: الجمع بين الترغيب والترهيب في آيتين منفصلتين متتابعتين:

قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50] .

فقد جاء الترغيب في آية مستقلة بذاتها {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، والترهيب في آية أخرى {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ، يقول السعدي: «ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى، فقال: {نَبِّئْ عِبَادِي} أي: أخبرهم خبرًا جازمًا مؤيدًا بالأدلة، {أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته سعوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته» 17.

ومثال آخر على هذا الأسلوب: قال تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] .

وقوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14] .

فقد اشتملت الآية الأولى على الترهيب من انتقام الله وبشطه، وجاءت الثانية للترغيب في رحمة الله ومغفرته.

ثالثًا: الجمع بين الترغيب والترهيب في مقطع قرآني:

وهذا الأسلوب يأتي ضمن مجموعة من الآيات تشتمل على الترغيب والترهيب، فقد رهّب سبحانه وتعالى من حال الكافرين وهم يساقون جماعات إلى جهنم، ورغّب بحال المتقين، وهم يدخلون الغرفات وبالثواب الذي أعده الله للفائزين بالجنة.

قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 71 - 72] .

يقول ابن عاشور في تفسيره: «ابتدئ في الخبر بذكر مستحقّي العقاب؛ لأنّه الأهمّ في هذا المقام؛ إذ هو مقام إعادة الموعظة والتّرهيب للّذين لم يتّعظوا بما تكرّر في القرآن من العظات مثل هذه، فأمّا أهل الثّواب فقد حصل المقصود منهم، فما يذكر عنهم فإنّما هو تكرير بشارةٍ وثناءٍ» 18.

وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 73 - 74] .

ومن الأمثلة على هذا النوع أيضًا: قوله تعالى واصفًا نعيم أهل الجنة: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 27 - 40] .

يقول أبو بكر الجزائري في تفسيره: « {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} وهم الذين إذا وقفوا في عرصات القيامة أخذ بهم ذات اليمين وهم أهل الإيمان والتقوى في الدنيا، وقوله تعالى: {مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} تفخيم لشأنهم وإعلان عن كرامتهم، ثم بيّن ذلك بقوله: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} إنهم في هذا النعيم الدائم المقيم، إنهم يتفكّهون بالنبق الذي هو أحلى من العسل، وأنعم من الزبد، شجره مخضود الشوك لا شوك به، ويتفكّهون بالطلح، أي: ثمره وهو الموز، والماء المصبوب الجاري، والفاكهة الكثيرة التي لا تقطع بالفصول الزمانية كما هي الحال في فاكهة الدنيا، يوجد منها في الصيف ما لا يوجد في الشتاء مثلًا، ولا ممنوعة بثمن غال ولا رخيص، وفي فرش مرفوعة عالية علو الدرجات التي هي فيها، وقوله: {إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً} يعني: الحور العين» 19.

وفي المقابل وصف القرآن صور العذاب الذي أعدّه الله لأهل النار جزاء لهم على كفرهم وعدم إيمانهم، فقال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 41 - 45] .

يصف الله سبحانه وتعالى حال أهل النار وعذابهم، {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} وهم أهل النار، الذين يؤخذ بهم ذات الشمال من موقف الحساب إلى النار {مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم، {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} تهبّ عليهم ريح شديدة الحرارة، {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} وظل من دخان شديد السواد 20.

القرآن الكريم حافل بالآيات القرآنية المتضمنة للترغيب ومجالاته المتعددة، كالترغيب في الإيمان بالله والأعمال الصالحة والأخلاق، وسوف نتحدث عن كل مجال من هذه المجالات.

أولًا: الترغيب في الإيمان:

الإيمان بالله أول واجب على الإنسان، وعليه يقوم الإيمان ببقية أركان الإيمان؛ إذ لا يصح إيمان أحد بشيء من أركان الإيمان إلا بعد إيمانه بالله؛ حيث إن الله عز و جل هو الذي شرع الأركان الأخرى، وأمر العباد باعتقادها؛ لذا يذكر الإيمان بالله تعالى متقدمًا على بقية الأركان حين يذكر معها، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] .

وقد رغّب القرآن الكريم بالإيمان في كثير من الآيات، ومن صور الترغيب ما يأتي:

1.نيل رضا الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «وأما قوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} فإن معناه: ورضى الله عنهم أكبر من ذلك كله، بذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» 21.

وقال ابن كثير رحمه الله: « {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم» 22، فهذا الرضوان لا يكون إلا للمؤمنين كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7 - 8] .

2.تحصيل الأجر العظيم.

قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .

فإن الله أمر بالإيمان به سبحانه وتعالى، ووعد على ذلك الأجر العظيم في الآخرة 23.

وقد ذكر الله عز و جل ثواب الذين آمنوا به سبحانه و تعالى بأن لهم أجورًا عنده قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 152] .

وذكر الله أجورهم نكرة ليدل على أنها أجورٌ عظيمة، كل حسب حاله؛ ليجتهد المؤمن فيعمل صالحًا، ويتقرّب إليه سبحانه و تعالى؛ كي يحصّل الأجر والثواب الجزيل، وبذلك يستمر المؤمن على طاعة ربه فيستقيم أمره في الدنيا والآخرة.

3.الهداية والثبات في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11] .

بيّن الله عز و جل أن من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فآمن بالله عز وجل وبما كتب له فصبر واحتسب؛ كانت له الهداية القلبية، في جميع أحواله وأقواله وأفعاله وفي علمه وعمله، ويهديه في الآخرة لدخول الجنة، فيستقيم أمره كله 24.

وقال عز و جل: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

فقد بيّن الله أن الذين آمنوا به سبحانه وتعالى فقد استمسكوا بالعروة الوثقى وهي الدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، فمن يؤمن بالله فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها 25، وشبّه الله عز وجل ثبات المؤمن على إيمانه بالعروة القوية التي لا تنفصم؛ لإحكامها وشدة ربطها، فكان المتمسك بذلك على ثقة من أمره فيثبت على هذا الدين.

4.الرفعة والعلو في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

فإن الله يكرم المؤمن بالثواب في الآخرة، والكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم 26.

5.التمكين في الأرض والأمن.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] .

إن الله وعد من آمن به سبحانه و تعالى وعمل الأعمال الصالحات، بالاستخلاف في الأرض -أي: يجعلهم خلفاء فيها، ويثبت لهم دينهم ويظهره على جميع الأديان، ويذهب عنهم أسباب الخوف بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه وتعالى 27.

6.الحياة الطيبة.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل 97] .

إن الله وعد من آمن به سبحانه و تعالى وعمل صالحًا، أن يحييه حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمل في الدار الآخرة، واختلف في تفسير الحياة الطيبة: قيل: الرزق الطيب الحلال، وقيل: القناعة، وقيل: السعادة، وقيل: توفيقه إلى الطاعات، وقيل: الحياة في الجنة 28، فإنه وإن اختلف في تأويل معنى الحياة الطيبة، فكل المعاني فيها ترغيب للمؤمن بالعمل الصالح؛ حتى يفوز بهذا الوعد، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه) 29.

7.ولاية الله للمؤمنين,

قال تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68] .

يقول الطبري في تفسيره: «والله ناصر المؤمنين بمحمد، المصدّقين له في نبوّته وفيما جاءهم به من عنده، على من خالفهم من أهل الملل والأديان» 30.

8.دخول الجنة.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] .

أكد الله سبحانه و تعالى لأولئك الذين آمنوا به، وصدّقوا بما جاء به، أن يدخلهم جنات وليس جنة واحدة، وفي ذلك ترغيب للمؤمن لتحصيلها، وذكر بعض ما فيها من النعيم مثل الأنهار التي تجري من تحتها، والأساور من الذهب والحرير، التي يلبسها الرجال والنساء ويتنعمون بها 31، وأعظم فوز للمؤمنين دخول الجنة، قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185] .

ثانيًا: الترغيب في الأعمال الصالحة:

الأعمال الصالحة في القرآن الكريم كثيرة، ومن أهم الأعمال الصالحة التي لابد للمسلم أن يحرص عليها: العبادات، كالصلاة والزكاة والحج والصيام؛ لذلك نجد القرآن الكريم حافلًا بالآيات المرغبة بهذه العبادات ومن أهم هذه العبادات:

إن الله ميّز الصلاة عن غيرها من العبادات بمميزات كثيرة، فهي صلة بين العبد وربه، وأول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة، وفرضت في السماء ليلة المعراج؛ لذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أمرنا بإقامتها في كثير من الآيات؛ وذلك لأهميتها وعظم منزلتها، وأمرنا بالاستعانة بها في كل الأمور، قال سبحانه و تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

وقال سبحانه و تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] .

ولقد رغّب القرآن في الصلاة، ومن صور ترغيبه ما يأتي:

أنها سبب للانتهاء عن المعاصي: قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] .

فالصلاة سياج للمؤمن من كل منكر، فجمعت طرفي المقصد شرعًا، وهما العون على الخير والحفاظ من الشر؛ ولذا فقد عني بها النبي صلى الله عليه وسلم كل العناية، كما هو معلوم إلى الحد الذي جعلها الفارق والفيصل بين الإسلام والكفر، فعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت